أن نختلف، ونألتف.. تلك هي معادلة السعادة، والتقدم.. فالاختلاف فرصة، وقد يتحول إلى نقمة.. فرصة لاستخلاص أفضل الآراء، والسير بها نحو المستقبل.. ونقمة عندما يتحول إلى صراع وتحاقد وفوضى، بدافع من رغبة كل طرف في أن يفرض رأيه على الآخر، حتى لو كان باعثه في ذلك الهوى أو الغرض. في المقابل يجب أن يكون الاختلاف -بقدر الإمكان- اختلاف تنوع يثري النقاش والحياة، لا اختلاف تضاد، يقصي فيه طرف الآخر، باستثناء حالات المواجهة بين الحق والباطل. وللاختلاف الناجح شروط أولها التجرد لله، وتحري الحق، حتى لو كان مع المخالف، وكذلك الإنصاف له إن كان الحق معه، والاقرار له بذلك، وشكره عليه. هذا مع التماس العذر بالجهل له، وبالتالي: مواجهته بالحجة الدامغة، والعلم السابغ، والدليل الثابت، وليس بالعاطفة أو الإنشاء أو الشتم أو الذم أو خروج عن النص. وقبل النقاش لابد من تحرير موضع الخلاف، بمعني تحديد المختلف عليه بدقة، وعدم ترك الأمر "عائما" دون هذا التحديد، فهذا مما لا يساعد على تحري الخلاف، والتعامل معه، وبالتالي يعطل الوصول إلى التفاهم، والوحدة. وفي فقه الاختلاف يجب تحديد المرجعية التي تكون حاكمة، والمرجعية هنا هي الحق، فهو أحق أن يتبع..قال تعالى :"قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون".(يونس:35). وكذلك يجب ألا يؤدي الخلاف إلى منكر أشد، أو توسيع رقعته، وألا يوغر الصدور، أو يثير الفتن، أو يؤجج المشاعر، فإن هذا مما يوهن الأمة، ويضعفها في مواجهة عدوها المتربص بها. ويجب أيضا ألا يتطور الاختلاف في الرأي إلى عنف بدني أو لفظي، كما يجب عدم التخلي عن احترام المخالف عند الاختلاف معه، وأن يكون الهجوم على الفكر لا على الشخص، فنرفض الفكرة، ولا نرفض الشخص. أخيرا: يجب أن نعرف كيف نختلف، ونألتف معا..رافعين أكف الضراعة بالدعاء، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو، إذ قال أبو سلَمةَ بنُ عبد الرحمن بنِ عوفٍ: سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين بأيِّ شئ كان نبيُّ الله صلّى الله عليه وسلّم يفتتحُ صلاتهُ إذا قامَ من الليل ؟ قالتْ : كان إذا قام من الليلِ افتتح صلاتَه :قال:"اللهمَّ ربَّ جَبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السّماواتِ والأرضِ عالمَ الغيبِ والشّهادةِ أنتَ تحكمُ بين عبادكَ فيما كانوا فيه يختلفونَ اهْدِني لِما اخْتُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك إنّك تهدي مَنْ تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم". (صحيح مسلم). [email protected] المزيد من مقالات عبدالرحمن سعد