لجنة انتخابات حزب الوفد تتلقى الطعون من المرشحين.. غدًا    النائب أحمد جبيلي: القضايا العامة في مقدمة أولويات البرلمان    الإسكان تطرح أراضي استثمارية مميزة بالعلمين الجديدة والسادات بنظام البيع    المشاط: تطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    قادة الاتحاد الأوروبي يتعهدون خلال زيارة لدمشق بدعم تعافي سوريا بعد الحرب    الحرس الثوري: سنقف إلى جانب الشعب الإيراني حتى ضمان أمن المواطنين    وزير الخارجية يشدد على رفض أي ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية أو تقسيم قطاع غزة    آرسنال يتوصل لاتفاق لتجديد عقد طويل الأمد ل ساكا    مباراة السنغال ومالي تشتعل في ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    حصاد الوزارات.. رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح    وفاة ابنة الفنان أحمد عبد الحميد    إيرادات الخميس.. إن غاب القط يواصل صدارة شباك التذاكر وجوازة ولا جنازة يتراجع للمركز الثالث    تداول صورة لفضل شاكر أمام المحكمة العسكرية اللبنانية في جلسة سرية    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    مدرب الجزائر: جاهزون ذهنيًا لمواجهة نيجيريا ونواجه صعوبات    ارتفاع مفاجئ في أسعار الذهب| عيار 21 يلامس 6000 جنيه بمنتصف التعاملات    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    بُناة مصر الرقمية.. منحة تدريبية مجانية لتأهيل الخريجين لسوق العمل التكنولوجي    رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح فى علاج المرضى الأجانب    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    الأمن يفحص فيديو استغاثة لسيدة تزعم تعرضها هي وبناتها للاعتداء من والدهن في قنا    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    رانيا المشاط: تطبيق دليل "خطة التنمية المستجيبة للنوع" لتمكين ذوي الهمم    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثقافة‏..‏ سلعة أم خدمة؟

اتفقت ندوة‏'‏ الأهرام‏'‏ علي ان ثورة الخامس والعشرين من يناير هي بالدرجة الأولي ثورة ثقافية نهضوية مستنيرة‏..‏ ومن ثم فان للثقافة المصرية بتاريخها العريق دوار مهما سواء في التنمية الشاملة للوطن أو.. في تفعيل دور مصر اقليميا ودوليا باعتبارها القوة الناعمة وأهم الميزات النسبية التي تتمتع بها. وطالبت' الندوة' بمؤتمر شامل يضع استراتيجية شاملة للثقافة بمفهومها الشامل وأفرعها المتعددة لكي تتحمل نصيبها وتقوم بدورها الرائد في المشروع النهضوي لمصر.. وطالبت' الندوة' بتوفير كل الإمكانيات للإنتاج المعرفي الثقافي الفني الإبداعي.. ووصول هذا الي كل مواطن في مصر.. والي العالم من حولنا.. ومن ذلك عودة شركة الاستوديوهات ودور العرض إلي وزارة الثقافة.. وتعديل القوانين المقيدة للإبداع.. وإذ تنشر ندوة الأهرام وقائع الحوار.. فأنها تفتح الباب أمام التعليقات من المثقفين والفنانين والمبدعين والمهتمين..
