زكريا أبوحرام يكتب: الكل يريد تشكيل الوزارة    بعد التغيير الوزاري.. ماذا ينتظر المصريون من الحكومة الجديدة؟    بورصة الذهب تستهل تعاملات الخميس بتراجع 30 دولارًا للأوقية    وزير الخزانة الأمريكى: ترمب لديه عقلية منفتحة تجاه إيران    «رئيس نيويورك» يدعو لزيادة الضرائب 2% على أثرياء المدينة    روما تقر مشروع قانون للهجرة يتضمن فرض حصار بحري على سفن المهاجرين    بايرن ميونخ يقصي لايبزج ويصعد لنصف نهائي كأس ألمانيا    عطل مفاجئ يوقف قطار 976 داخل محطة سكة حديد المنيا    السيطرة على حريق داخل مدرسة خاصة بدمنهور دون إصابات    المؤبد وغرامة 500 ألف جنيه لتاجر الكيف بشبرا الخيمة    رمسيس الثاني يعود إلى عرشه بالمنيا.. انتهاء أعمال الترميم والتركيب    آذان الفجر الساعه 5:11 ص.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026 فى المنيا    لا أحب الحلوى كثيرا.. ميلانيا ترامب تحتفل بعيد الحب مع أطفال يتلقون العلاج    حكم الولادة القيصرية خوفا من الألم.. ضوابط فقهية تحسم الجدل    بخلاف ما تنظره هيئة المفوضين، 1700 طعن قضائي جديد للمطالبة بإلغاء تعديلات قانون الإيجار القديم    تقييم عمر مرموش في مباراة مانشستر سيتي وفولهام وماذا قال عنه جوارديولا؟    مبيدات إسرائيلية تنذر بكارثة زراعية فى سوريا    الأنبا إبراهيم إسحق يشارك في قداس افتتاح اليوبيل الفرنسيسكاني    الداخلية تضبط مدير نادٍ صحي بدون ترخيص لممارسة أعمال منافية للآداب بالجيزة    الداخلية تكشف ملابسات فيديو السير عكس الاتجاه بطريق سريع بالقاهرة    زيلينسكي: لم نتلقَ ردا من روسيا على مقترح الهدنة في قطاع الطاقة    مصطفى كامل يهنئ جيهان زكي بتولي وزارة الثقافة وضياء رشوان بوزارة الإعلام    الزمالك يقرر استمرار معسكره في الإسماعيلية حتى نهاية مواجهة سيراميكا كليوباترا    الجارديان: على أوروبا ترسيخ تكافؤ الفرص الاقتصادية لمواجهة ضغوط ترامب    الخماسية الدولية للأمم المتحدة تحذر من التصعيد في السودان وتدعو لحماية المدنيين    625 مستفيد من قافلة الرمد المجانية في دمياط    حلمي طولان: إمام عاشور أفضل لاعب في مصر    اليوم.. انطلاق مهرجان برلين السينمائى ال76 بمسابقة دولية قوية    شوقي غريب: عودة عمر جابر وأحمد فتوح تمنح الزمالك قوة إضافية    مجلس الوزراء: البعد الاجتماعي حاضر لضمان حماية المواطنين أثناء تنفيذ الإصلاح الاقتصادي    لتحديد نسبه.. النيابة تستعجل تحليل الDNA للطفل المخطوف منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية    اتحاد منتجي الدواجن معترضًا على استيراد مجزئات الدواجن: لا يمكن التحقق من ذبحها بالشريعة الإسلامية    «صرف الإسكندرية»: خدمات الشركة ستشمل 100% من المدينة.. ونسبة الشكاوى ستصل نسبتها إلى «صفر %»    وزير الخارجية إلى أديس أبابا لرئاسة وفد مصر باجتماعات الاتحاد الأفريقي    خلال لقاء "جسر التواصل".. "الوكيل": تطوير التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال والسياحة فرصة لإعادة صياغة مستقبل الإسكندرية    ضبط مدير محطة تموين سيارات يتلاعب في معايير الوقود بمطروح    لاتسيو يتأهل لنصف نهائي كأس إيطاليا بركلات الترجيح أمام بولونيا    متحدث الصحة: إطلاق عيادات متخصصة لعلاج إدمان الألعاب الإلكترونية    مهرجان القاهرة السينمائي يهنئ الدكتورة جيهان زكي بتوليها وزارة الثقافة    خالد عكاشة: تقدير الرأي العام للوزراء الراحلين عن مناصبهم شهادة نجاح.. والحكومة الجديدة أمامها مسئوليات محددة    السيسي أعدَّ مبكرا للإطاحة بعبد المجيد صقر .. تغيير وزيرالدفاع بنكهة إماراتية    طارق