جامعة قناة السويس تنظم مؤتمر الدراسات العليا السابع    لماذا فقد الذهب زخمه الصعودي رغم التوترات الجيوسياسية؟    تداول 12 ألف طن و800 شاحنة بضائع متنوعة بموانئ البحر الأحمر    الفريق أسامة ربيع يشهد توقيع برتوكول تعاون بين شركة قناة السويس وتنمية البحيرات    لومين سوفت تنضم رسميًا للمختبر التنظيمي للتكنولوجيا المالية بعد الموافقة المبدئية للرقابة المالية    الجيش الإيراني: على سكان الإمارات الابتعاد عن الموانئ تمهيدا لاستهدافها    وزير الخارجية ونظيره الفرنسي يبحثان هاتفيا سبل تجنيب المنطقة حرب إقليمية    سفير ‌إيران لدى الهند: سمحنا لسفن هندية بعبور مضيق هرمز    وصول حافلة الزمالك إلى ستاد الفونس ماسامبا لمواجهة أوتوهو بالكونفدرالية    عمرو السيسي: الدوري الحالي أصعب وليس أقوى.. وإمام عاشور هو الأفضل حاليا    تفاصيل حادث مروع على طريق بنها| صور    عودة نارية في رمضان 2027.. محمد رمضان يشوق متابعيه بمسلسله المرتقب    وكيل وزارة الشباب بسوهاج يكرم حفظة القرآن الكريم ويمنحهم شهادات التقدير    دعاء الرياح.. "اللهم إني أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها"    قصر العيني يشغل أحدث ثلاثة أجهزة ECMO لدعم الرعاية الحرجة بالمستشفيات الجامعية    قافلة طبية مجانية فى منشية ناصر ضمن مبادرة حياة كريمة فى أسيوط    ننشر الحصاد الأسبوعي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي    موعد مباراة ريال مدريد وإلتشي.. والقنوات الناقلة    اليوم.. الأهلي يختتم استعداداته لمواجهة الترجي في دوري أبطال أفريقيا    محافظ جنوب سيناء يشهد ختام تدريبات المنتخب الإيطالي للسباحة المفتوحة بشرم الشيخ    إحالة سائق بتهمة الاعتداء بالضرب على موظف في عين شمس للمحاكمة    الداخلية تضبط 1501 مخالفة مرورية وترفع 32 سيارة ودراجة نارية متروكة من الشوارع    خلال 24 ساعة.. ضبط 425 قضية مخدرات و208 قطع سلاح وتنفيذ أكثر من 82 ألف حكم قضائي    إحالة عاطل للجنايات بتهمة النصب على المواطنين بزعم تسفيرهم للخارج في السلام    مصرع شخص وإصابة 11 آخرين بحادث انقلاب سيارة تريلا على تروسيكلين ببنها.. صور    خدمتك لحد البيت.. الداخلية تواصل إيفاد قوافل الأحوال المدنية وتلبي استغاثات كبار السن    قنصوة: إنشاء مركز متخصص في الذكاء الاصطناعي لدعم البحث العلمي بالمجالات التكنولوجية المتقدمة    الحب الحقيقي يظهر في العيون.. هل تكشف الأيام علاقة يارا السكري ب أحمد العوضي؟    سفير تركيا بالقاهرة: مصر بلد لا تموت أبدًا وتعرف كيف تنهض من جديد    وننسى إللي كان.. جليلة وبدر في مواجهة تحديات الحب    الدفاع الإيرانية: سنستخدم صواريخ باليستية وأنواعا مختلفة بقوة أكبر    البيت الأبيض: علينا إعلان النصر والانسحاب من حرب إيران    باكستان تتهم أفغانستان بتجاوز الخط الأحمر بإطلاق طائرات على أهداف مدنية بالبلاد    لتطوير خدمات السكتة الدماغية، تدريب دولي لمراجعي الجودة الإكلينيكية في مصر    مدير مستشفيات جامعة القاهرة يتفقد الاستقبال والطوارئ وبنك الدم    تشكيل تشيلسي المتوقع أمام نيوكاسل