«ماذا بعد الاتفاق النووى مع إيران؟»... هذا هو السؤال الذى يشغل الكثيرين فى الغرب والشرق الأوسط حاليا. فالمفاوضات النووية بين طهران ودول 5+1، تسير وإن ببطء نحو التوصل لتسوية تقضى بتقليص قدرات إيران النووية لمدة 10 سنوات، مقابل رفع العقوبات الدولية عليها، لكن كما يقول الخبير النووى الدولى ديفيد أولبرايت فى حوار مع «الأهرام» فإن «الصعب لم يأت بعد.. فالاتفاق النووى وإن كان صعبا ومعقدا، إلا أن تنفيذه سيكون أصعب وأكثر تعقيدا». وأوضح أولبرايت، الذى أعطى الأسبوع الماضى شهادة أمام الكونجرس الأمريكى حول الجوانب التقنية والفنية للاتفاق النووى وآثاره الإقليمية والدولية، أنه ليس هناك حتى الآن «آلية لمراقبة لتطبيق الاتفاق»، وأن جانبا مهما من المشاورات المستقبلية فى حالة التوصل للاتفاق ستنصب حول آليات التحقق والمراقبة. وقال أولبرايت، الذى عمل مع وكالة الطاقة الذرية ويرأس حاليا «معهد العلوم والأمن الدولى» الأمريكى، إن الكونجرس سينظر خلال تقييمه للاتفاق النووى مع إيران إلى قدرة الاتفاق على «سد الممرات الأربعة» أمام تطوير طهران لسلاح نووى، وتوفير «وسادة زمنية» لا تقل عن 12 شهرا تفصل بين إيران وتحويل برنامجها النووى من سلمى إلى عسكرى. وأوضح أنه «يجب على الكونجرس النظر بشكل استباقى إلى الآثار المترتبة على الاتفاق مع إيران فيما يتعلق ببدء سباق تخصيب فى الشرق الأوسط يمكن أن يجعل عدة دول عربية لديها قدرات لإنتاج أسلحة نووية لو أرادت». وفيما يلى نص الحوار: أعطيت شهادة أمام الكونجرس الأمريكى الأسبوع الماضى حول الاتفاق النووى مع إيران، فما هى المعايير التى سيقيم على أساسها الكونجرس الاتفاق عندما يتم وضع تفاصيله الأخيرة؟ الكونجرس سيقيم الاتفاق فى ضوء مدى كفاية نظام المراقبة والتحقق من كشف أى انتهاكات إيرانية محتملة، ووضع آلية دولية لعلاج الانتهاكات إذا حدثت، والعواقب فى حال عدم التزام إيران ببنود الاتفاق، ثم السيناريوهات المحتملة للاتفاق خلال ال 10 أعوام المقبلة. وهناك معايير أساسية لنظر تطبيق الاتفاق ومنها سد الممرات الرئيسة الأربعة لتطوير إيران برنامج نووى. بالإضافة إلى ذلك سينظر الكونجرس إلى توفير «وسادة زمنية» من 12 شهرا تفصل بين إيران والسلاح النووى. وهو ما يطلق عليه «زمن الاختراق» أو «نقطة اللاعودة». وهذا يقتضى تقليص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب (الذى يمكن أن ينتج المواد الانشطارية وهى المكون الرئيسى لصنع قنبلة ذرية)، من نحو 8 آلاف كيلوجرام إلى 300 كيلوجرام، وهو ما وافقت عليه إيران فى اتفاق لوزان فى 2 أبريل الماضى. كذلك من معايير تقييم الكونجرس للاتفاق، القدرة على تفتيش أى مواقع نووية أو عسكرية إيرانية مشتبه فيها خلال 24 ساعة. لكن المرشد الأعلى آية الله على خامنئى قال قبل أيام إن تفتيش المواقع العسكرية الإيرانية «خط أحمر».؟ وفقا لآليات تطبيق معاهدة الحد من الانتشار النووى، ليس هناك تفريق بين منشآة عسكرية وأخرى مدنية. ومفتشو وكالة الطاقة الذرية عليهم أن يذهبوا للمواقع التى تحوم حولها الشكوك. وإيران تفهم أن عليها فتح منشآتها العسكرية للتفتيش إذا ما كانت هناك شبهات حول استخدامها فى أنشطة نووية عسكرية. وبالتالى رفض إيران الآن لهذه الفقرة مثير للحيرة. فالمواقع العسكرية التى يطلب زيارتها، ومنها كما حدث فى السابق موقع بارشين، يتم التفاهم المسبق مع إيران حول أسباب طلب زيارتها. الأمر ليس قرارات تعسفية غير مبررة. والدول الموقعة على معاهدة عدم الانتشار النووى تقبل تفتيش مواقعها العسكرية إذا حامت شكوك ذات مصداقية حول أهدافها الحقيقة. لكن كيف يمكن تحديد «شكوك ذات مصداقية»؟ تنظر وكالة الطاقة الذرية حصريا إلى أى انتهاكات لمعاهدة الحد من الانتشار النووى. إذا شكت فى أنشطة لتطوير جانب عسكرى، يمكن أن تطلب إذن تفتيش خاصا، وإذا رفضت الدولة المعنية، يتم عقد اجتماع لمجلس أمناء وكالة الطاقة الذرية لنظر التقارير حول الموضوع، ثم يتم التصويت حول ما إذا كان يجب إرسال فريق التفتيش أم لا. وإذا كان التصويت ب «نعم» فيجب على الدولة قبول التفتيش الدولى. كل هذا واضح فى البروتوكول الإضافى لمعاهدة عدم الانتشار النووى،وبالتالى من الغريب الآن أن تحاول إيران التملص من التزاماتها بإعادة تفسير للبروتوكول الإضافى. ومع ذلك هذه الخطوط الحمراء الإيرانية لا تعنى استحالة حل وسط، ففى بداية المفاوضات، قال خامنئى إنه لا تنازل عن استمرار عمل 19 ألف جهاز طرد مركزى، لكنه غير رأيه لاحقا ووافق على تخفيض العدد إلى نحو 6 آلاف جهاز طرد مركزى. المشكلة الأساسية أمام العقبات الجديدة أنها تطيل فترة التفاوض بلا داعى. أيضا من النقاط العالقة بين طهران ودول 5+1، رفض إيران استجواب أو إجراء مقابلات مع علمائها النوويين؟ لكن هذا حدث فى الماضى، حيث سمحت إيران لمفتشى وخبراء وكالة الطاقة الذرية إجراء مقابلات مع علمائها النوويين للاطلاع على بعض النقاط المتعلقة بعملهم. لكن إيران تقول إن بعض علمائها النوويين تم اغتيالهم لاحقا، وتشك فى أن هذا له علاقة بالسماح لبعضهم إجراء مقابلات مع مفتشى وكالة الطاقة؟ -العلماء النوويون الذين تم اغتيالهم فى إيران لم تلتقيهم وكالة الطاقة أو تجرى معهم مقابلات، بعضهم كان له علاقة بمشروعات نووية سابقة أو مشروعات سرية. كما أن المعلومات التى تجمعها الوكالة سرية. عمليات الاغتيال شىء بشع، لكن لا علاقة له بوكالة الطاقة الذرية. إحدى النقاط الفنية الأخرى، رفض خامنئى أى قيود على قدرات إيران للبحث والتطوير فى برنامجها النووي؟ هذه نقطة أخرى تغلب فيها الإيرانيون على الأمريكيين. فالموقف الأمريكى الأصلى كان الطلب من إيران التوقف عن أبحاثها المتقدمة حول أجهزة الطرد المركزى، وهذا كان مهما جدا لضمان إبطاء تقدم إيران النووى. لكن طهران رفضت، والاتفاق الحالى يعطيها حق إجراء أبحاث متقدمة. صحيح إنه بموجب الاتفاق، ستبطئ إيران وتيرة أبحاثها المتطورة وستقيدها لكن هذا التقييد والإبطاء سيكون لمدة 10 سنوات فقط هى مدة الاتفاق. بعد ذلك من حق إيران التحرك بكامل قوة دفعها فى أبحاثها النووية المتقدمة. هذه النقطة تعد انتصارا لإيران. والآن يريد الإيرانيون إعادة النظر فيها لإزالة أى قيود على أبحاثهم النووية، لكن هذا خطر لأنه سيعنى أن الاتفاق بالنسبة للجانب الأمريكى ملئ بالتنازلات، وسيفتح الباب أمام الصقور فى واشنطن. هل شعرت أن هناك تخوفا فى الكونجرس من تأثير الاتفاق؟ خلال شهادتى أمام الكونجرس حول الاتفاق لإعطاء تقييم تقنى وليس سياسيا، سألنى رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بوب كروكر 7 أسئلة كلها تتعلق بالجوانب السلبية المحتملة للاتفاق. لم يسألنى أحد حول النقاط الإيجابية. فمن وجهة نظر كروكر، يجب أن يعرف الكونجرس أين تكمن المشكلات حتى يتمكن من حلها. المؤسف أن تصريحات خامنئى تعطى الصقور فى واشنطن فرصة للقول: «قلنا لكم إن إيران غير جادة وأن الأمر كله لعبة لإضاعة الوقت». فهناك الآن تيار فى واشنطن يرى أنه بعد مرور 3 أشهر فقط على اتفاق لوزان، تراجع خامنئى بالفعل عنه. فمن البنود التى تم التوافق عليها فى اتفاق لوزان، تفتيش المواقع العسكرية الإيرانية عند الضرورة. بالطبع يمكن لإيران وضع قيود على تفتيش منشآتها العسكرية، لكن أن يقول المرشد الأعلى بشكل قاطع ونهائى وغير قابل للنقاش «أبدا.. لن نسمح بتفتيش أى موقع عسكرى»، فهذا يعطى الصقور فى واشنطن ذخيرة للقول «حتى قبل أن يجف الحبر الذى وقع به الاتفاق الإطارى، انتهكت إيران الاتفاق». هذا مثير للإحباط، وأنا أعرف أنه فى غرف المفاوضات تقول إيران أشياء مختلفة. هذا الاتفاق من المفترض أن يستمر لمدة 10 سنوات ما يعنى أن تطبيقه سيستغرق 10 سنوات... هل سيكون مسار التطبيق متعرجا كما كان مسار المفاوضات متعرجا؟ نعم. فإيران ودول 5+1 لم تتفق حتى الآن على خطة مفصلة للمراقبة والتحقق من تنفيذ الاتفاق. وسيكون هناك الكثير من القضايا الإشكالية. أنا أعرف البرنامج النووى الإيرانى بشكل وثيق جدا وسيكون من الصعب للغاية مراقبة كل شىء. فالإيرانيون سيقولون «ليس الآن، هذا صعب حاليا، أعطونا فرصة». وسيكون على الجانب الأمريكى تقييم ما إذا كانت الأعذار الإيرانية حقيقة، أم محاولة للتهرب والتملص. كما أن هناك الكثير من البنود والفقرات سيكون من الصعب جدا تنفيذها أو تطبيقها. وسيكون على أمريكا تخصيص فريق كفء وموارد بشرية ومادية كبيرة لمراقبة تنفيذ الاتفاق. ففى هذا النوع من مفاوضات منع الانتشار النووى، كما حدث مع كوريا الشمالية مثلا، يكون التفاوض دائما أسهل، مقارنة بمراقبة تنفيذ الاتفاق نفسه. والاتفاق مع إيران سيحتاج إلى الكثير من الانتباه من أجل ضمان تنفيذه بطريقة دقيقة. أقترحت على الكونجرس مثلا التصديق على آلية أو هيئة لمراقبة تطبيق الاتفاق بعد تمريره لأن الرئيس أوباما لا يستطيع إيجاد هذه الآلية. يمكن لهذه الآلية أن تكون جزءا من البيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية. لكن الكونجرس ما زال غير متحمس لهذه الأفكار، فهو لا يريد طرح أفكار حول آلية تنفيذ الاتفاق، إذا كان هناك احتمالات لعدم تمريره. الكثيرون فى منطقة الشرق الأوسط أيضا يتخوفون من الاتفاق النووى مع إيران، فهل هناك شىء إيجابى يمكن ان تقنع به المعارضين فى المنطقة؟ هذا شىء معقد جدا، وكان أيضا جزء من شهادتى. فالكثير من الجمهوريين يرون أن إيران ستخرج أقوى نوويا بعد الاتفاق وسيكون لديها برنامج أكبر لأجهزة الطرد المركزى. دول فى الشرق الأوسط تنظر لهذا وتقول: «إننا لا نريد أن نرى إيران بعد 10 أو 15 عاما من الآن قادرة على تحويل برنامجها النووى من سلمى إلى عسكرى خلال أشهر قليلة فحسب، بينما نحن ليس لدينا أى برامج نووية». ومصدر تخوف البعض فى الكونجرس من الاتفاق فى صيغته الحالية هو أنه يفتح الباب أمام سباق تخصيب، ما يعنى أن بإمكان عدة دول لاحقا بناء قنبلة نووية إذا اتخذت قرارا سياسيا بذلك. أعتقد أن المسئولين فى إدارة الرئيس باراك أوباما لم يفكروا بترو فى تأثير قصر المدة الزمنية للاتفاق على سلوك دول المنطقة. ففى البداية كان مسئولو الإدارة راغبين فى اتفاق لمدة 20 أو 30 عاما، ثم تراجعوا حتى باتت المدة الزمنية للاتفاق 10 سنوات فقط. هذا تراجع كبير من جانب أمريكا، ودفع دولا فى المنطقة كى تفكر فى أن تبدأ هى نفسها تطوير وبناء برنامجها النووى. المفاوضات تسير ببطء وأمامها عقبات كثيرة وتم تجاوز المهلة الزمنية للاتفاق بالفعل.. هل تتوقع اختراقا أم نكوصا خلال الأيام المقبلة؟ لو اتسعت الفجوة خلال الأيام المقبلة، وتعذر التوصل للاتفاقية، فكل ما سيحدث فى اعتقادى هو أن دول 5+1 وإيران سيواصلون المفاوضات على أمل سد الفجوات بينهم. لكن لو تدهور الوضع وقرر المفاوضون إنهاء العملية التفاوضية برمتها، فإن تصعيدا وتوترا كبيرا قد يحدث. فإيران ستمدد برنامجها النووى، وأمريكا ستعزز العقوبات. لكننى لا أتوقع هذا. وماذ عن النتائج السياسية للاتفاق، فالإدارة الأمريكية تأمل فى نتائج سياسية إلى جانب النتائج التقنية النووية؟ نعم... الإدارة تبنى وجهه نظرها على أن الاتفاق النووى سيغير إيران وسيجعلها دولة أكثر مسئولية وتعاونا وتفاهما خلال السنوات العشر المقبلة، وبالتالى لا يريدون أن ينظروا إلى السيناريو الثانى وهو أن سلوك إيران لن يتغير. وتحليل الإدارة يثير قلقى لأننى أتذكر أنه فى عام 1994، عندما أنهينا الإطار العام للاتفاق النووى مع كوريا الشمالية، قلنا لإدارة بيل كلينتون إن الاتفاق الإطارى لا يضمن شفاقية كوريا الشمالية خلال السنوات الأربع المقبلة، فكان رد أعضاء فى الإدارة «أن هذا غير مهم لأن كوريا الشمالية لن تكون موجودة بعد 4 أعوام». على أساس أن النظام سينهار وستتحد الكوريتان. أنها نفس العقلية مع إيران. فالرهان هو أن التوصل لاتفاق، حتى لو كان ضعيفا، ليس مشكلة لأن النظام الإيرانى سيغير سلوكه وستكون إيران دولة مختلفة بعد التقارب مع أمريكا. لكن هذا رهان خطير.