محمود مراد: عقب الثورة يحدث التغيير في كل مجالات العمل الوطني..غير إن'الثقافة'حتما تجئ في المقدمة..لأنه إذا قلنا:' التغيير..من أين والي أين وما هو الهدف'.. فهنا يبرز الدور الأساسي للثقافة..ولعلكم تذكرون إننا علي طريق الدعوة لمناقشة المستقبل قد أجرينا حوارا موسعا حول إستراتيجية بعنوان'نحو مشروع حضاري عربي'وعقدنا في هذا الإطار أول ندوة عن'البناء الديمقراطي' نشرت في28 مارس ثم بعدها واستكمالا.. عقدنا ندوة نشرناها يوم الجمعة15 ابريل الماضي عن'العدالة الاجتماعية'.. باعتبار أنها أساس من أسس تطور المجتمع وبناء النهضة..واليوم نطرح للمناقشة قضية الثقافة باعتبار أنها هي الأساس المتين للمشروع النهضوي وهي الوسيلة المحفزة للانطلاق..وأكثر من هذا فإنها هي التي تستشرف المستقبل وتبلور الهدف المنشود. وتتعاظم أهمية الثقافة بمفهومها الشامل لتأثيرها الحيوي في بناء الفرد عبر تثقيفه في مختلف مراحل العمر..وارساء وابراز القيم..وبلورة الأهداف الوطنية والقومية..وغير ذلك مما تقوم به الثقافة بمعناها ومفهومها الشامل..من فكر وفلسفة..الي الأداب..الي الفنون بكل أفرعها من الوان وأشكال التعبير..مما يمكن ان تكون أسهل توصيلا الي المواطن وأعمق تأثيرا..
لهذا فإننا نعقد هذه'الندوة'للحوار حول دور الثقافة وموقعها في المشروع النهضوي لمصر..ما هي الرؤية الثقافية المطلوبة لكي نتعامل بضوئها مع الواقع الآن ونحن في مرحلة انتقالية بين عهدين ..وما هو الجانب الآخر من الرؤية المتعلق بالمستقبل..وكيف تكون الثقافة محفزا للمشروع النهضوي..وما المطلوب حتي تكون كذلك
الديمقراطية والتعددية
الدكتور عماد أبو غازي: أتصور انه لكي نناقش الحاضر والمستقبل فلابد أولا من التوقف لتقويم الماضي..ولا أقصد الماضي القريب وانما منذ بدايات النهضة في القرن التاسع عشر اذ أنني أري ثمة مشكلة في العمل الثقافي خلال التجارب المتتالية..فانه منذ بداية بناء الدولة الحديثة في عهد محمد علي حدث تحول مهم بالمجتمع المصري..في اتجاه المركزية المفرطة..واستحواذ العاصمة علي فائض ثروة المجتمع وعلي الأنشطة والخدمات..وهذه المركزية المفرطة كانت سببا مع غيرها لكل الانتكاسات التي تعرضت لها المشروعات النهضوية في القرنين الأخيرين..وفيما يتعلق بالثقافة فان العاصمة وعدد قليل من المدن تستحوذ علي القسم الأكبر من الخدمات والأنشطة الثقافية.. ذلك رغم المحاولات التي تكررت للخروج من هذه الدائرة..ويزيد من خطر هذه المركزية..غياب الممارسة الديمقراطية خصوصا في الستين سنة الماضية..وفي هذه المنطقة تحديدا..تكمن المشكلة الأساسية للعمل الثقافي..لذلك نجد ان بناء المؤسسات الثقافية الحديثة في مصر منذ القرن التاسع عشر قام علي ثلاثة أركان هي: مؤسسات ثقافية تنشئها وتديرها الدولة ومؤسسات أهلية تندرج في المجتمع المدني وصناعات ثقافية ربحية تتمثل في دور النشر الانتاج السينمائي والموسيقي والغنائي وهي كانت متمركزة في القاهرة..
وفي تصوري..فان أي اسهام للثقافة ودورها في المشروع النهضوي لمصر..لابد ان يبدأ من ديمقراطية العمل الثقافي..التي ترتكز علي أربعة عناصر أساسية هي أولا: التوزيع العادل للأنشطة والخدمات الثقافية علي مستوي الوطن كله بمعني كسر المركزية وثانيا: الاعتراف بالتنوع الثقافي داخل المجتمع وانهاء حالة التمييز والإبعاد علي أي أسس مثل: الثقافات الفرعية ومنها النوبية في الجنوب والأمازيغية في سيوة والبدوية في سيناء والصحراء..فان الاعتراف بهذا التنوع هو اثراء لوحدة الثقافة المصرية أما العنصر الثالث فهو: الدفاع عن حرية التعبير والإبداع والتفكير والبحث فهي حريات أساسية لا يمكن بدونها ان توجد حياة ثقافية سليمة ومكتملة أما العنصر الرابع والأخير فهو: ديمقراطية الادارة..والتخلص من فكرة الادارة الفكرية للعمل الثقافي..