يونايتد في البريميرليج    «تطوير التعليم بالوزراء» يخصص 50 منحة دولية لأبناء الشهداء في التكنولوجيا واللغات    محافظ أسيوط: انطلاق مهرجان عروض نوادي مسرح الطفل بقصر ثقافة أحمد بهاء الدين مساء اليوم    وزير الخارجية يبحث مع كايا كالاس سبل خفض التصعيد في المنطقة    رسميا.. سيد معوض مدربا عاما لنادي غزل المحلة    حفل قرآني مهيب بمركز سنهور القبلية بالفيوم لتكريم 2000 حافظ وحافظة للقرآن الكريم    تخفيض سرعة القطارات بسبب حالة الطقس    شهيد الغربة.. والدة الشاب البورسعيدي محمد ريان تروي تفاصيل مقتله في أمريكا: كان بيسقي طفلة ماء فقتلوه بخمس رصاصات    لا خوف على مصر، السيسي يطمئن المصريين بشأن الحرب الجارية وتطورات الأوضاع بالمنطقة (فيديو)    أسعار الحديد والأسمنت اليوم في أسواق مواد البناء    موعد مباراة الزمالك وأوتوهو في ذهاب ربع نهائي الكونفدرالية والقنوات الناقلة    «الصحة» تطلق 3 قوافل طبية مجانية ب 3 محافظات ضمن «حياة كريمة»    محمد أنور يتصدر المشهد بعد ظهوره في "حبر سري".. اعترافات صريحة تكشف كواليس النجاح وخوفه من السوشيال ميديا    حكم إخراج زكاة الفطر نقدًا| دار الإفتاء توضح الرأي الشرعي وتستند إلى أقوال الصحابة    «الدم بقى ميه»..خلافات عائلية تنتهي بطعن شاب على يد ابن عمه في كحك بحري بالفيوم    لمه العائلة.. حين تُطفأ الكاميرات لتضاء القلوب    المغرب تستضيف الدورة المقبلة للاجتماع الوزاري المشترك مع دول الخليج    بعد توجيهات الرئيس السيسي| خبراء يؤكدون: إلغاء بعض التخصصات الجامعية يخدم سوق العمل    قرار تاريخي.. تيسير تجديد كارت ذوي الهمم بعد مطالبة «آخر ساعة»    الفنان السوري أركان فؤاد يفتح النار على السوشيال ميديا: أضرت بالفن    وكيل الأزهر يعزي والد الطالب الأزهري "محمد عجمي "الذي وافته المنية عقب إمامته للمصلين    (رسوم تخزين المطار ) يتفاعل على إكس .. وناشطون: السيسي بيزنس الحرب على أي شعارات    عاجل.. عميد طب طنطا يكشف حقيقه سقوط مصعد ووجود إصابات بمستشفى الطوارئ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أجيال بلا أغنيات

في معرض القاهرة الدولي للكتاب وقفت في محل لبيع الأسطوانات‏.‏ كنت أنتظر رجلا في منتصف الخمسينات حتي ينتهي من اختيار بعض الأغنيات‏.‏ كان الرجل يعاني شيئا من الارتباك واعتذر لي عن تأخره في الاختيار‏,‏ لأن لديه شعورا بالخجل‏.‏ فلا يجوز لرجل مثله في هذه السن أن يقف ليختار أغنيات حتي ولو كانت تنتمي إلي ذلك الزمن الجميل كما يقولون‏.‏ ويبدو انني زدته خجلا وأنا في مثل سنه حين طلبت من البائع بعض اقدم تلاوات الشيخ مصطفي إسماعيل‏,‏ ولكنني سرعان ما بددت خجل الرجل حين طلبت بعض الأغنيات وتسجيلات للصور الغنائية التي اعتادت الإذاعة تقديمها في ستينيات القرن الماضي‏.‏
وحين أعدت ذكر تلك الواقعة لبعض أصدقائي جاءتني حكايات كثيرة جميعها يشير إلي أن المجتمع الآن لم يعد يرحب كثيرا برجال أو سيدات فيما فوق الأربعينات من العمر يطربون للأغاني والموسيقي‏,‏ فذلك لهو أصبح مسموحا به فقط للمراهقين ومن هم في طليعة سن الشباب‏,‏ حيث المجتمع أكثر تسامحا معهم دون غيرهم‏.‏ تذكرت أن الأغاني الآن من صنع الشباب شعرا ولحنا وغناء واستماعا‏.‏