يحيى: ناصر ماهر فايق مع بيراميدز عشان ضامن فلوسه    الاحتراف الأوروبي ينهي رحلة أليو ديانج مع الأهلي.. وحسم جدل الزمالك    لقاء الخميسي عن أزمتها الأخيرة: كنا عائلة مستورة والستر اتشال في لحظة بسبب جوازة عشان يعلمنا درس    نقابة الموسيقيين برئاسة مصطفى كامل تهنئ الدكتورة جيهان زكي بتولي وزارة الثقافة    قرار جديد ضد عاطل متهم بالتحرش بطالبة في الطريق العام بأكتوبر    محمود عزت رأس الأفعى    أحمد موسى: الحكومة الجديدة مكلفة باستكمال مسيرة التنمية    محافظ بني سويف: نعمل بروح الفريق مع أعضاء البرلمان لخدمة المواطنين    نائب وزير الصحة يتفقد مستشفى المبرة وعيادات التأمين الصحي بأسيوط.. يوجه بسرعة مناظرة الحالات    جامعة الفيوم تكرم الفائزين في مسابقة القرآن الكريم من العاملين وأبنائهم    محافظ الشرقية يُهنئ الطلاب الحاصلين على مراكز متقدمة في مسابقة تنمية القدرات    رئيس قطاع المسرح يهنئ جيهان زكي لتوليها وزارة الثقافة    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    بنك العينات الحيوية بتيدور بلهارس يحصل على أول اعتماد رسمي في مصر    الأزهر يحسم الجدل حول والدي النبي صلى الله عليه وسلم: جميع آبائه وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم    متحدث الأوقاف: تأهيل الأئمة قبل رمضان يواكب المستجدات العالمية ويعزز فقه الصيام    الآن بث مباشر.. الأهلي يصطدم بالإسماعيلي في كلاسيكو مشتعل بالدوري المصري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مقال لم ينشر من قبل للمسيري
خصت زوجته به الاهرام

لم تكن الدكتورة هدي حجازي زوجة عادية لرجل غير عادي هو المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري صاحب الموسوعة الكبري اليهود واليهودية والصهيونية‏.‏ بل كانت وفق ماقال في كتابه رحلتي الفكرية هي التي قرأت كل ما كتبت و حاورتني كما لم يحاورني أحد‏. ورحلة هدي وعبد الوهاب بدأت منذ تعارفا في قسم اللغة الانجليزية بآداب الاسكندرية عام1958( كانت في الصف الأول وكان هو في الصف الرابع والأخير).وهي معرفة توجاها بالزواج في عام.1960 ولأنها لم تكن زيجة لمجرد بناء البيت وإنجاب الأولاد( نور و ياسر), فقد شاركت هدي رفيق عمر عبد الوهاب في العمل بموسوعته الذي إستغرق أكثر من16 عاما, و كتبت لها كل ما يتعلق بالتعليم والتربية. كما شاركته ترجمة كتاب الغرب والعالم لصديقه المؤرخ الأمريكي المجدد كافين رايلي. وفوق هذا وذاك كانت رفيقة وشريكة سنوات الفاعلية السياسية الأهم للمسيري خلال أنشطة ومظاهرات حركة كفاية التي تولي مسئولية منسقها العام منذ يناير2007 والي حين وفاته في3 يوليو.2008
الدكتورة هدي حجازي نادرا ما تتحدث للإعلام. فهي وفق وصف المسيري: إنسانة خاصة جدا ترفض أن تكون جزءا من الحياة العامة أو علي الأقل من حياتي العامة, والي حد أنه روي في كتابه المشار اليه سابقا كيف رفضت أن يهدي لاسمها واحدا من أهم كتبه. لكن بمناسبة الذكري السنوية الرابعة لرحيله تحدثت الينا وأهدت الأهرام مقالا لم ينشر له من قبل. وروت تفاصيل وقائع لم ترد في كتاب رحلتي الفكرية الذي كان يحلو له وصفه ب سيرة غير ذاتيه غير موضوعية. تذكرت كيف طلب خطبتها في أحد ممرات الكلية بعد شهرين فقط من التعارف فوافقت علي الفور, وبعدما لفت نظرها هذا الشاب الوسيم حاد الذكاء خفيف الدم المثقف جدا. وقالت: طلب مني أن أكتب موضوعا باللغة الإنجليزية في مجلة الجمعية الإنجليزية التي يرأسها وهي بالأصل تابعة للكلية. وكان الموضوع إجابة عن السؤال: هل يعيش المثقف في برج عاجي أم عليه أن يتفاعل مع المجتمع؟.. فانحزت للخيار الأخير.
