نحاول طرح أفكار من سبقونا علي طريق الديمقراطية من اجل الاستفادة منها وليس من اجل تكرارها او تطبيقها حرفيا نظرا لاختلاف كل شئ بيننا وبينهم. والقضية التي تطرح نفسها وبشدة حاليا في مصر هي: اي نظام سياسي يجب علي مصر تطبيقه: الرئاسي أم البرلماني أم الرئاسي البرلماني أم نظام ذي مرجعية دينية؟ وتتعالي المخاوف من النظم المختلفة سواء من ان يؤدي النظام الرئاسي الي الديكتاتورية والاستبداد أو من أن تكون أحزاب مصر مازالت غير مؤهلة للنظام البرلماني بينما لا يفهم الغالبية بعد آليات النظام نصف برلماني/نصف رئاسي. ومن ناحية أخري يعبر الاخرون عن مخاوفهم من نظام ذي مرجعية دينية يفرض بالقوانين مرجعيته علي جميع المواطنين أيا كان دينهم. هذه المخاوف التي يعبر عنها المواطنون في مصر هي مخاوف مشروعة. ولكن يجب ان ندرك ان كل النظم التي طرحت قد تم تطبيقها في العديد من الدول ولقد نجحت ليس فقط لانها تتناسب مع ظروف الدولة التي تطبقها ومع شخصية شعبها ولكن لأنها كلها لديها قاسم مشترك واحد وهو الممارسة الديمقراطية. فقط الممارسة الديمقراطية والقوانين التي تحمي تلك الممارسة هي التي يمكن ان تمنع استغلال أية سلطة لسلطاتها وتضع الحدود علي غزائز الانسان في الاستبداد. وان درسنا كل نظام وكيفية تطبيقه في دولته سنجد ان الشعوب لا تختار نظمها بقدر ما تختار النظم شعوبها. فعلي سبيل المثال اختارت الولاياتالمتحدةالأمريكية النظام الرئاسي لانها دولة في حجم القارة مترامية الاطراف واسعة المساحات مكونة من ولايات مستقلة متحدة فيدراليا. لذلك كان انسب نظام لها هو النظام الرئاسي القوي يتخذ القرارات الفيدرالية ويضع السياسة الخارجية والدفاعية ولا يسائله الكونجرس ولا يسحب منه الثقة. الا ان الدستور حرص علي ان يضع ضوابط علي الرئيس فجعل سلطاته لا تتجاوز الهيئة التنفيذية فالرئيس الامريكي لا يملك سلطة علي اي من الهيئة التشريعية او القضائية: هو فقط الهيئة التنفيذية ولا يملك ان يحل الكونجرس او يدعو الي انتخابات مبكرة. أما في بريطانيا المملكة التي شهدت تجربة جمهورية قصيرة بعد صراع دموي ضد النظام الملكي الاستبدادي ثم تركت عملية اعدام الملك تشارلز الاول مرارة عميقة في نفوس الشعب الذي يعتبر الملك هو الأب الروحي لهم تقرر اقامة نظام وسط يحافظ علي التقاليد الملكية البريطانية ورمز الملك وفي الوقت نفسه يطبق نظام تداول السلطة حيث يقوم الحزب الذي يفوز بالاغلبية في الانتخابات التشريعية بتشكيل الحكومة ويصبح رئيس الحزب الفائز هو رئيس الحكومة. في هذا النظام الحكومة مسئولة مباشرة أمام البرلمان ويواجه رئيس الحكومة والوزراء مساءلة البرلمان والاحزاب المعارضة حول السياسات التي تنتهجها والاغلبية البرلمانية تملك ان تسحب الثقة من الحكومة كما ان الحكومة تملك الحق في حل البرلمان والدعوة الي انتخابات مبكرة. وفي فرنسا تعمل الجمهورية الخامسة بالنظام الرئاسي/البرلماني بعدما فشل النظام البرلماني للجمهورية الرابعة في تحقيق الاستقرار السياسي. واستدعي الجنرال شارل ديجول الي الحكم لكي يعيد النظام ويحل مشكلة الجزائر فقام ديجول بانهاء الجمهورية الرابعة ووضع دستورا جديدا يتناسب مع حجمه السياسي رافضا ان تكون كل مهمة الرئيس هي وضع أكاليل الزهور علي قبر الجندي المجهول. فوضع ديجول دستورا يعطي الرئيس سلطات واسعة خاصة فيما يتعلق بوضع السياسة الخارجية والدفاعية واختيار حكومته. ولكن ان كان الرئيس الفرنسي مثل الامريكي غير مسئول امام البرلمان فبعكس النظام الامريكي الحكومة مسئولة امامه ويستطيع البرلمان سحب الثقة من الحكومة واسقاطها كما تستطيع الحكومة حل البرلمان والدعوة الي انتخابات مبكرة. واخيرا هناك نظام الفصل العنصري الذي طبق في جنوب افريقيا الي ان سقط النظام بعد عشرات السنين من الصراع ومازال يطبق في اسرائيل. هذا النظام يضع قوانين تميز فئة من الشعب عن سائر الفئات الاخري سواء بسبب اللون كما كان الوضع في جنوب افريقيا او بسبب الدين كما هو الوضع في اسرائيل التي تدعو الي اقامة الدولة اليهودية او بسبب الجنس كما كان الوضع في عصر المانيا النازية. فكان البيض في جنوب افريقيا يتمتعون بمزايا في كل نواحي الحياة من تعليم وسكن وعمل وممارسة سياسية بينما استبعد السود وخصص لهم مناطق سكنية وعمل وتعليم منفصل عن البيض لا يستطيعون مشاركتهم في حياتهم. وفي اسرائيل تطبق الدولة نفس القوانين للفصل بين اليهود من ناحية والمسلمين والمسيحيين من الاسرائيليين من ناحية اخري. وان كانت جنوب افريقيا قد مارست قوانين الفصل العنصري ضد السود لان السلطة البيضاء كانت تنظر بتدن الي السود فان الاسرائيليين يفعلون نفس الشئ من اجل اجبار المسلمين والمسيحيين علي مغادرة البلاد حتي يتاح لاسرائيل اقامة الدولة اليهودية. هذا النظام بالرغم من انه يطبق الديمقراطية مع الفئة المميزة الا انه ابغض انواع النظم لأنه يحرض علي الكراهية بين ابناء الوطن الواحد ويمنع فئة من حقها الشرعي في المواطنة. وهو نظام مهدد دائما لان يعيش في صراع داخلي مستمر قد يتحول الي صراع دموي بهدف ابادة الفئات الاخري ويرتكب ضدها كل انواع الجرائم ضد الانسانية. وهكذا تختار الدول نظمها او بالآحري تختار النظم الدول والشعوب التي تتناسب معها ولكن ان كانت الديمقراطية هي القاسم المشترك بينها الا ان الأهم هو النظام الذي يحافظ علي السلام الاجتماعي داخليا لأنه سيسمح للدولة التقدم اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.