وفي هذا الاطار لابد من تكامل المؤسسات المتنوعة التعليمية والدينية والشبابية والثقافية التي تعمل علي تشكيل الوجدان والعقل..كما لابد من تكامل المؤسسات الحكومية والأهلية..
ولابد أيضا من بروز دور الدولة..فهو مطلوب لدعم الصناعات الثقافية وتطويرها حتي تشكل اضافة ليست فقط للثقافة المصرية لكن أيضا للاقتصاد الوطني..باعتبار ان هذه الصناعات بانتاجها لها قدرة تنافسية في الاقليم..اذ تمتلك مصر من خلالها ميزة تنافسية قد لا تتوافر في صناعات أخري وطنية..
ولكي يكتمل هذا المشروع لابد أن تكون لدينا رؤية واضحة لسياستنا الثقافية الخارجية وتوجهاتنا للمحيطات التي نعيش فيها: عربيا افريقيا اليورو متوسطي والتوجه أيضا لجالياتنا في الخارج لربطها بالوطن..
وفي نفس الوقت..فان هذا يقتضي منا خفض تكلفة النشاط الثقافي..والاهتمام بالمحتوي..فقد كان الاهتمام سابقا بانشاء المباني الضخمة..وأتصور اننا بحاجة الي منطق آخر يعطينا إمكانية: انتشار اوسع بتكلفة مالية أقل..مع التركيز علي رسالة ثقافية تستهدف ترسيخ: مبدأ المواطنة قبول الآخر والاختلاف التداول السلمي للسلطة بناء الدول المدنية الديمقراطية في مصر..
محمود مراد: في قراءة تجارب الماضي القريب تحديدا كانت'الثقافة'.. خدمة بمعني ان تقدم الدولة ممثلة بالحكومة الخدمة الثقافية..دون ان تحقق عائدا ماديا لها..وكان هذا في مرحلة الستينات ثم جاءت مرحلة السبعينات وبرز اتجاه آخر يري تحديد دور الدولة وترك المجال للقطاع الخاص فأصبحت الثقافة بأشكالها أقرب إلي أن تكون'سلعة'.. وهذا ما رأيناه مثلا في عدم الاهتمام الكافي من الدولة للمسرح ودوره حيث كانت توجد سبع أو ثمانية فرق مسرحية حكومية وبعضها كان يجوب المحافظات إضافة إلي الثقافة الجماهيرية وأنشطتها في كل أنحاء مصر..وكان هناك اهتمام بالسينما إنتاجا وتوزيعا وانتشارا لدور العرض ثم تراجع كل هذا..فهل المطلوب في المرحلة القادمة ان تكون الثقافة'خدمة'أم'سلعة'
ونقطة أخري..انه إذا تحدثنا عن سياستنا وعلاقاتنا الثقافية بالخارج..فانه لا توجد لمصر مراكز ثقافية نشطة وفاعلة في الخارج! انه لا يوجد لنا مركز ثقافي يضم مكتبة وقاعة لعرض الأفلام واستضافة الفعاليات الثقافية والفنية ولإقامة معارض فنون تشكيلية مثلا..وهكذا..فلا يوجد مثل هذا المركز في أي بلد عربي..ولا..في الدول التي توجد بها جاليات مصرية وعربية..ولا..في أفريقيا..ولا في دول أمريكا اللاتينية التي يوجد بها نحو عشرين مليونا من أصول عربية ولقد كان يوجد مركز مصري جامعي وثقافي في شيلي لكن حكومتنا تخلت عنه منذ نحو عشرين عاما لتوفير مرتب مديره المصري!!.. ولا يوجد لنا مركز في دول آسيا المركزية وبحر قزوين رغم وجود علاقات تاريخية وثقافية..ولا..في الصين التي تهتم وشعبها بنا..والأمثلة عديدة. واذا قيل ان تتكلف ماديا..فانني أقول انه يمكن ببعض الجهد ان تدر عائدا يغطي نفقاتها..بل انها بالنظرة الاستراتيجية للدور والهدف..تؤدي الي تعميق العلاقات..وتنشيط السياحة والاقتصاد من جذب الاستثمارات الي العمل التجاري وغيره..وهذا علي اعتبار ان أنشطة الدولة متكاملة..فأنت تنفق علي الثقافة في الداخل لبناء مواطن قادر منتج ولتبني مجتمعا متماسكا قويا مثمرا..وانت تنفق في الخارج ليجئ لك العائد عبر قنوات أخري..أليس ذلك كذلك
