من مجموعة قصصية بعنوان « خطوة عزيزة» صدرت مؤخراً للزميلة أميرة النشوقاتى لدولاب أمى سحر خاص وحين يدور مفتاحه الذهبى المشغول تنساب رائحة سحرية. حافظ المستندات وزجاجات الرائحة وصورنا القديمة المطلة من زجاج الدرج الأخير . قد يكون السر فى رائحة الخشب الذى تخطى عمره الأربعين . رائحته ممزوجة برائحة كولونيا 3 خمسات . ليمون منعش يستخدمه والدى دائمًا بعد الحلاقة وهى رائحة تميز يوم جمعة بعيد . لم يتبق منه سوى تلك الرائحة. «كانت لنا أيام» . لكنه مرتبط أيضًا بالمرض. أرى يد أمى تضع القليل منها فى كمّادات المياه الساقعة حين مرضت ومكانها دائما محفوظ على الكومودينوفى المستشفي. وعلى نفس الرف فى الدولاب ، يطل عقد لؤلؤ من علبة قطيفة ومازالت رائحة البارفان التى يحبها مجدولة مع اللؤلؤ وكل لؤلؤة تحفظ تاريخا مهماً. شهد على عقد زواجهما وجميع المناسبات السعيدة . لكنها لم تعد ترتديه فالمناسبات السعيدة نزل عليها التخفيض – مثل حال البلد – لكن رائحة الياسمين لم تهن عليها العشرة وظلت تسكن العقد وعلبته على بعد سنتيمترات معدودة، ومن وراء الدرج الزجاجى حكايات لا تنتهى تخرج من حدود الصور الورقية وتنظر إلينا بحنين جارف: كانت المرة الوحيدة التى لم يرفض فيها أهلى الرضوخ لمصور البلاج. يحمل كاميرا عتيقة ترى الدنيا بلا ألوان. لكنه ابهرنا بروعة المونتاج وقدرته على إظهارنا فى اكثر من مكان فى الصورة . فظهرنا داخل ومن حول القلب الذى رسمته العدسة الجبارة. لا يمكن أن أنسى رائحة البحر فى شرف استقبالنا على شاطئ المندرة السحري وشمسيات بلون الصيف ورائحة الفرسكا تظلل على وجوه باسمة ملونة بالشمس وحبات الرمال. وطلعاتنا الاستكشافية فى البلكونة كل صباح لمعرفة لون الراية التى يغيرها «عم ضوّى» الغطاس والتى تحدد أمان البحر فى حالة السباحة. حفل التخرج من المدرسة كانت تعيسة لرحيل الجد الوحيد الذى أعرفه. لا اذكر الكثير من هذا اليوم سوى رائحة كراسى المسرح العتيق وهيبة الموقف حين صعدت عليه لتسلم شهادة تخرجى من المدرسة. ولحظة ما رمينا الكابات وطارت فى سماء المسرح الدافئ. كثيرًا ما أظن اننى ما زلت تلميذة. أذهب إلى المدرسة مشى و أتذكر رائحة “البامبو” ، أول بارفان اشتريها بنفسى من المحل المقابل للمدرسة. رائحة الفول والطعمية من محل نجف، صوت القطار العابر ممزوج بصوت الغربان التى تداعب أشجار المدرسة أثناء تحية العلم. كلما مررت أعلى الكوبرى افتش عن مدرستى وأبتسم. طواقى ملونة تكاد تخفى عيون الصغار فلا يظهر منهم سوى ابتسامات عريضة والقليل من الأسنان اللبنية. اليوم يوم الرحلة الدورية لجمصة , اقرب بحر لنا . يوم من الرمال وسباحة نكسر به إيقاع الريف فى بيت من خشب وبلاط مرسوم تحضنه حديقة سحرية لا تطرح سوى اشجار الجوافة. رائحة التبن وندى الصباح الأخضر فى قرية السرو. رحلاتى التى لا تنتهى على ظهر الحمار المسكين. رائحة خبز خالة بثينة الذى لا مثيل له.وقلل صغيرة على مقاسنا نملؤها طوال الصيف. اللبن الصابح والبيض الأوملت المخصوص والجمع الحميم الذى يطغى على رطوبة غرفة الطعام الأثرية بكراسيها المتهالكة وأكوابها الزجاجية الملونة. الصيف يعنى حواديت أنكل عباس صديق أبى وصاحب مخزن الحكايات المسلية والتى بطلها على غير العادة يكون شريراً ثم يصبح طيبا فى النهاية . فى الصورة اعترض بشدة على قصر الحدوتة : “لا لسه شرير لسه شرير”. وليالى الصيف لها طعم شهي. مصدره الفطير الطازج من فرن مصر الجديدة الشهير وصورتنا متكدسين فى العربية الفولكس الزرقاء فى انتظار عشائنا الصيفي. ثم نجلس فى الحديقة العامة والمقابلة لمنزل انكل عباس والذى يقابلنا محملا بترامس الماء المثلج وكراسى البحر وتبدأ السهرة الصيفية الجميلة.