توفي إلي رحمة الله المخرج توفيق صالح, الساعة الثامنة والنصف صباح الأحد18 أغسطس2013, وهو المولود27 أكتوبر.1926. رغم صداقة قديمة تربطني بهذا المخرج السينمائي الفنان,( ترجع ربما لعام1956 عن طريق صديقنا المشترك صلاح جاهين), إلا أنني لم أكن قد شاهدت أيا من أعماله حتي زيارتي له يوم الإثنين22 فبراير1999 لتهنئته بجائزة الدولة التقديرية في الفنون لعام1998, وقد يبدو ذلك من الأمور الغريبة إلي درجة الاستنكار لكن الظروف التي تحكمت في مسار حياة توفيق صالح ومسار حياتي تبرر بقوة هذا النقص غير اللائق في التواصل; فاتني مشاهدة فيلمه الأول درب المهابيل, الذي أخرجه عام1955, لأنني لم أكن أذهب وقتها لمشاهدة أي فيلم عربي حيث كنت مكتفية بما تعرضه سينما الأندلس الصيفية المقامة أمام عمارتنا116 شارع العباسية وكنا نشاهد أفلامها العربية مجانا من كل شرفات ونوافذ شقتنا المطلة علي شاشتها بوضع لوج درجة أولي ممتاز, وفاتني صراع الأبطال,1961, و المتمردون,1966, لأنني كنت في الولاياتالمتحدة في فترة دراسة متصلة من أغسطس1960 حتي أغسطس1966, ولا أعرف سببا واضحا في ذاكرتي منعني من مشاهدة زقاق السيد البلطي,1967, و يوميات نائب في الأرياف,1968, أما فيلمه المخدوعون الذي أنتجته سوريا1971 عن رواية غسان كنفاني رجال في الشمس وحصد به العديد من جوائز السينما العالمية فقد ظللت ألح علي توفيق صالح أن يمكنني من مشاهدته وهو يسوف طيلة معاصرتي له بالعراق, فترة وجودي ببغداد أدرس مادة الدراما لطلبة كلية آداب جامعة المستنصرية من سبتمبر1975 إلي28 يونيو1980, وبالطبع لم يكن ممكنا مشاهدة الإنتاج العراقي لفيلمه الأيام الطويلة الذي هو آخر أعماله. حين أصبح عندي فيديو يمكنني من مشاهدة المتاح مما أريد مشاهدته أعارني توفيق صالح نسخا من أشرطة أفلامه المنقولة من برنامج ذاكرة السينما لسلمي الشماع. جلست أسبوعا أشاهد كل ليلة فيلما في مهرجان خاص أقمته لنفسي لمشاهدة كل أعمال توفيق صالح دفعة واحدة, محاكية تلك المهرجانات التي كانت تقام بمحيط جامعة نيويورك, وحضرتها أثناء دراستي بها1964 حتي تخرجي فيها يونيو1966, في سينما متخصصة لعرض روائع تراث وعلامات الفن السينمائي; مهرجانات شاهدت فيها كل أفلام شارلي شابلن و جريتا جاربو و كل أعمال المخرجين العظام إنجمار برجمان وأنتونيوني و فلليني و كازان, ومهرجان أفلام الفن السينمائي الرائدة مثل السماء فوقنا والأرض تحتنا ودكتور كاليجاري... إلخ. أهمية تلك المهرجانات أنها كانت تكدس في إحساسي الوعي المكتمل بالفنان وهمومه المستوطنة وقضاياه المتسلطة, بل كل متسلطاته إذا أردنا توضيح المصطلح. فماذا تكدس لدي عند مشاهدتي مهرجاني الخاص لأفلام الفنان المبدع الأمين توفيق صالح؟ *** داهمتني في البداية حالة من الدهشة الحزينة أمام كل هذه الهموم المستعادة; كيف تأتي أن ما كان بائدا, بقيمه السلبية والمرفوضة والمحتج عليها والمطالب بإدانتها والعمل علي التصدي لها حتي لا تعود, أصبح حاضرا من جديد بوقع حثيث ثقيل يريد أن يستحكم ويسجل هو إدانته لمن أدانه وقاومه؟ *** درب المهابيل,1955, تصور حدوتة بسطاء يواجهون شظف العيش, وقصة حب شريفة يعوقها الفقر عن الاكتمال بالزواج, وحق يتم انتزاعه من صاحبه بنوازع الطمع الشرسة الكامنة في الطبيعة البدائية. ويعيد صراع الأبطال,1961, طرح أزمة الفقر كوباء, متخذا عام1948 والعهد الملكي المستباح ساترا تدور في زمنه مشاكل الوطن المزمنة التي صاحبت كل الأزمنة من بعده ومن بعد بعده, طارحا الخلاص في بؤرة الوعي غير المزيف لجذور الأوبئة والأمراض والمعاناة. في يوميات نائب في الأرياف يبدو البطل ساخرا سخرية من سبق له الحلم والتفاؤل بمستقبل أفضل ثم ضعضعته شبكة الفساد فأحني رأسه واحتضن مثاليته بغصص المرارة: ما هو العدل؟ ما هو القانون؟ أهو نص أم روح؟ وهل للقانون, بنصه أو روحه, قوة تحقق العدالة ومقاليده وزمامه بيد الظالمين؟ تساؤلات توفيق الحكيم مسجلة عام1935, وتساؤلات توفيق صالح مسجلة عام1968, ولا تزال التساؤلات هي هي نفسها تؤرقنا! مع المخدوعون,1971, تصبح الرؤية أكبر من مأساة رجال في الشمس; إنها حقا الخداع والخديعة والخادعون والمخدوع, بإرادته, يمشي متحركا في سراب الصحراء حتي الإحتراق مجازفا لعله يجد البديل عن مذلة السكون وقلة الحيلة والجوع والأرض المسلوبة والتساؤل العريض أيهما أفضل: اختيار الموت أم حياة بعد اجتثاث الرجولة؟, بل هو التساؤل: أيهما يكون الموت حقا؟ *** تعتمد سينما توفيق صالح علي قدر كبير من الصمت, الذي هو بالطبع ليس الخرس بل هو وسيلة خلق التواصل النفسي المشحون بين المشهد والمشاهد, حين تكون اللفتة ونظرة العين وكدر الوجه أو بسمة الشفاه هي المعبر الأبلغ أمام لا جدوي الكلمات; يختار وجه برلنتي عبد الحميد في درب المهابيل و راوية عاشور في يوميات نائب في الأرياف, ومساحات الصحراء الشاسعة وأفق الشمس البيضاء اللاهبة وجذوع النخل وهاماتها العالية قمما نحو السحاب في المخدوعون, ويعطي جموع الفلاحين, الواقعة تحت الحصار في صراع الأبطال, حركة وتخبطات الفزع لقطيع يهيم بلا قيادة ينشد الفرار من دون أن يدري كيف وإلي أين. قليلون الذين يحترمون الصمت ويفهمونه ويدركون طيات تربته وثرائها أما النادر فهذا الذي يعرف إدارته بكفاءة ويجيد طرحه ويدرك ضرورته الموظفة لإنطاق الفن السينمائي لغته الفريدة, وهذا القليل النادر هو لب أسلوب الإخراج عند توفيق صالح. *** هم الآن, الأربعاء21 أغسطس2013, في سرادق عزائك يا توفيق ظهرا تجنبا لحظر التجول في ظل الطوارئ, شاركت زوجتك الفاضلة روضة و ابنتك الحبيبة ريم العزاء هاتفيا, فلا يمكنني أبدا الذهاب إلي السرادق والمخاطرة برؤية الفنانين والفنانات, هؤلاء الوحوش البشرية الهاتفين ب أفرم أفرم يا سيسي! الحمد لله يا توفيق الذي عافاك مما ابتلي به غيرك; رحمك الله وأثابك كل الخير.