المشكلات البنيوية
الدكتور صلاح فضل: دعني أعود الي نقطة البداية فأتحدث عن الرؤية الثقافية لمصر فيما بعد الثورة..وأحسب اولا ان الثورة ذاتها..كانت حركة ثقافية في المقام الأول لأن الشباب تشبعوا بحلم الديمقراطية لكنهم رأوا غيابه عن الواقع..وبالتالي فقد استطاعوا حشد الإرادة الجماعية لتحقيق هذا الحلم الديمقراطي في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية فلم تكن كما كان يتوقع الناس ثورة جياع ومحرومين ومهمشين..ولكنها كانت ثورة شباب التقي في فكرة..والفكرة هي المعامل الثقافي الأول الذي قاد حركة الشباب وانضمت إليهم سائر الأجيال..
اذن..فان ثورة الخامس والعشرين من يناير هي ثورة ثقافية ضد الديكتاتورية والفساد واحتكار السلطة..وهي مؤسسة علي تبني قيم نهضوية مستنيرة وكسر حاجز الشلل والسلبية وفرض الارادة الجماعية لتحقق ذاتها علي مرأي من العالم والتاريخ..ويرجع اعجاب العالم كله بها الي انها حركة ثقافية.
ولكن هذا وبما تفجرت عنه الثورة لا يجعلنا نغفل عن المشكلات البنوية لطبيعة الثقافة المصرية والعربية..وسأشير إلي ثلاث مشكلات علينا مواجتها الآن ونحن نضع رؤية استراتيجية مثل تلك الرؤية الجميلة المنظمة والشيقة التي استمعنا اليها من الدكتور عماد..
المشكلة الأولي: ان لدينا ثقافتين متناحرتين هما: ثقافة مدنية حضارية تستوعب معطيات العصر وتحدياته وثقافي ذات اطار ديني محدود..محرومة فيما قبل الثورة ثم أطلق لها العنان دون ان تكون قد تمرست بالحياة العامة واكتسبت شيئا من الكياسة..فنجد من ينطقون بهذه الثقافة الدينية..ويحاولون جر مصر الي ما قبل عصر النهضة بأكمله..الي العصور الوسطي! وهؤلاء هم من يديرون وجوههم الي الخلف ويتصورون ان النموذج الذي ينبغي ان تتبعه مصر هو النموذج الذي كان متحققا في خيالهم منذ أكثر من ألف وخمسمائة عام!!
ان هذه المشكلة حل هذا الازدواج الثقافي في الرؤية المدنية لمستقبل الدولة من ناحية..والرؤية التي تتذرع بالفهم المحدود للتاريخ وللدين..هو أول واجبات المثقفين الآن خاصة وان هؤلاء الذين يجيدون استخدام المنابر الدينية والخطاب الديني اكثر قدرة علي التفاعل مع الجماهير سواء عن طريق مباشر أو عن طريق الفضائيات ويستغلون نسبة الأمية الشديدة والشعور الديني الجميل لدي الناس في ان يحطموا القيم الثقافية الأساسية التي بنتها حركة النهضة وقادة الفكر في مصر في العصر الحديث..
ان علينا ان نبذل جهدا حقيقيا لتجاوز هذه الازدواجية..وان نرتقي بمستوي الخطاب الديني لكي يكون مجددا محتويا لعناصر الحضارة الإسلامية في التجربة المصرية لأن هذه التجربة فريدة نختلف عن بقية المناطق المحيطة بنا ومكتسباتها في هذا الصدد لا تقبل ان يأتي من يريد لنا ان نرتد عنها وان ننتكس قرونا عما وصلنا اليه من تطور ورقي وحضارة..