قبل أشهر قليلة من تعارفهما بجامعة الاسكندرية كان المسيري قد تعرض لتجربة اعتقال قصيرة علي ذمة أحد التنظيمات الشيوعية. وعندما سألتها عما علق بذهن مفكرنا عن هذه التجربة بخلاف ما ورد في كتابه من إشارة سريعة عنها, قالت: لم تترك التجربة أثرا كبيرا في نفسه.. كانت التجربة فجائية وقصيرة.. لكنه روي لي اندهاشه من أن( مكوجيا) معه في التنظيم ظل معتقلا لفترة طويلة بعدما جري إطلاق سراحه هو. أما كتاب ماو تسي تونج عن التناقض الذي كان قد ترجمه لتثقيف رفاقه في التنظيم في ذلك الوقت فلم يكن كما قالت الدكتورة هدي محل أي اهتمام لاحق من جانبه. وأضافت: عبد الوهاب تطور كثيرا بعدها.
وتصف أربع سنوات أمضاها بين الاسكندرية والقاهرة كي يظفر ببعثة الدراسات العليا في الولايات المتحدة بأنها كانت حربا شعواء كشفت عن طبيعة شخصيته المقاتلة التي لا تيأس. كما روت الأيام الصعبة القاسية التي عاشاها في أحد أحياء الزنوج بنيويورك خلال التحاقه بجامعة كولومبيا فور وصوله الي الولايات المتحدة, وقالت: كانت أموال المنحة التي تأتي من مصر شحيحة جدا.. وكنا نعيش في غرفة واحدة في حي تهاجم فيه الفئران الأطفال. ولما سألتها عن كيف بدأ انشغاله الأكبر بالظاهرة الصهيونية عندما سافر لدراسة الأدب الانجليزي في الولايات المتحدة قالت انه جاء إثر حوار له مع زميلة طالبة أمريكية يهودية و اندهاشه لهذا الخلط عندها بين الديانة والقومية الجنسية بالنسبة لليهودية.
علاقة المسيري مع المؤرخ المجدد كافين رايلي التي تستعد الدكتورة هدي حجازي لاصدار الطبعة الثانية من ترجمة كتابه الغرب والعالم بعد إضافة أربعة فصول جديدة تلخصها في قولها: هو وكافين أسسا( المنتدي الاشتراكي) في جامعة رتجرز الأمريكية في الستينيات. وكافين بالأصل مثقف وكاثوليكي.. وعبد الوهاب يعتقد ان الكاثوليك أكثر انسانية من البروتسانت.. كما يجمع بين الرجلين النظرة الانسانية والولع بالفنون.. وشيئا فشيئا طورا نظرة نقدية مشتركة للصهيونية.. وحقيقة فقط كان كافين أمريكيا يؤمن بالعدالة. أما عن تجربة العمل المشترك في الترجمة مع الدكتور المسيري فتقول: في الترجمة والتأليف هو شخص يتميز بالسرعة والإنجاز مقارنة بي.. أترجم واكتب صفحتين وهو في الوقت نفسه ينتج عشرين صفحة.. كما ان عبد الوهاب لديه جرأة فكرية.. وهذا ساعده في ان يحقق إنجازات واختراقات مهمة.
