يؤكد العديد من الحقائق العلمية، والاتجاهات العالمية المعاصرة أن قضية تطوير التعليم تستدعى وبالضرورة إحداث تغيير فى العديد من المفاهيم والأفكار والقيم والسلوكيات، والاتجاهات والتوجهات، وغيرها من العناصر التى تشكل ثقافة المؤسسة التعليمية. مما يعنى أن ثقافة التغيير تعد شرطاً ضرورياً وأساسياً لإحداث التطوير، ليس فقط فى التعليم، وإنما فى غيره من المجالات. وبالطبع ما بينهما هنا هو ما يتعلق بتطوير التعليم المصري، وما يفرضه من عمليات تغيير فى ثقافة المؤسسة التعليمية بصفة خاصة. وهنا نقول - وكما نؤكد الحقائق التاريخية ومعطيات الواقع - إن ثقافة المؤسسة التعليمية إنما هى محصنة لتفاعل العديد من الظروف والعوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتاريخية، التى عاشها التعليم المصرى عبر تاريخه الطويل، والتى تفاعلت مع الأفكار والمفاهيم والإجراءات التى عمل من خلالها، منذ أن عرفت مصر نظامها التعليمى الحديث - فى عهد محمد على - ومروراً بالفترات التاريخية التى عاشها بعد ذلك، وما أضيف إليه من مفاهيم ونظريات - فى معظمها - غريبة إلى جانب تيارات واتجاهات أخرى كانت تظهر بين الحين والآخر، فجاءت ثقافة المؤسسة التعليمية محصلة موروثات ثقافية متأصلة فى الثقافة العامة للمجتمع وبالدرجة التى أصبحنا بها لا نستطيع التمييز بين ما ينتمى من مفاهيم ومصطلحات للعلوم التربوية، أو للثقافة المجتمعية، فعلى سبيل المثال - لاالحصر - نجد أن نظرة المؤسسة التعليمية للمعلم لا تختلف كثيراً عن نظرة الثقافة المجتمعية السائدة من اعتباره مجرد ناقل للمعرفة أو للمعلومات، وأن التلميذ هو المتلقى لما يقوله المعلم، وعليه السمع والطاعة، وعدم المناقشة؛ فالمعلم هو العارف بكل شيء وعقل التلميذ ليس أكثر من مخزن للمعلومات، وصفحة بيضاء نخط فيها ما نشاء وأيضاً بالنسبة إلى «المعرفة» من حيث نوعيتها وحدودها، وكيفية تحصيلها، فهى من مجرد مجموعة من الحقائق والمعلومات التى يحتويها كتاب معين، وما على التلميذ إلا أن يحفظها ويستظهرها، ومن ثم اعتبار الكتاب هو المصدر الوحيد للمعرفة. باختصار يكشف لنا التحليل الاجتماعى والثقافى للكثيرين من مدخلات ثقافة المؤسسة التعليمية، وعناصرها المختلفة، تأثيرها تأثراً واضحاً وشديداً بالثقافة العامة السائدة وبالموروثات الثقافية التى تشكل وجداننا ومفاهيمنا الإيجابى منها والسلبى، من هذا نخلص بأنه لابد أن يكون للمؤسسة التعليمية ثقافتها المستمدة من حقائق العلم التربوى وأصوله، وأن نتخلص من الجوانب السلبية من موروثاتنا الثقافية، ومن الأفكار والمفاهيم الوافدة التى لم تعد قادرة على التعامل مع المتغيرات والتحديات المعاصرة، بل باتت فى موطنها الأم من موروثات ومخلفات الماضي. وهنا نقول وتحت شعار كلنا شركاء فى التغيير والتطوير - ينبغى أن تتوافر للمؤسسات التعليمية ما يساعدها على تغيير ثقافتها، وثقافة البيئات المحيطة بها وذلك من خلال الدعم والمساندة أنه من جميع الهيئات والمؤسسات من منطلق أن التعليم قضية أمن قومى والآلية المضمونة لتحقيق الأهداف القومية مما يفرض إثارة الوعى بضرورة التغيير والتطوير بحيث يتم النزول إلى المدارس والتجمعات الشعبية، والالتقاء بهم والحوار معهم وحثهم على المشاركة فى تطوير تعليمنا المصري، باعتباره حاضرنا ومستقبلنا، ومشروعنا القومي. وبالتالى تفرض عمليات التغيير والتطوير الاستفادة من جميع الخبرات والاتجاهات وأهل الاختصاص، وإجراء الحوارات الوطنية على أوسع نطاق للتوصل إلى رؤى وأفكار مستمدة من الخبرات الوطنية تساعد متخذ القرار على وضع الخطط والاستراتيجيات اللازمة لعمليات التغيير والتطوير. لمزيد من مقالات ◀ د.محمد سكران