ويتصل بهذا المحور..وهو ضرورة حل هذه الازدواجية الثقافية بين التفكير المدني والتفكير الديني نجد ان المفكرين في مجالات عديدة وفي الدين بقيادة الامام محمد عبده..قد وضعوا الأسس لهذا الحل..لكن محاولة استغلال الدين للوصولية السياسية هي التي جعلتنا نواجه جماعات لابد من حل اشكالياتها الثقافية عن طريق الحوار..فهي قد خرجت من كهوفها القديمة..ولابد ان نتفاهم معها. ز لأنه في عصر الحرية والديمقراطية لا يمكن عودة الحلول الأمنية..ولا يمكن الا ان نتبادل معهم الرأي حتي يعترفوا بالتعددية..وحتي يكفوا عن تكفير الآخر..وتأثم غيرهم..لأن هذه هي الخطورة التي نريد أن نتفاداها!
هذه واحدة..أما الأمر الثاني الذي أريد التركيز عليه فيما يتصل بالرؤية الثقافية..ان جماعات الشعب العريضة وجدت نفسها مهمشة ثقافيا بسبب المركزية الثقافية التي تحدث عنها الدكتور عماد..وكانت النتيجة ان تغلغل في أعماقها نوع من التفكير الخرافي المضاد للفكر العلمي والثقافة التي نريد إعطائها الأولوية الآن هي الثقافة العلمية..ثقافة الإنتاج المعرفي والعلمي ودخول سباق العصر..وهذا ما يعيننا علي حل إشكالية الازدواجية لأن التفكير فريضة إسلامية ولأن العلم ازدهر في الحضارة الإسلامية..
أما الأمر الثالث فهو يتصل بالانتشار الضخم للفضائيات..ولوسائل التواصل عن طريق التقنية الرقمية..وهذا أدي الي انتشار دعوات غير خاضعة للرقابة والتنظيم..ويقبل عليه الشباب ولذا أدعو الدكتور عماد ووزارة الثقافة الي الاهتمام بهذا المجال..لاستثماره ثقافيا وكسر المركزية وتحقيق ديمقراطية الثقافة..وحتي لا تحتل هذه الوسيلة مراكز هدامة..
وأخيرا..فانني أتناول مسألة المراكز الثقافية في الخارج..وأؤيد الاهتمام بها..لكن علينا معرفة انها تتبع وزارة التعليم العالي..ولا يوجد سوي الاكاديمية الفنية في روما التي تتبع وزارة الثقافة. ومشكلة هذه المراكز انها تغلب الاهتمام بالتعليم علي الثقافة..لذلك أدعو وزارة الثقافة علي ان تعين مستشارين ثقافيين في سفارات مصر بالخارج.
الأستاذ صالح عبد المنعم: أتفق علي انه كان يوجد ترهل ثقافي خلال الستين عاما الماضية.. وأتفق علي انه لا يوجد نشاط ثقافي بمراكز ثقافية مصرية في الخارج.. ومن الضروري الاهتمام بالثقافة علي أساس انها' خدمة' وليست سلعة وبالتالي لابد من وضع خطة لها تحدد أهدافها.. وتعترف كما قال السيد الوزير بالتعددية الثقافية وربطها بالمواطنة. أما بالنسبة للمركزية فانه لابد من الاعتراف ان العاصمة هي بؤرة الاشعاع ومنها تنطلق الخطة الي بقية المحافظات..
محمود مراد: مجرد ملاحظة.. كيف يمكن القول ان الثقافة قد غابت طوال ستين عاما.. وهل ننكر مجهودات عظيمة بدأت في الستينات
الدكتور عماد أبو غازي: لم أذكر هذا.. انما قلت انه قد حدث تغير منذ بناء الدولة الحديثة منذ مائتي عام.. والتحولات الاقتصادية.. لكن بالنسبة للستين عاما فقد كنت أتحدث عن غياب الديمقراطية..
