من الأمور الملاحظة والتى أشبه ما تكون بالمسلمات هو تزايد التصريحات والتوجيهات وعلى كل المستويات، والتى تدعو الى ضرورة ربط التعليم بسوق العمل، لعشرات المبررات، وفى القلب منها مواجهة احتياجات سوق العمل ومتطلباته، والحد من انتشار البطالة بين المتعلمين،. ومع التسليم بما قد يكون لهذا التوجه من أهمية، إلا أنه لا يجب التركيز فقط على هذا الهدف, لأن ربط التعليم بسوق العمل قد يطغى على حق الفرد فى التعليم، باعتباره حقاً إنسانياً خالصاً، ينبغى ان يحصل عليه بصرف النظر عن أى اعتبارات اخرى، ومن ثم هذا الحق يمكن ان يتعرض للخطر فى حال ربط التعليم بسوق العمل، لخضوعه لمسألة العرض والطلب، ومدى توافر فرص العمل. وهذه الخطورة متوقعة فى ظل قلة المشروعات التنموية القادرة على استيعاب معظم الخريجين.. كما ان فرص العمل المتاحة فى سوق العمل الحالى إنما هى وفى الغالب الاعم لخريجى الجامعات الخاصة وأقسام اللغات. أما خريجو الجامعات الحكومية وفى معظمهم من أبناء الفقراء والطبقة المتوسطة؛ فلا يجدون من فرص العمل إلا ما ندر. إن التعليم وإن كان بالفعل عملية استثمارية لها عائدها الاقتصادى المادى المنظور إلا أنه وكما هو معروف لدى اهل الاختصاص له عائده الثقافى الذى يصعب حسابه مادياً، ويتمثل هذا العائد على سبيل المثال فى إكساب الفرد القيم والاتجاهات والاخلاقيات، كما أن هناك تغيرات وتحولات يعيشها المجتمع، وباتت تفرض على التعليم القيام بالعديد من المهام والأدوات، فإلى جانب دوره الرئيسى فى غرس الثقافة الوطنية القومية، والحفاظ عليها إلا أنه بات مسئولاً عن غرس وتشكيل العديد من الثقافات الفرعية، كالثقافات السياسية، وثقافة المواطنة، والديمقراطية، والمشاركة السياسية و المجتمعية، وغيرها من الثقافات التى تصب كلها فى عمليات البناء المتكامل للمتعلم: استهدافاً للارتقاء بذاته، وحراكه الاجتماعى، والمشاركة الفاعلة فى النهوض بالمجتمع وتقدمه، وهذا يؤكد، وعلى حد تعبير خالد الذكر شيخنا حامد عمار «أن بناء البشر مقدم على بناء الحجر»، باعتبار الإنسان وسيلة التنمية وغايتها. ولا يقل أهمية عن هذا و ذاك من خطورة ربط التعليم بسوق العمل فقط هو أن التعليم يتوجه وفى الأساس للمستقبل؛ ومن ثم فإن من الخطأ ربط مناهجه بالحاضر، أو بسوق عمل من أهم خصائصه التغير والتحول، وهو بالتأكيد سوف يختلف اختلافاً جذرياً عما عليه وضعه فى الوقت الحاضر، خاصة أننا نعيش عالماً قادراً على أن يفاجئنا بأمور غير متوقعة، وهذا يشكل تحدياً خطيراً يواجه التعليم، وليس أمامه سوى العمل على بناء الشخصية القادرة على التعامل مع مستقبل مجهول القسمات والتوقعات. إن من الخطر التركيز فقط على ربط التعليم بسوق العمل، واعتبار هذا الربط غاية التعليم ومبتغاه فى حين, وكما ترى اليونسكو، أن التعليم »ذلك الكنز المكنون« هو أعظم وأجل من كل هذا، إنه حق للفرد، ولكيفية اكتساب المعرفة وتوظيفها، والمهارات والقدرات من أجل العمل فى عالم متغير، والعمل على بناء الشخصية المستقلة، والقدرة على مشاركة آخرين بكل تنطوى عليه هذه المشاركة من مضامين وابعاد اجتماعية وانسانية وغيرها من الغايات التى تجعل من رسالة التعليم غاية أسمى. أستاذ التربية جامعة الفيوم