فليس علي الساحة من كبار الشعراء أو الملحنين اسم واحد‏.‏ تواري الكبار عن الموسيقي والغناء ربما بأسباب تخص واقع المناخ السائد في إنتاج الاغنيات وجمهورها ولكنها ليست بعيدة أيضا عن تغير نظرة المجتمع للموسيقي وللغناء والمتعاملين معهما‏.‏
في كل مرة تذاع إحدي أغنيات أم كلثوم في التليفزيون المصري وهي نادرة‏,‏ أتأمل كثيرا ذلك الجمهور الذي يستمع بشغف لما تغني‏.‏ لم يعد يعنيني سلوك ذلك الجمهور في الاستماع فقد أصبح ذلك ترفا‏.‏ اللافت للنظر هو أن جمهور حفلات ام كلثوم كان في الغالب ممن هم في الأربعينات والخمسينات وأكثر‏.‏ وجاء محمد عبدالوهاب ليضم إلي مستمعيه من هم أقل سنا من جمهور أم كلثوم‏.‏ أما من كانوا في سن المراهقة والشباب فكانوا يستمعون الي عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وفايزة أحمد وشادية ونجاة وغيرهم‏.‏ ذهب المطربون الشباب الجدد بهذا الجمهور الآن‏,‏ أما من تجاوز الخمسينات فليس له من أغنيات هذا الزمان نصيب اللهم الا بعض حفلات الموسيقي العربية أو الاستماع لمحاولات بعض المطربين الشبان ترديد أغنيات تنتمي لزمن مضي‏.‏
في ذلك الماضي الذي لم يبتعد كثيرا لم يجد الشاعر عبد الفتاح مصطفي غضاضة وهو رجل صوفي النزعة أن يكتب وهو في خمسينات العمر سحب رمشه ورد الباب كحيل الأهداب‏..‏ نسيت أعمل لقلبي حجاب‏.‏ كحيل والكحل من بابل‏,‏ وإمتي عيونا تتقابل‏.‏ يا ريت نظرة وأنا أقابل ولو بعتاب‏.‏ نسيم العصر علي القصة يحكي في الهوا قصة وبين البصه والبصه تدوب أحباب ولم يتوقف أحمد رامي وهو في سبعينات العمر عن البوح بالجوي المكتوم كيف أنسي ذكرياتي‏..‏ وهي في قلبي حنين‏.‏ كيف أنسي ذكرياتي وهي أحلام حياتي‏.‏ إنها صورة أيامي علي مرآة ذاتي‏.‏
واختتم بيرم التونسي مشواره مع أم كلثوم قبيل وفاته بأغنيته الشهيرة التي يقول فيها‏:‏ نظرة وكنت أحسبها كلام وتمر قوام‏.‏ أتاري فيها وعود وعهود وصدود وآلام‏.‏ وعود لا تصدق ولا تنصان‏.‏ وعهود مع اللي مالوش أمان‏.‏ وصبر علي ذلة وحرمان‏.‏ وبدال ما اقول حرمت خلاص‏,‏ اقول يا رب زدني كمان‏.‏ القضية ليست في صلاحية مثل تلك الكلمات لهذا الزمن ولكن هل يقبل المجتمع الآن رجلا في سن بيرم أو أحمد رامي أن يكتب هكذا في الحب‏.‏ لقد تعرض محمد عبد الوهاب لشئ من النقد بعد أن ادركنا التصحر لأنه كان في سبعينات عمره وغني للحب في أغنيته الأخيرة من غير ليه
التحفظ مع الموسيقي والغناء بفعل السلفية الاجتماعية في بلد مثل مصر يشير إلي أن الفكر الاجتماعي يسير في الاتجاه المعاكس لحركة التاريخ المصري نفسه ليس في الموسيقي وحدها وإنما في مجالات أخري كثيرة‏,‏ تذكرت قول الجاحظ‏:‏ الموسيقي كانت عند الفرس أدبا وعند الروم فلسفة‏,‏ أما عند العرب فقد أصبحت علما وتذكرت الكندي فيلسوف العرب يصف آلة العود بأنها آلة الفلاسفة‏.‏ وتذكرت كيف انتقل مركز الحضارة والموسيقي من بغداد إلي الأندلس بعد أن سادت السلفية الدينية عاصمة الخلافة في بغداد حين تولي المتوكل حكم الدولة العباسية فحارب فكر المعتزلة وعاد إلي السلفية‏,‏ فصادر مكتبة الكندي التي اعتبرت مرجعا كبيرا للمؤرخين والعلماء‏.