مهرجان سينما الثورة
الأستاذة سهير عبد القادر: أتحدث عن تجربتي فانني ابنة الثقافة الجماهيرية.. وكنا نعمل بجدية ونشاط خاصة وان وسائل الاتصالات التقنية الحديثة لم تكن موجودة.. واذكر الجهود الكبيرة في نشر الثقافة وتنمية الوعي واكتشاف المواهب وكل ما كانت تقوم به الثقافة الجماهيرية خاصة عندما كان يرأسها الراحل الأستاذ سعد الدين وهبه.. أما الآن فان الثقافة الجماهيرية قد ماتت!!
وبالنسبة للعلاقات الثقافية الخارجية وعدم وجود مراكز لنا في الخارج فهذا أمر مؤسف لأننا نلاحظ ان كثيرا من الدول الأجنبية لها مراكز أو مكاتب ثقافية في القاهرة.. تتبع سفاراتها. ولذلك فان دور وزارة الخارجية مهم في هذا المجال.. وأقترح ان تتولي تعيين مستشار ثقافي في كل سفارة مصرية يتبعه مكتب.. ويحصل علي المواد ويتسق مع العلاقات الثقافية بوزارة الثقافة..
ولعلي هنا أصل الي أهمية' المهرجانات السينمائية' بحكم عملي..وعلي أساس ان الفيلم هو وسيلة مهمة للتواصل بين الشعوب.. ولهذا نري اهتمام الدول بالمهرجانات السينمائية. ونلاحظ أيضا مدي التأثير الايجابي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي جعل دولا ومهرجانات عديدة تطلب الفيلم المصري.. واذا كان مهرجان القاهرة قد تأجل هذا العام.. فانني أرجو ان يكون التأجيل فرصة لتطويره.. وليتنا بمناسبة الثورة المصرية وفي ضوء الاهتمام الذي رأيناه في مهرجان كان ننظم مهرجانا سينمائيا للأفلام التي تتحث عن الثورات.. ويمكن ان نعرض الافلام علي شاشات كبيرة في ميدان التحرير.. ليصبح الاحتفال شعبيا.. مع عقد المهرجان بفعالياته في الأوبرا.. ولا تستمر اكثر من يومين.. وقد أثيرت هذه الفكرة في الاتحاد الدولي للمهرجانات وتحمس لها.. وليت السيد الوزير يوافق علي هذا. وسوف يكون مهرجانا متميزا ويمكن ان ندعوا له فنانين من مختلف الدول.. ويمكن ان يكون هذا قريبا خلال الشهور القادمة..
الدكتور عز الدين شكري: أريد التحدث في نقطتين.. الأولي عن علاقة التعليم بالثقافة.. وهذه قد تحدث عنها الدكتور عماد وهي مهمة لأن المرحلة التعليمية تمهد أو تجمد الوعي الثقافي. والحقيقة ان التعاون بين الوزارات في أي دولة صعب.. ولا أعرف كيف يتم حل هذه المشكلة! أما النقطة الثانية فهي خاصة بالتمثيل الخارجي للثقافة.. وهنا فانني أري الغاء نظام المستشار الثقافي الذي تعينه وزارة التعليم العالي فلا حاجة اليه لسببين.. لأن الحكومة نفسها لم تعد توفد المبعوثين كما كان في السابق. ولأن المبعوث ليس طفلا يحتاج الي رعاية وانا شخصيا حصلت علي الدكتوراه من كندا.. ولم يكن يوجد مستشار!!
أما عن انشاء مراكز ثقافية في الخارج لعرض انتاجنا.. فانني غير متحمس لهذا.. والأفضل هو الاشتراك في المهرجانات والفعاليات المختلفة..
