منذ أمد ليس بالقصير، صار الشرق الأوسط قبلة للتدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، بينما تأتى ردات الفعل العربية ارتجالية متخبطة متنافرة، تفتقر إلى التخطيط، ومن ثم تعانى، برغم موقعها الفريد وثرواتها الهائلة وقواها الكامنة، فراغا وانكشافا استراتيجيا حادا، أمام أطماع الأقارب والأباعد، لاسيما مع بؤس النظام العربي، وعجزه عن التعامل مع الأزمات المزمنة أو الطارئة، وآخرها أزمة الصحفى السعودى جمال خاشقجى، والتى أبرزت توابعها أن النظام العربى مات إكلينيكيا. صمم الاستعمار القديم/الجديد حدود البلدان العربيّة لتكون تابعة، غير قادرة على إنجاز تنمية أو سيادة، زرع إسرائيل خنجرا فى قلب الأمة، وقام بإخلاء الإقليم أولا بأول من أى قطب عربى يلتف حوله الجميع، كثيرا ما جرى ذلك بمعونة أطراف عربية: مصر الستينيات، عراق التسعينيات، ويبدو أن السعودية فى المرمى الآن، بمساعدة قطر والأتراك وجماعة الإخوان الإرهابية. أظهر تصدع النظام العربى ثقل التدخلات الدولية خاصة الأمريكية، ومعها الإقليمية التركية الإسرائيلية الإيرانية، محاولات لإحياء خرائط قديمة تفكك المنطقة على أسس مذهبية وإثنية، باغتنام أى فرصة.. هنا لا أريد الخوض فى أزمة خاشقجى من منظور التحقق من مختلف الروايات، الجريمة بشعة مرفوضة بكل الوجوه لكنها تزيح الستار عن المسكوت عنه، يؤكد الكاتب البريطانى جون برادلى أنّ خاشقجى كان مستشارا لرئيس المخابرات السعودية الأسبق، منسقا للعلاقة مع القاعدة وأسامة بن لادن، وألمح برادلى إلى خطّة ترعاها دوائر أمريكية ل (تحديث) النظام السعودي، تفتح الباب لتيّارات جديدة للمشاركة بالحكم، وأنّ خاشقجى أسّس فى أمريكا حزب (الديمقراطية فى العالم العربى الآن)، لتمكين أعداء العرش السعودى، تحديدا الإخوان، وفى بقية العالم العربي. وكأن الأمر تمهيد لإطلاق حلقة من (الربيع العربى) بمساحيق جديدة، بعد أن هشمت مصر واجهة هذا المشروع، فى 30 يونيو 2013، وعرقلت تمكين جماعات الإسلام السياسي، وبقيت بذور المشروع فى التربة تتحين فرصة للاستنبات. إن ظاهرة (الربيع العربى) برغم تعبيرها عن رغبة الشعوب فى الحرية والديمقراطية، أفضت إلى خريف مفجع، فاقمت حالة الفرقة والخراب والعجز، صارت أغلب البلاد العربية فاشلة أو على أعتاب الفشل، تشهد مخاضات عسيرة وتتزايد تبعيتها لتوجهات الرأسماليّة (النيوليبرالية) المتوحشة التى تسحق الشعوب، بالتزامن مع صعود اليمين المتطرف فى أمريكا وأوروبا، بسياساته التوسعية على حساب الدول الضعيفة فى النظام العالمى. صحيح أن واشنطن فى أزمة اقتصادية، تقودها إلى الصدام مع الصين وروسيا وحلفائها، أزمة هيمنة لا تستطيع أن تستمر فيها إلا بمزيد من التدخل العسكري، وهكذا تلوح بالعصا والجزرة لشفط الرساميل والثروات العربية، وربما تعرف صفقة القرن العفنة طريقها للتنفيذ بقوة الأمر الواقع، أزمة خاشقجى أريد لها أن تكون بوابة شر للمنطقة، وستكون، الكيل ليس بمكيالين إنما بمكاييل لاتحصى، وفق مصلحة كل طرف. إقليميا، برغم الخلافات الجوهرية بين إسرائيل وإيران وتركيا، فإن تحالفا استراتيجيا يبدو قائما بينها، جوهره قضم أراضى العرب ومقدراتهم واستقلالهم، وكما أسلفت بمعونة عربية، قطر نموذجا، أليس غريبا أن يدعو أردوغان إلى قمة رباعية لحل الأزمة السورية، مع استبعاد أى طرف عربى، عقب تصدره المشهد بخبث وبراعة فى أزمة خاشقجى. الحقيقة أن العرب يتحملون الشطر الأكبر من المسئولية عما آلت إليه أحوالهم، دعت القاهرة إلى قوات عربية مشتركة، فأفشلوا مسعاها، بل تركوها وهى الخارجة من ثورتين- تطلب معونة صندوق النقد، ومن يرد فهم الواقع عليه إدراك أن الاستعمار والقوى المهيمنة لن تسمح لمصر بأن تصبح دولة قوية، جرى مع محمد على وإسماعيل وعبد الناصر، الحكاية متكررة.. يقبلون بالنموذج التركى الميكيافيللى عضو الناتو الذى يرتدى قلنسوة الإسلام وعباءة الإخوان، لأنه حليف موثوق للغرب. مصر لا، إنها خطر داهم على هيمنتهم، يتغير العرب بتغيرها، وسيبذلون جهدهم لمنع ذاك التغيير؛ أفصحت بعض التسريبات عن مطالبة أمريكية-تركية للرياض بفك التحالف مع القاهرة وأبوظبى، لتسوية قضية خاشقجى!. يدفع بعض العرب ثمنا فادحا لتنكرهم للقومية العربية، بينما يعود الاستعمار الجديد على بارجة أو جثة، ومن ثم الحاجة الماسة إلى نظام عربى بديل، يتجاوب مع أشواق الشعوب فى الحرية والديمقراطية والإصلاح، تكون نواته الصلبة مصر والسعودية والإمارات، مبدئيا، ويمتد لآخرين، بناء على توافق الرؤى والأهداف، بما يتسق مع المعادلات الجيو- استراتيجية الخطيرة بالمنطقة والعالم، فالوقت ينفد. لا أدرى لماذا تذكرت رواية حمدى أبوجليل: (نحن ضحايا عك)!. [email protected] لمزيد من مقالات د. محمد حسين أبو الحسن