الذي تركناه يتراكم لسنوات طويلة في المساجد والزوايا والاقتصاد والسياسة والثقافة هو الذي ينفجر في وجهنا بهذا الشكل البشع الذي لا يمثل لا الإسلام ولا المسلمين، ولا يعبر بالمرة عن روح مصر السمحة التي باتت أجيال ناشئة تشك أصلاً في وجودها. فائض الأسلمة خلقه إقبال زائد على صورة للتدين أشاعتها جماعات سُمح لها بالوجود وبجمع المال ومخاطبة المسلمين وتفسير العقيدة على الكيف. فائض الأسلمة هو الذي مهد لخروج ذلك الوحش المخيف الذي لا يعرف رحمة ولا يحترم عقلا. يُكفّر ويقتل ويحرم ويصادر ويتشدد. والكل مسئول عن تراكم هذا الفائض: الدولة والمجتمع. الاثنان تساهلا مع أسلمة المعرفة والثقافة والسياسة والاقتصاد. أسلمة في الجامعات المفترض أن وظيفتها علمية لا دعوية. وفي النقابات المفترض أن مهمتها خدمية لا تبشيرية. وفي كل مكان تراخت فيه الدولة. التراخي هو الذي ترك الأسلمة تتغول بلا حساب ليظهر من بين المسلمين إسلاميون اعتبروا أنفسهم فرزا أول وأنهم الأتقى والأنقى في مجتمع إما أنهم كفروه أو رموه بقلة الدين مع أنه يمارس التدين بالفطرة منذ فجر التاريخ. تُرك فائض الأسلمة يتراكم وزاد نشاط الإسلاميين مع أن تبعات ذلك كان لا بد أن تكون واضحة من البداية. فأكثر الإسلاميين لم يدخلوا قرية إلا وأفسدوها. بينهم أمراء حرب كثر، كما لم يعرف عنهم أنهم مطورون أو كشافون أو مخترعون. ينتظمون في جماعات لكل منها أمير ينافس نداً له على التشدد واللهاث وراء الغنائم. وما السلطة إلا الغنيمة العظمى التي يحومون حولها مدعين أنها تخصهم وحدهم بتكليف إلهي. لقد أخذنا الإسلاميون غدراً بالفكر قبل أن يأخذونا غدراً بالسلاح. كان الفكر هو نقطة بدايتهم. أوهموا قطاعات واسعة في المجتمع، بالذات من الشباب، أن أفكارهم مقدسة وأن أفكار غيرهم مدنسة. أنهم الأقرب إلى الله. أنهم النموذج ولا نموذج غيرهم. من يسير معهم يسير في طريق الله ومن يخالفهم يعصي الله. توهم بعضهم أن وكالة الدين باتت له حصرياً واعتبروا أنفسهم مسلمين فوق العادة أو مسلمين درجة أولى فكان أن فرقوا المسلمين ومزقوا صفهم. كان المسلمون قبل الأسلمة يعيشون بالفطرة فلما تركوها تتوحش بينهم باتوا يعيشون في خوف. كانوا قبلها يتصرفون بتلقائية فلما كتمت على أنفاسهم أصبحوا يتصرفون بتشنج. أشاعت في عقولهم الخوف من كل آخر ومن كل شيء. من المسيحي والمرأة. من المسرح والسينما، من النحت والبنوك، من التصوير والرسم، بل وحتى من بعض المأكولات والمشروبات. كان المسلمون يتعاملون بالبديهة، يرون الحلال بيّنا والحرام بيّنا. لكن الأسلمة دفعتهم لأن يروا أكثر الأمور من المتشابهات. أصابتهم بوساوس التحريم المفرط مع أن الأصل في الأشياء الإباحة. والأسلمة برغم اسمها ليست هي الإسلام. الإسلام دين أما الأسلمة فشكل للتدين. الإسلام قديم والأسلمة مستحدثة. الإسلام يمنح الفرد حرية واسعة لينعم بحياته وليتحمل كذلك مسئولية اختياراته. أما الأسلمة فتتصدرها جماعات لا ترى غير السمع والطاعة. الإسلام