يبدو أن غياب ثقافة قبول الآخر والقدرة علي الاستماع لآرائه وأفكاره حتي النهاية ليست مشكلة شعوبنا وحدها, فالأزمة أكبر وأبعد من ذلك بكثير فهي موجودة وبشدة علي سبيل المثال في جزيرة نائية في اقصي الشرق هي تايوان. فلقد تحولت جلسات النقاش في برلمان هذا البلد الصغير الذي لا تزيد مساحته عن3700 كيلومتر مربع الي ساحة للصراعات والمشاجرات التي تصل الي حد التشابك بالايدي وطرح النواب لبعضهم البعض أرضا. ولعل الفضيحة التي تناقلتها وسائل الاعلام العالمية قبل ايام لمشاجرة عنيفة داخل البرلمان التايواني خير دليل علي ذلك, فلقد حاول كل فريق داخل قاعة المجلس السيطرة علي المنصة وشرع النواب في رشق بعضهم البعض بالمياه والقاء الزجاجات والاكواب وتوجيه اللكمات أثناء مناقشتهم قضية طرح استكمال بناء محطة نووية رابعة بالبلاد للاستفتاء الشعبي من عدمه. حيث تطورت المناقشات الي صيحات متبادلة بين مؤيدي ومعارضي المشروع ثم لتشابك بالايدي تمكن خلاله الحاضرون من التفريق بالكاد بين نائبين طرحا بعضهما ارضا داخل القاعة. وبالطبع فان مناقشة موضوع كهذا عقب حادثة فوكوشيما التي شهدتها اليابان في مارس2011, يعد أمرا بالغ الحساسية في هذا البلد, فقد فقدت تايوان نحو2500 من ابنائها خلال زلزال عام1999 الذي ضرب اراضيها بقوة7.6 درجة علي مقياس ريختر,واعتبر واحدا من اسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث. هذه الخلفيات كلها جعلت النقاش يتحول سريعا في ساحة البرلمان الي معركة حاول خلالها الحزب الحاكم' كيومنتانج' فرض وجهة نظره بالدفاع عن المحطات النووية كمصدر مهم للطاقة الذي بدونه قد تعاني البلاد من ازمة طاقة كبيرة,خاصة وأن شركة' تايباور'المسئولة عن المحطة تؤكد انها انتهت من90 % من انشاءاتها وان المحطة ستكون قادرة علي العمل اعتبارا من.2015 في المقابل, دافع حزب المعارضة' الديمقراطي التقدمي' عن وجهة النظر الأخري التي تري في المحطات النووية خطرا كامنا يجب القضاء عليه في اقرب فرصة,مدعوما في ذلك بالمسيرات الحاشدة التي نظمتها الجماعات المناهضة لاستخدام الطاقة النووية في شوارع الجزيرة طيلة الأشهر الماضية لحث الحكومة علي التراجع عن جهود انشاء المحطة ووقف العمل فورا بالطاقة النووية في البلاد. لذا ما لبثت ان تحولت القاعة سريعا الي حلبة للملاكمة لكن دون فوز أحد الفريقين حيث دعا المتحث الرسمي باسم الحزب الديمقراطي التقدمي الي تأجيل التصويت علي القرار الي جلسة الاسبوع القادم. والواقع,ان الخلاف بين الحزبين علي المحطة ليس وليد لحظته بل ان المحطة التي بدأ انشائها عام1997 كانت محلا دائما للخلاف بين الحزبين,حتي ان الحزب الديمقراطي التقدمي جمد المشروع ابان فترة توليه السلطة في البلاد ما بين عامي2000 و2008. ويعتبر الحزب الذي انتقل الي صفوف المعارضة حاليا أن تمرير الاستفتاء داخل البرلمان الان أمرا في غاية السهولة في ظل سيطرة الكتلة الوطنية تحت قيادة الحزب الحاكم علي أغلبية المقاعد حوالي113 مقعدا. أما علي المستوي الشعبي, لاقت الواقعة ردود فعل بالغة السوء من جانب المواطنيين الذين استهجنوا تصرفات نوابهم. فذكر احدهم في تعليق نشره الموقع الالكتروني لجريدة' تايبيه تايمز' الصادرة من الصين,' أن البرلمان اصبح اكثر فوضي من بازارات السائحين حيث بات النواب يسخرون من بعضهم البعض..انه لأمر يجلب العار', في حين ذكر آخر علي صفحة جريدة' يونايتد ديلي نيوز'علي فيس بوك:' النواب قمامة..ومجموعة قذارة'. وبالرغم من تلك الاستنكارات, فان تلك الواقعة ليست الاولي من نوعها التي تشهدها قاعة البرلمان التايواني, فتاريخ البرلمان حافل بالكثير من المهاترات والصراعات,ولعل اخرها ما حدث في يونيو الماضي, حيث اشتبك النواب ورشقوا بعضهم بالقهوة في نقاش حول فرض ضرائب جديدة علي المواطنيين. كما انتقل وزير الصحة التايواني' ييه تشينج تشواني' في اعقاب فضيحة اللبن الصيني الملوث الي المستشفي في حالة مزرية بعدما هاجمه نواب المعارضة لحظة خروجة من قاعة المجلس وجذبوه من رقبته علي الأرض ثم شرعوا في تسديد اللكمات اليه. وهو ما جعل الجميع يتساءلون عما اذا كانت الصحافة ووسائل الاعلام ستطالعهم قريبا بمعركة جديدة في جلسة البرلمان القادمة أم لا.