فى ذكرى استشهاد والدة الزعيم اللبنانى رفيق الحريري، منذ ثلاثة أسابيع، أشار سعد الحريرى رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق إلى معركة مصر ضد الإرهاب، قائلا: إن الأشقاء فى مصر قرروا مناهضة التطرف فى عقر داره ليحموا مع القوات المسلحة مفهوم الدولة من الضياع. وفى اجتماعه مع السفراء العرب ببيروت منذ أيام، أكد الحريرى الإبن أن هناك دولا عربية تدعى الاعتدال على رأسها مصر ودول الخليج العربي، وعلينا أن نطور هذا النهج ونسعى بكل قوانا لتشجيع الأكثرية الصامتة للقيام بالدور المطلوب فى مواجهة مظاهر التطرف أينما وجدت، وهذا بالطبع سينعكس إيجابا على كل الدول العربية دون استثناء. فالهاجس الأساسى لدى سعد الحريري، بعد تجربة لبنان الطويلة مع التشرذم والعنف والإرهاب التى بلغت ذروتها بزلزال اغتيال رفيق الحريري، الحفاظ على مفهوم الدولة، وهو أمر لن يحدث إلا بتحقيق الأمن ودعم عوامل الاستقرار والنهوض الاقتصادى والاجتماعي. ولذلك يمكن فهم طبيعة زيارة سعد الحريرى إلى القاهرة، ولقاءاته أمس مع الرئيس عبد الفتاح السيسى والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والتى تأتى فى إطار التنسيق والتشاور بين قوى الاعتدال العربي، مع تنامى ظاهرة الإرهاب التى باتت تشكل تحديا للعرب والمسلمين والمجتمع الدولي، والتأكيد أيضا على أهمية الحفاظ على مفهوم الدولة. لقد واجهت الدولة اللبنانية تحديات عديدة خلال السنوات الأخيرة نتيجة متغيرات داخلية وخارجية، إلا أن الحفاظ على الدولة مازال هو التحدى الأبرز، مع فشل البرلمان اللبنانى فى التوافق على أسهم رئيس جديد للجمهورية، وبقاء هذا المنصب شاغرا منذ انتهاء فترة ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان فى شهر مايو الماضي. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة محاولات داخلية للتخفيف من حدة تلك الأزمة وتلافى تداعياتها، وخاصة على صعيد الاحتقان الطائفي، وذلك من خلال فتح حوار خاص بين تيار المستقبل بزعامة سعد الحريرى وحزب الله بزعامة السيد حسن نصر الله، ويمثل كل منهما القوة الأساسية للطائفتين الإسلاميتين السنة والشيعة، بموازاة حوار آخر يجرى بين أكبر قوتين فى الطائفة المسيحية وهما القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والتيار الوطنى بزعامة ميشال عون. هذه الحوارات هدفها هو الحفاظ على الدولة اللبنانية، وتتضمن محاور عديدة منها على رأسها أزمة اختيار رئيس الجمهورية وسبل التوصل إلى توافق على اسم الرئيس الجديد، واستفراد حزب الله بقرار الحرب والسلم مع إسرائيل، والحفاظ على الأمن الداخلى مع تنامى نشاط الجماعات الإرهابية، وانعكاسات الأزمة السورية على الوضع الداخلى اللبناني، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. والحقيقة أن قضية اختيار رئيس جديد للبنان لا تتوقف فقط عند رأى القوى اللبنانية، بل تتعداها إلى تأثيرات إقليمية ودولية متعددة، فليس سرا نتيجة الوضع الطائفى المعقد فى لبنان إن هذا الأمر تساهم فى مناقشته عواصم أخرى عدة مثل دمشق وطهران والرياض وباريس، ولذلك تتداخل الملفات اللبنانية مع أوضاع إقليمية ودولية أخري. وإذا كان هاجس سعد الحريرى هو الحفاظ على دولة اللبنانية ومواجهة الإرهاب، فإنه يرى فى مصر نموذجا للتمسك بمفهوم الدولة ومواجهة التطرف بقوة، ويؤمن أيضا بالدور المهم الذى يلعبه الأزهر الشريف أكبر مؤسسة دينية فى العالم الإسلامى فى هذا السياق. ومصر كانت دائما داعمة للدولة اللبنانية بكل قوة، ولم يكن لها أجندات سياسية خاصة فى لبنان، بل كانت تسعى لاستقرار الدولة اللبنانية وتشجيع أبنائها على العيش المشترك والمساهمة البناءة فى إقامة مجتمع قوى يواجه التحديات الضخمة التى تحيق به. لذلك احتفظت القاهرة بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف اللبنانية، باستثناء من يحاولون التأثير على استقرارها لسبب أو لآخر، وما يجمع مصر والحريرى الآن هو هدف واحد.. الحفاظ على الدولة.