«ان العجز أحيانا عن بلوغ الأمل لا يزعزع الثقة به، ما دام الاصرار على المضى نحوه هو المسئول عن وجود النبل والمعنى فى الحياة» قالها نجيب محفوظ عبر روايته «حضرة المحترم» . كما أنه حرص على أن يذكر لنا فى «قصر الشوق»: ..»الحياة هى .. الصراع والكيد والحكمة والجمال، فأى وجه تتجاهله من وجوهها تفقد به فرصة لاستكمال فهمك لها وقدرتك على التأثير فيها بما يوجهها نحو الأحسن» .................. ولأننا اخترنا الأمل وتمسكنا بالاصرار على المضى نحوه .. وعلى عدم تجاهل أى وجه للحياة مهما كانت تقلباتها ومهما صارت ظروفها ألتفت الى سطور جاءت فى قصة نشرها الكاتب «محمد المخزنجي» مؤخرا بعنوان «بلغة الاشارة»: «أخذت أصواتنا مع الوقت تتراجع شيئا فشيئا داخل حلوقنا، وتستكين.. تسكت مُفسحة للصوت كل المدي، ليس لأننا بدأنا التسليم بعدم جدوى النقاش، لكن لأننا بدأنا نلاحظ، ونستغرب ظواهر طارئة تَعرِض لنا وتتوغل فينا.. فنحن نتحادث رافعين أصواتنا أعلى ما تكون، لنسمع ونفهم، ومع ذلك نكاد لا نسمع ولا نفهم! تضيع بيننا معالم الكلام إذ يمتلئ بالفجوات، وكأننا نستعيد تسجيلا لأحاديث جرى فيها مسح متقطع للصوت.. ثمة جُمَلٌ ضائعة، وكلمات تساقطت من الجُمَل، وحروف تلاشت من الكلمات، حتى لم يعد لها جميعا من معني.. أى معني.» وأسترجع هنا كلمات كتبها الناقد «رجاء النقاش» فى مقدمة كتابه «عباقرة ومجانين»:»ان هذا الكتاب محاولة للتحريض على مزيد من القراءة، واقتحام عالم الثقافة بنشوة وحماس، وبلا خوف أو احساس بالملل والضيق.. فالثقافة هى العنصر الذى يجعل حياتنا أجمل، وسلوكنا أرقي، وذوقنا أرفع، وعقلنا قادرا على التصرف الصحيح فى كل المشاكل الخاصة والعامة». وهذا الكتاب يقدم رحلة مميزة مع مبدعين تركوا بصماتهم فى حياتنا. رجاء النقاش صائد اللآلئ الأدبية يقول أيضا:».. أرجو أن يساهم هذا الكتاب فى تحقيق هذا التحريض على حب الثقافة واكتشاف ما فيها من دفء وحنان وسعادة روحية غامرة . ان هذا الهدف هو جزء من أحلامي، والأحلام قوة دافعة فى حياة الانسان، حتى لو لم تتحقق هذه الأحلام بصورة كاملة» وقد وجدت الروائية السورية «مها حسن» دفئا وحنانا وسعادة روحية غامرة فى سرد والدتها وجدتها. وهى تبدأ روايتها «مترو حلب»(2016) بهذه الكلمات «أمي، ينبوع السرد» وتذكر فى تقديمها أيضا: «..الا أن أمي، التى لم تذهب يوما الى المدرسة، ولا تعرف ماذا يوجد داخل كتبنا، لا تكف عن التباهى بي، وتعلن: ابنتى كاتبة» وبما أننا نحتفل هذه الأيام بيوم المرأة .. وقريبا بعيد الأم أقف وأتامل أيضا ما قالته «مها حسن» فى حوار لها عن الحالة فى البلاد العربية: «..لا يزال اشتغال المرأة بالفنون مدعاة للرفض والمعارضة فى كثير من البيئات» وتضيف: «.. بسبب هذه الحساسية تجاه المرأة فى بلادنا، أشعر أن الأبداع منقوص، حيث تغيب عنه المرأة أو تُغيّب.» وتقول الكاتبة المقيمة فى فرنسا:»..فى حياتى الشخصية، هناك الكثير من النساء المبدعات، اللواتى لم يتعلمن القراءة والكتابة، يسردن القصص بطريقة مذهلة، أقول لنفسي، لو أن هؤلاء النساء مُنحن إمكانية التدوين، أين سيكون مكان الأدب العربى اليوم؟ لدينا أدب كبير وعظيم ربما، مدفون فى صدور ساردات محرومات من حق السرد» ثم تستكمل كلامها قائلة:».. وقد تحدثت فى هذا مطولا فى روايتى ( الراويات)، حيث اعتبرت أنه بداخل كل امرأة ثمة ساردة أو راوية لم تمتلك الفرصة للظهور. أما كيف وظّفت حكايات جدتى وأمي، فى سرد معاصر، فهن معاصرات دائماً..على العكس، أعتقد أنهن متطورات أكثر من تقنيات السرد المدرسية، أنا لا أتحدث عن الحكايات التقليدية التى يروينها، بل على طرقهن هن فى السرد، وعن سردهن اليومى لقصصهن وقصص الأخريات... حقيقة لا أزال عاجزة، وأشعر أننى أقل من أمى وجاراتها ونساء قابلتهن، فى استعمال مهاراتهن وتلويناتهن وحريتهن حتى فى سرد مفكك خارج المألوف. ربما أصل ذات يوم، لتدوين يليق بأدواتهن الشفهية» ونعم بالسرد والكتابة نخرج من صمتنا ونتعرف على أنفسنا وأيضا نعرف أنفسنا للآخرين.الكاتب والروائى الايطالى «امبرتو ايكو» الذى سحر وأبهر عشاق الكلمة بروايته «اسم الوردة» يعترف أن لذّة الكتابة لا تكتمل إلا بلذّة القراءة: «لا أثق بمن يقولون إنّ المرء يكتب لنفسه. هناك شيء تكتبه لنفسك وذلك هو قائمة المشتريات. إنها تساعدك على تذكّر ما تود شراءه، وحين تنجز شراء كل شيء بمقدورك إتلاف القائمة لأنها لا تفيد أحداً. كل شيء آخر تكتبه، إنما تكتبه لقول شيء لشخص ما». «ايكو» الذى توفى قبل عام احتفى به الروائى «خليل صويلح» ذاكرا مجد «ايكو» فى حياته وابداعه معا. ذاكرا أن «ايكو» كان يقول:»الإعجاب الذى أكنه للمكتبات سيحمل قدراً كبيراً من التفاؤل، لأننى أنتمى إلى تلك الحفنة من الناس، التى ما زالت تعتقد أن للكتاب المطبوع مستقبلاً، وأن جميع المخاوف المتعلقة باختفائه ما هى إلا مثال آخر لبعض المخاوف المرعبة المتعلقة بانتهاء شيء ما، بما فى ذلك انتهاء العالم» .................. وفى مواجهة تقلبات الحياة ومخاوفها علينا أن نرى الحياة بكل وجوهها وأن نتأمل ما تعلمناه وأيضا ما نتمناه وما نريد تغييره .. [email protected]