‏ وأعادتني كتابات الرحالة الأوربيين إلي روح الفن الساكن في أعماق المصريين‏.‏ كل مصري فنان بطبعه‏.‏ فهو إما متذوق للفن أو مبدع له‏.‏ لم تخب جذوة الفن في أعماقه علي مر التاريخ‏.‏ ورغم القيود التي فرضت علي الفن أوقات من تاريخه‏,‏ إلا انه لم يعدم وسيلة للتعبير عما تجيش به أعماقه من فن وقدرة علي التعبير‏.‏ توسل بالفن صبرا علي الظلم الذي نزل به‏,‏ وجهادا في مسالك طلب الرزق‏,‏ وسبيلا لعبادة الخالق والتقرب إليه‏.‏ جاءته أزمات تحرم الفن فلم يستكن‏.‏ سقط الإزميل من يد آخر النحاتين الفراعنة ليلتقطه الأطفال في القري يصنعون من الطين تماثيل رائعة يلهون بها‏.‏ وحينما حرم عليهم الغناء والموسيقي‏,‏ تغنوا بالقرآن وأبدعوا الابتهالات والتواشيح والمدائح النبوية وأحاطوا مواكب الحجيج بغناء ديني يعبر عما في النفس المصرية من الفن الذي هو هبة من الله‏.‏ لا نذكر شعبا من شعوب المسلمين خدم تجويد القرآن وتلاوته مثلما فعل المصريون‏.‏ ولا نعرف حتي الآن أذانا للصلاة هو أروع لحنا من أذان المصريين‏.‏
إن تاريخ الفن في مصر هو تاريخ الحرية بمفهومها الاجتماعي وليس السياسي رغم الارتباط الكبير بينهما‏.‏ فحينما هبت رياح الحرية علي مصر في نهايات القرن التاسع عشر انفجرت ينابيع الفن شعرا وقصصا ونحتا ورسما وغناء وموسيقي‏.‏ لم تكن الحرية التي فجرت طاقات الفن عند المصريين مقصورة علي الحرية السياسية ولكنها الحرية التي جاءت تكتسح القيود الاجتماعية والأوهام الثقافية المتسترة خلف الدين‏.‏ حتي إذا خبت روح الحرية الاجتماعية أعاد التاريخ فرض القيود علي عبقريات الفن المصري وإبداعاته بأوهام أعيد إنتاجها من بطون التاريخ‏.‏ كنت ومازلت أتمني أن تتمتع الثقافة الاجتماعية السائدة بنصف الحرية السياسية المتاحة الآن‏.‏
لم تعد المشكلة في الحرية السياسية وإنما في القيود الاجتماعية والفكرية الخانقة القاتلة لكل إبداع بشري‏.‏ هناك فارق بين القيود السياسية والقيود الاجتماعية‏.‏ الأولي تجرم وسائل الاعتراض‏,‏ والثانية تجرم أساليب التفكير والإبداع‏.‏ عواقب الخروج علي القيود السياسية محتملة‏.‏ أما الخروج علي القيود الثانية فهو غير محتمل في الغالب‏.‏
منذ عقود كانت الحرية السياسية اقل نطاقا مما هي الآن ولكن الحرية الاجتماعية كانت أوسع مدي‏.‏ دفعنا ثمن القيود السياسية وحاولنا التخلص منها‏.‏
ولكن الحرية الاجتماعية جاءتنا بما نعجز اليوم عن إنتاجه وإبداعه مع الحرية السياسية المتاحة‏.‏ جففت القيود الاجتماعية ينابيع الإبداع في وجدان المصريين‏.‏ لم تعد مياه الآبار كافية لري الأرض التي تصحرت وعجزت عن مقاومة سفح الريح في الوادي الأخضر‏.‏ لم تعد قناديل المساء قادرة علي مغالبة الظلام الذي خيم علي الأرض من حولنا‏.‏ كان الفن والإبداع في مصر أول ضحايا التصحر الذي ظل يزحف منذ عقود علي الوادي الذي لم يكن به يوما أكثر من الماء والظلال والغناء‏.‏
المزيد من مقالات د‏.‏ حمدي حسن أبوالعينين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.