رسالة سماوية نزلت هدى ورحمة للعالمين. أما الأسلمة فتفسيرات ولدت على يد تيارات مسكونة بالقلق يقودها رجال مسكونون بالتوتر. الإسلام عقيدة ونظام فطري جداً للحياة. أما الأسلمة فحركة رفض عنيفة على مستوى المفاهيم والسلوك. تسعى لقلب حياة المسلم رأساً على عقب. ينشأ المسلم معتقداً أنه مسلم. لكن الأسلمة تقول له لا لست مسلماً وإنما مسخ ديني دعنا نخلصك منه ونشكلك من جديد. ولفائض الأسلمة ثلاث صور. أولاها أسلمة المعرفة التي أطلقتها بعض النخب المثقفة ذات المرجعية الدينية محاولين التخلص من القلق الذي يسكنهم من الحداثة إما برفضها أو برد كل شيء عصري إلى أصل إسلامي حتى لو استلزم ذلك تلوين الحقائق. دعاة الأسلمة قال بعضهم عن الديمقراطية مثلاً أنها بدعة كفرية لا يحتاجها المسلمون. فيما قال آخرون إن الإسلام عرفها قبل أوروبا وأن الشورى هي النسخة الأسبق عليها. وتلك مغالطة تصدى لها مسلم نابه هو الإمام محمد رشيد رضا الذي كتب في المنار في 1907 مفنداً دعاة الأسلمة في حينه قائلاً: لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم المقيد بالشورى أصل من أصول الدين ونحن قد استفدناه من الكتاب المبين ومن سيرة الخلفاء الراشدين وليس من معاشرة الأوربيين والوقوف على حال الغربيين. لأنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام. والصورة الثانية هي «أسلمة التنظيمات» وعشرات الجمعيات التي تحمل صفة «الإسلامي» أو «الإسلامية» والتي تغلغلت في النقابات والاتحادات الطلابية وكل مؤسسة يمكن النفاذ إليها. بجانبها ظهرت جماعات أخطر منها حملت السلاح رأت في حرق المراحل حلاً لتحقيق الحلم الموعود، فلجأت إلى التفزيع والترويع. والصورة الثالثة كانت «أسلمة المجتمعات» التي لا يعتبرها الإسلاميون مسلمة بما يكفي أو مسلمة أصلاً. وقد جرى ذلك بالتركيز على سؤال الهوية وبلعن كل مظهر للحضارة باعتباره وافداً مخرباً للعقول وبتكثيف خطاب التقريع والوعيد وتخويف الناس من سوء المصير لحملهم على التسليم لتفسيرات سطحية للدين. لقد ظل فائض الأسلمة يتراكم إلى أن بدأ يُغرق الإسلام والمسلمين. يحتاج تصريفه إلى مدة طويلة قادمة وهي مهمة ليست يسيرة لكن لا مفر منها. فهذا الفائض هو المسئول عن الهستيريا الفكرية والسلوكية التي نعيشها فضلاً عن الأعمال الإجرامية التي تهدد الوطن والمواطنين. فائض الأسلمة أنتج ذعراً مرضياً من كل شيء وصرف الانتباه إلى قشريات ليست من الدين وشق صف الوطن بتفسيرات مبتدعة للدين رفضت المساواة في المواطنة بل ورفضت الوطن ذاته وشجعت مراراً على التقوقع على الذات، فأنتجت جماعات أفكارها عنيفة في يدها أسلحة مدمرة. كما أنتج هذا الفائض مجتمعاً فيه شرائح واسعة قابلة للاستسلام للأفكار الجامدة. لكل هذا فالتخلص من فائض الأسلمة جزء لا يتجزأ من صراع المسلمين على تعريف الإسلام ومن جهود المصريين للحفاظ على سلامة وأمن بلدهم. الفوائض ليست بالضرورة خيراً حتى لو كانت أسماؤها مغرية. لمزيد من مقالات أبراهيم عرفات