لنكن صرحاء مع أنفسنا.. ولنضع النقاط فوق الحروف: يا سادة.. لا يمكن لرجل الشارع البسيط أن يقود عربة الحياة في البلد.. أو أن يمسك باللجام. نعم.. نسعي لإعادة حقوقه, وتحسين مستوي معيشته, وتهيئة المناخ حوله كي ينتج ويحصل علي عوائد انتاجه.. نطعمه.. نعالجه.. نعلمه, لكن إياكم إياكم أن تسلموه عجلة القيادة, لأن في ذلك هلاكا له ولنا جميعا.. وإن شئتم فاسألوا أفلاطون! وما دخل أفلاطون بالموضوع؟ إن كل من درس الفلسفة يعرف أن لإفلاطون عربة.إنه يقول: إن الدولة تشبه العربة التي يجرها حصانان أحدهما أبيض, هو القوة المسلحة المتمثلة في الشجعان, قادة الجيش والحروب والآخر أسود هو أصحاب الشهوة, يعني أفراد الشعب العاديين البسطاء من الفلاحين والصناع وأصحاب الحرف المختلفة, فمن الذي يجب أن يقود هذه العربة؟ يجيب أفلاطون: إنهم أصحاب الفضيلة والحكمة الفلاسفة! وفي لغة العصر الحديث.. فإن هؤلاء الحكماء هم ولا مؤاخذة المثقفون, أي أصحاب الفكر من الكتاب والشعراء والموسيقيين والفنانين والإعلاميين والصحفيين والرسامين والنحاتين والمفكرين, هؤلاء هم الذين ينبغي عليهم أن يقودوا المجتمع, حتي يعود للروح المصرية سلامها وأمنها واطمئنانها, وكفانا تسليمها للشجعان الذين حكموا لسبعين سنة, فأوصلونا إلي ما نحن فيه الآن! مصر في هذه اللحظة تغلي بالغضب المجنون وبشهوة الانتقام, وما من يوم يمر إلا ونسمع عن شجار مسلح يودي بحياة عشرات الأبرياء, وبعد أيام قليلة يأتي52 يناير ليعود الغضب سيرته الأولي, فما سبب الغضب.. وما الذي يفعله بنا؟ أما عن الأسباب, فهي كثيرة كموج البحر, وعلي رأسها إحساس الناس بانعدام العدالة, وبأن فئة قليلة تستأثر بكل شيء غصبا واغتصابا, بينما الأكثرية محرومة تخبط علي بطونها من الجوع والألم, وفوق الأسباب جميعا أن ثمة مجموعة من المتربحين, يتاجرون الآن في غضبنا ويشعلون الحرائق, كي تنهار مصر علي رءوس قاطنيها, ويعلم الله وحده من وراء هؤلاء المتربحين الآثمين, وهل الذي يحركهم موجود بيننا الآن, أم قابع في الخارج متنمرا, ينتظر لحظة السقوط. طيب.. وما الذي يفعله الغضب بنا؟ إنه يسلبك أولا القدرة علي التفكير, فتنسي الفعل, وتنساق إلي رد الفعل.. دونما حساب للعواقب, ثم إن الغضب ثانيا يجعلك تستكين إلي حلاوة غضبك الكاذبة, فلا تعمل ولا تنتج, ويصير الغضب في تلك الحالة شماعة نعلق عليها جميعا خيبتنا الكبيرة وثالثا فإن الغضب سيجعلك في أضعف حالاتك, جسمانيا وذهنيا ونفسيا واجتماعيا, فإذا بك تخسر أكثر دون أن تدري.. ولذلك فإن مصيدة الغضب اللئيمة هذه يجب كسرها الآن, وبأسرع ما يمكن وبأي ثمن, ولكن كيف؟ هنا نعود لأفلاطون: إن من الضروري جدا في هذه اللحظة الفارقة في حياتنا نحن المصريين أن نعيد وضع الحصان أمام العربة بدلا من الوضع المقلوب الآن.. أعيدوا للمثقف مكانته وهيبته واحترامه, أعيدوا الثقافة بكل تنويعاتها لتقود هي العربة, إملأوا البلد بالأغنيات والمسرحيات والروايات والفنون والسينما. أوقفوا فورا هذا الإدمان المدمر للحديث عن المشكلات والبلطجة والانفلات الأمني لأن تكرار الحديث عن الانفلات يجعله يتفشي وينتشر, وهذا ما تفعله بنا فضائيات وصحف الغضب الآن, أوقفوا نافورة الغضب المصطنعة, وليصمت كل السياسيين. وتأكدوا أن المثقف الواعي الهاديء هو الذي سيعيد إلي أرواحكم الأمل.. فابحثوا عن مثقفيكم وأخرجوهم من مكامنهم وسلموهم اللجام.. وإلا فإن مصيركم سيكون إلي زوال. وليست الصومال وأفغانستان ومالي ورواندا وبوروندي عنكم ببعيد.. فأفيقوا! المزيد من مقالات سمير الشحات