أصداء يونيو1967 علي الدكتور المسيري ترسمها الدكتورة هدي قائلة: كانت الحالة سيئة جدا.. لكن عبد الوهاب كان متماسكا, وقال: خسرنا معركة ولم نخسر الحرب. واضافت: بعدها توجه بقوة الي دراسة الصهيونية واسرائيل اثناء اعداده للدكتوراه. لكنها تعود لتوضح ان السنوات بين1975 و1979 التي عاد فيها الي الولايات المتحدة لمرافقتها وهي تعد دراسة الدكتوراة هي التي منحته تفرغا غير مسبوق للقراءة في شتي أوجه المعرفة. وأضافت: وقتها اختار العمل بعض الوقت لا كل الوقت كمستشار ثقافي لوفد الجامعة العربية بالأمم المتحدة في نيويورك.
تحولات المسيري الفكرية الي لون من الإسلام الحضاري في عقد الثمانينيات لم تتعارض مع استمرار ولعه بالفنون التشكيلية والسينما والمسرح و المتاحف و الموسيقي. ومرضه بالسرطان بحلول عام2000 وبعد إنهائه العمل بالموسوعة عام1998 لم يحد من نشاطه في التأليف والإبداع أو من استمتاعه بالحياة والفنون. وكما قالت زوجته: وجد في العمل والتفاؤل طريقة لمقاومة السرطان. وقبل وفاته باسبوعين ذهبنا الي السينما. وقبل الوفاة بيومين فقط كان قد اصطحب معه اوراق عمله الي المستشفي.
مواقف مفكرنا المعارضة لبطش السلطة عديدة ولا تتوقف عند تحمله مسئولية المنسق العام لحركة كفاية في مطلع عام2007. وفي يناير عام1972 اشترك مع زوجه في جمع توقيعات اساتذة الجامعة علي بيان تضامن مع مطالب الحركة الطلابية. وتقول الدكتورة هدي عن قبول زوجها مسئولية كفاية في وقت صعب كادت الحركة فيه تتمزق داخليا فيما تتعرض لقمع عنيف من السلطة: كان لديه قدرة علي تجميع الناس من مختلف التيارات من ماركسيين وقوميين واسلاميين. وعن نزولهما للشارع في إحتجاجات كفاية قالت: كنا نتلقي تهديدات من ضباط رفيعي المستوي.. لكن الدكتور المسيري اختار تحديها كلها. واشارت الي انها شخصيا تعرضت للضرب ووقعت علي الأرض علي ايدي الشرطة في احدي هذه المظاهرات. وتضيف: كان يتوقع انفجارا كبيرا قريبا في مصر و يري ان الشباب هو الذي سيقود التغيير. وعندما سألتها عن اختطافهما في18 يناير2008 من ميدان السيدة زينب الي الصحراء لمنع كفاية من تنظيم وقفة بمناسبة الذكري الحادية والثلاثين للانتفاضة الشعبية, قالت: رجعنا الي البيت ومعنوياته مرتفعة.. وعلي عكس حالي كان متفائلا بان الناس ستنضم الي التغيير.

نهاية إسرائيل العنصرية
د. عبد الوهاب المسيرى
حينما أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها بخصوص الجدار العازل وعدم شرعيته بدأ الحديث علي الفور عن أن هذه هي بداية النهاية باعتبار أن هذا هو ما حدث لجنوب أفريقيا: عزلة دولية تبعتها مقاطعة وأخيرا سقوط النظام العنصري. وقد جال نفس الخاطر بعقل يهودا ليطاني( يديعوت أحرونوت91 أكتوبر6002) الذي حذر من استمرار عزل الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وحرياتهم سيحول الدولة الصهيونية إلي دولة أبارتايد مثل جنوب أفريقيا, وأنها لن تجد أحد يقف معها أو يري بعيونها ما تراه, أي أن مصير جنوب أفريقيا ينتظر الجيب الصهيوني!.
