الشاعرة الإيرانية فروغ فاروخزاد (1932-1966) ألقت قنبلة فنية دوّت فى المجتمع الفارسى منتصف القرن الماضي, ورحلت فى أوج شبابها وتوهجها فى حادثة سيارة. على امتداد خمسة عشر عاماً أصدرت خمسة دواوين كانت محل الإعجاب والنقمة والنميمة معاً, فى مجتمع لم يجد نفسه فحسب إزاء موهبة شعرية نسائية نادرة متفجرة, بل أيضاً أمام موقف إنسانى صريح وصادق وصادم فى صدقه؛ امرأة تتعرى فى شعرها كاشفة مشاعرها فى مجتمع شرقيّ محافظ ومتحفظ. ومن خلال تصفحنا لقصائدها فى كتاب أصدره المركز القومى للترجمة ضم مختارات وافية بلغت ستاً وستين قصيدة, فى ترجمة جميلة بقلم محمد نور الدين عبدالمنعم, يمكننا متابعة تطور موهبتها ولغتها الشعرية من ديوان لآخر فى قفزات فنية حاسمة, بحيث كان كل ديوان من دواوينها الخمسة يمثل نقلة أسلوبية. ففى الديوان الأول «الأسيرة», الذى نشرته وهى فى السابعة عشر, تغلب المباشرة والموقف الاجتماعي, بحيث بدا أشبه بمانيفستو امرأة قررت التمرد على مجتمعها والإخلاص للصدق الشعري, فكأنها تترافع عن حقها فى البوح وخروج المرأة الأسيرة من قفص التقاليد والعُرف الذى يحرم عليها الصدق فى التعبير: لا توصد شفتيَّ بقُفل الصمت/ فعندى فى القلب قصةٌ لم تُحكَ/ وفُكّ القيد الثقيل المكبلة به قدماي/ فإن لى قلباً مضطرباً من هذا العشق/.../ تعال وافتح الباب, حتى أطير محلقة/ صوب سماء الشعر المضيئة/ وإذا تركتنى أطير/ فإنى سأصير زهرة فى روضة الشعر. وفى ديوانها الثانى «الجدار» تتحول لغة الترافع إلى الغناء العذب؛ غناء اللحظة, لحظة الحب وذوبان المحب فى المحبوب: ماذا حدث لنا؟ ماذا يعرف المرء/ فى فراش المروج الخضراء الرطبة الندية/ كأن شفتيه علقتا على رقبتي/ ألف قبلةٍ حارةٍ من الألماس/../ ماذا حدث لنا؟ ماذا يعرف المرء/ لقد أصبحت أنا هو.. هو هدير البحار/ أنا نبتة برية عاشقة للحرارة/ وهو زمزمة نسيم الصحاري.. وفى الديوان الثالث «العصيان» يتطور غناء اللحظة إلى الوقوف على مسافة منها تسمح للتأمل وتلخيص التجربة وتكثيف الصورة الشعرية: لا يوجد مصباح فى تلك النهاية/../ ربما تكون النقطة النورانية/ عين ذئاب الصحراء/../ خلف زجاج نوافذ غرفتك/ كان لتلك الليلة نظرة باردة معتمة/ وكأن دهليز عينيك فى الظلمة/ كان له طريق يمتدُّ إلى أعماق روحك.. وبعكس ما يوحيه اسم الديوان الرابع «الميلاد الجديد» يتسم عدد من قصائده بالقتامة ولغة السخرية بدلاً من الغناء: أكثر من هذا, آه, نعم/ يمكن للمرء أن يلزم الصمت أكثر من هذا/ أن يظل مشدوهاً لساعات طويلة/ بنظرة كنظرات الموتى الجامدة/ وهو يحملق فى دخان سيجارة/ فى شكل فنجان/ فى زهرة باهتة على سجادة/ فى خط وهمى على الجدار/ يمكن للمرء أن يزيح الستار جانباً/ بأصابع يابسة/ ويشاهد المطر الغزير يهطل فى الحارة/../ يمكن للمرء أن يبقى ثابتاً فى مكانه/ قرب ستار/ لكنه أعمي, لكنه أصم.. أما القفزة الأسلوبية الأخيرة فى مسيرة فاروخزاد الشعرية فكانت الجنوح للسيريالية كما تشهد قصائد ديوانها الخامس «فلنؤمن ببداية فصل البرد»: فناء منزلنا وحيد/ فناء منزلنا وحيد/ وطوال النهار/ يأتى صوت تفَتُّتٍ من خلف الباب/ وانفجار/ وجيراننا جميعاً يزرعون/ فى تربة حدائقهم قنابل ورشاشات /../ وقد ملأ أطفال حارتنا حقائبهم المدرسية/ بالقنابل الصغيرة/../ وأعتقد أنه يمكن نقل الحديقة إلى المستشفي.. هذا لا يعنى أن كل قصائد كل ديوان تنطبق عليها النقلة الأسلوبية الخاصة به؛ فالغنائية والرومانسية منتشرة فى كل الدواوين, ولكن هناك قصائد تعكس طفرات أسلوبية يتميز بها كل ديوان عما سبقه. والقصائد كلها فى هذه المختارات تتفق فى أنها جميلة وأنها تحمل بصمة فروغ فاروخزاد الفريدة.. وتدعوك لليلة منذورة للشعر. لمزيد من مقالات بهاء جاهين