الأستاذ مجدي أحمد علي: أتفق علي أهمية التمثيل الثقافي في الخارج. لأن الثقافة هي القوة الناعمة لمصر. أما عن كيف نعرضها فهذه قضية أخري.. لأننا في الداخل نعاني من انهيار ثقافي.. وبالنسبة للسينما بالذات فانه توجد كارثة.. وأغلب المبدعين الحقيقيين لا يعملون الا كل خمس أو عشر سنوات! والمسرح انتهي منذ ان رفعت الدولة يدها عنه! وقد يكون البارز في الحالة الثقافية هو نشاط دور النشر وانتاج الكتب..
إذا استعرضنا التاريخ الثقافي في المائتي سنة الأخيرة فاننا نجد تقلبات وعندما جاءت ثورة23 يوليو1952 فانها للأسف' عسكرت' الثقافة وأدخلتنا في دائرة من الخلط بين المفهوم الثقافي الحر الديمقراطي وبين المفهوم الاعلامي.. والدفاع عن الاشتراكية التي تبنتها الثورة فيما بعد..
وهاهي الطبقة الوسطي قد فاجأتنا وقامت بثورة الخامس والعشرين من يناير بعد ان كنا نتصور ان هذه الطبقة قد انهارت.
وأتصور ان مهمتنا الآن هي دعم هذه الطبقة في كل المجالات حتي تنهض ثقافتها.. وهنا يجئ دور التنمية والديمقراطية.. ويجئ دور الثقافة التي يجب توجيه كل الامكانيات لها. ولذلك فإنني مثلا غاضب جدا لتأجيل مهرجان القاهرة السينمائي.
والخلاصة انني أطالب بان يرفع كل المثقفين نداءات وان يخوضوا معارك من أجل عودة الثقافة المصرية الي ما تستحقه من اهتمام في الدولة.. وان تكون الثقافة في أولوية اهتمامات مصر.. وان الثقافة والوزارة تمثلها هي التي تلهم كل الثورات والحضارات.. وتلهم الوجدان.. وهي التي تعبر عن الوطن في العالم كله..
الدكتور عماد أبو غازي: إننا في حاجة الي تفعيل التمثيل الثقافي الفني في الخارج.. وهذا ما نخطط له واذا كنا نعتبر الثقافة سلعة في الداخل فانه عند ارسالها الي الخارج تصبح' سلعة' عن طريق تصدير الأفلام والكتاب والأعمال الفنية المختلفة.. وهذه قضية حيوية تندرج في اطار التنمية الشاملة للوطن لأن الصناعات الثقافية تعد أساسية ويقوم بها القطاع الخاص مع دعم ومساندة من الدولة.. وربما نأمل إنشاء بنك خاص بهذا المجال.
محمود مراد: بعد كل هذا.. هل نحتاج الي مؤتمر لصياغة رؤية استراتيجية ثقافية شاملة
الدكتور عماد أبو غازي: اذا كانت هذه رغبة المثقفين.. فلا مانع.. وليس بالضرورة ان تكون الوزارة هي الداعية..
الأستاذ مجدي أحمد علي: هذا وارد.. وتوجد مجموعة من المثقفين تسعي الي هذا الآن.. ورأيي ان هدف اي مؤتمر ثقافي يجب ان يكون: اطلاق الحريات بلا قيود توفير الميزانيات الغاء القوانين المقيدة للابداع..
محمود مراد: أعتقد ان المؤتمر مطلوب.. وان يكون له اعداد جيد لأنه يناقش استراتيجية الثقافة بأفرعها وبمفهومها الشامل.. للاسهام في المشروع النهضوي لمصر ويجب ان يستغرق عدة أيام.. ليضع استراتيجية متكاملة.. وشكرا لحضراتكم..
اشترك في الندوة
الدكتور عماد أبو غازي: وزير الثقافة..
الدكتور صلاح فضل: ناقد وعضو مجمع اللغة العربية..
الدكتور عز الدين شكري قشير: أمين عام المجلس الأعلي للثقافة..
الأستاذة سهير عبد القادر طه: نائب رئيس مهرجان القاهرة السينمائي..
الأستاذ مجدي أحمد علي: مخرج سينمائي..
الأستاذ صالح عبد المنعم محمد: رئيس المكتب الفني لرئيس هيئة الاستعلامات..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.