إن الكتاب الاسرائيليين الذين ربطوا مصير النظام العنصري في جنوب أفريقيا بمصير الدولة المحتمل كانوا علي حق, فنظام الفصل العنصري السابق في جنوب إفريقيا يشبه في كثير من الوجوه نظام الفصل العنصري السابق في فلسطين المحتملة. وكلاهما لجأ إلي العنف والبطش ليقضي علي مقاومة السكان الأصليين. ولكنهم استمروا في المقاومة إلي أن أنهك النظام العنصري وسقط, فعلي مدي قرون تمسك الأفارقة السود, أبناء البلاد الأصليون, بحقهم في المساواة والعيش بكرامة في وطنهم, وقاوموا بكل السبل السياسية والثقافية والعسكرية محاولات إخضاعهم أو تغييبهم أو تهميشهم, وبعد سنوات من الحوار المسلح مع الأقلية البيضاء التي كانت تسيطر علي مقاليد الأمور في البلاد, بدأ العالم يقاطع هذه الدولة وتصاعدت المقاومة, فبدأت الأقلية البيضاء الحاكمة تدرك انه لايمكن الوصول إلي حل دائم من خلال الوسائل الأمنية أو العسكرية, ومن ثم وافقت علي إنهاء النظام العنصري وتسليم السلطة إلي ممثلي السكان الأصليين بقيادة نلسون مانديلا, والذي لم يتنازل مطلقا, حتي في أحلك اللحظات, عن حق شعبه في انتهاج أسلوب المقاومة المسلحة في مواجهة المستوطنين العنصريين.
وشكل هذا الإدراك, وما تبعه من خطوات عملية, إيذانا بظهور نظام جديد استوعب البيض, الذين تحولوا إلي مواطنين في دولة متعددة الأديان والأعراق والقوميات, وفتح الباب أمام الجميع للمشاركة في العملية السياسية والتمتع بالحقوق كافة دون تفرقة علي أساس اللون أو الدين أو اللغة أو الجنس. وكان بعض المستوطنين البيض يروجون للرأي القائل إن نهاية نظام الأبارتهايد يعني العنف وإبادة البيض والمذابح الجماعية والحروب الأهلية وأن نهاية النظام العنصري تعني نهاية المستوطنين البيض ككيان إنساني له حقوق سياسية ودينية وإثنية. ولكن ما تحقق علي أرض الواقع كان مختلفا تمام الاختلاف.
ويمكننا أن نطرح السؤال التالي: ماذا يمنع أن يحدث ذلك في فلسطين؟ أليس هذا هو مصير كل الجيوب الاستيطانية التي لم تبد السكان الأصليين, ألا يعني هذا نهاية إسرائيل؟ ولكن هل نهاية إسرائيل, تعني نهاية الاسرائيليين ككيان إنساني, إثني وديني؟
هنا يمكن القول إن نموذج جنوب إفريقيا قابل للتحقق في فلسطين, فمع تصاعد الحوار المسلح, قد يغدو الجيب الاستيطاني الصهيوني باهظ التكلفة بالنسبة للدول الاستعمارية التي ترعاه, وقد ينال الإرهاق من المستوطنين الصهاينة مما يدفعهم إلي التسليم بأن لا طائل من وراء الحلول العسكرية والأمنية, وأنه لا مخرج لهم سوي التخلي عن عنصريتهم وعزلتهم وادعاءاتهم القومية والدينية. أن تستمر المقاومة الفلسطينية بمختلف الوسائل, وفي مقدمتها الكفاح المسلح, وأن تواصل في الوقت نفسه توجيه رسائل إلي المستوطنين, ولاسيما اليهود الشرقيين وقوي السلام في اسرائيل, مؤداها أن الحل العربي لمسألة الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لايعني ذبح اليهود أو إبادتهم, كما تزعم القيادات الصهيونية, وإنما تفكيك الإطار العنصري للدولة, وإنشاء مجتمع جديد علي أسس إنسانية وديمقراطية علي نمط جنوب أفريقيا. إن الدولة الصهيونية تدعي أنها ليست دولة لكل مواطنيها الذين يعيشون داخلها, بل دولة لكل يهود العالم الذين يعيشون خارجها, وهو وضع شاذ لا سند له في تجارب التاريخ أو في الأعراف والقوانين الدولية. وهذه الدولة لاتكف عن الحديث عن حق العودة لليهود من مختلف أنحاء العالم, رغم مرور آلاف السنين علي وجودهم المزعوم علي أرض فلسطين ورغم أن أغلبية يهود العالم لاتريد الاستقرار في الكيان الصهيوني غير المستقر أصلا, ورغم أن مندوبيها يهودون بعض الهنود الحمر في بيرو حتي تجلبهم لتملأ بهم المستوطنات الخاوية, وترحب بهجرة اليهود السوفيت الذين ظهر أن نصفهم من غير اليهود, فنسبة كبيرة من هؤلاء الذين يسمون أنفسهم يهودا كانوا قد فقدوا علاقتهم باليهود كدين وكميراث ثقافي. وتقوم الدولة الصهيونية الآن بتهجير بعض يهود الهند الذين شككت الحاخامية الاسرائيلية في يهوديتهم, وقبلت بهجرة الفلاشاة بعد أن رفضت عام3791 بهجرتهم ونصحتهم بالتحول للمسيحية حلا لمشاكلهم, فعلم الأنثروبولوجيا الغربي يصنف الفلاشاة علي أنهم مسيحيون دخلت علي عقيدتهم بعض العناصر اليهودية, ومن الملاحظ أن بعضهم تأثروا بجيرانهم المسلمين, ولذا حينما وصلوا إلي اسرائيل تحولوا إلي الإسلام, وقد كتب أحد الصحفيين الاسرائيليين مقالا بعنوان الفلاشاة السنيون.
هذه الدولة الصهيونية التي تبحث عن يهود وأشباه يهود وأنصاف يهود ومتهودين وغير متهودين لتمنحهم حتي العودة والاستيطان في فلسطين تنكر هذا الحق علي الفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم منذ سنوات قلائل, والذين يطالبون بالعودة إلي أراضيهم ومنازلهم, لكل هذا يجب أن تترجم هذه الرؤية العربية الجديدة, ذات الطابع الانساني الديمقراطي, إلي خطوات إجرائية محددة, وفي مقدمتها إلغاء قانون العودة العنصري والقوانين العنصرية الأخري مثل دستور الصندوق القومي اليهودي, الذي يعد أحد دعائم الجيب الاستيطاني في عنصريته واقصائيته, حيث تحرم قوانينه علي غير اليهود أن يمتلكوا أرضا يمتلكها ما يسمي الشعب اليهودي أو أن يعملوا فيها, أي أنها تمنع العرب من مواطني الدولة الصهيونية من امتلاك أية أراض تمتلكها الوكالة اليهودية( وهي تمثل حوالي09 بالمائة من أراضي فلسطين المحتلة). والجدير بالذكر أن مثل هذه القوانين العنصرية تحول مقولة يهودي إلي مقولة قانونية, وهو الأمر الذي يؤكد أن العنصرية الصهيونية جزء لا يتجزأ من البنية القانونية للدولة الصهيونية, وهذه هي إحدي السمات الأساسية للجيوب الاستيطانية الإحلالية, إذ يتحول التمييز العنصري من مجرد عمل يقوم به العنصريون المتعصبون إلي ركن من أركان البناء القانوني, يعاقب كل من يتجاوزه أو يخرقه.
ولابد من التأكيد هنا أن تمسك أبناء البلاد الأصليين بخيار المقاومة المسلحة كان العنصر الحاسم في انهيار النظام العنصري في جنوب إفريقيا. وهو نظام دام قرابة أربعة قرون وكان يمتلك عناصر قوة ذاتية ولم يكن يعتمد اعتمادا كبيرا علي الخارج. كما هو الحال مع الدولة الصهيونية, كما أنه لم يدخر وسعا في انتهاج كل أساليب القمع والبطش والتنكيل بالسكان الأصليين. ولعل هذا النموذج يقدم ردا مفحما علي أولئك الذين يقللون من أهمية المقاومة الفلسطينية أو يطالبونها بالتخلي عما يسمونه العنف حتي تحظي بالرضا الأمريكي, وكذلك الذين يرون أن الكيان الصهيوني أصبح أمرا واقعا لاسبيل إلي مواجهته أو التصدي له, ومن ثم لم يعد هناك سوي التعايش معه وقبوله والإذعان لشروط وجوده, والذي يحذرون أن نهاية إسرائيل لا تعني فك الإطار العنصري وإلغاء القوانين العنصرية واستيعاب المستوطنين في الكيان الجديد, وإنما تعني إبادة الاسرائيليين, وهو إفتراء الهدف منه الحفاظ علي النظام العنصري واستبعاد الحلول السلمية المبنية علي العدل والمساواة. د. عبدالوهاب المسيري
والله أعلم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.