إذا دخلت الصين والولاياتالمتحدة في صراع عسكري, فسيكون من الصعب جدا التكهن بأي دولة يمكنها أن تهزم الأخري, هكذا لخص هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق طبيعة الصراع بين أقوي دولتين في العالم. الحرب الحتمية بين بكينوواشنطن سيناريو جديد بدأ الحديث عنه في بداية العام الحالي حيث أن فصول المواجهة بينهما لم تعد تأخذ شكل الحرب الباردة بل أصبحت تأخذ بعدا أخر بعد أن وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما الصين صراحة بأنها عدو. وبالرغم من أنه هنأ تشي جينبينج علي الفوز برئاسة الصين وتعهدا بالتعاون في حل الخلافات وهذا ما أكد عليه أيضا جون كيري وزير الخارجية الأمريكي خلال زيارته لبكين, إلا أن الحديث عن التعاون والتنسيق تصور ساذج عفا عليه الزمن. وفي الأسبوع الماضي وصل الصراع إلي مرحلة الذروة بعد أن اتهمت الولاياتالمتحدة للمرة الأولي حكومة وجيش الصين بشن مئات الهجمات الإلكترونية للتجسس علي شبكات تابعة للحكومة الأمريكية من بينها مواقع وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون. وكشف التقرير الذي أعدته البنتاجون وقدمته للكونجرس عن أن تنامي حجم الإنفاق العسكري الصيني الذي يتراوح بين135 إلي215 مليار دولار أمريكي, وهو رقم أقل بكثير مما تعلنه بكين لحجم إنفاقها الدفاعي. وأشار التقرير إلي حجم التطورات العسكرية الصينية خاصة مساعيها لتطوير طائرات الشبح ستيلث المتقدمة وبناء أسطول من حاملات الطائرات لتوسيع نفوذها العسكري في أعالي البحار. ورجحت واشنطن أن الدافع الوحيد وراء عدم كشف بكين عن إمكاناتها العسكرية يرجع إلي إحداث عنصر مفاجأة بحجم وقدرة الماكينة العسكرية الصينية لدي اندلاع أي أزمة, وذلك عبر التجسس علي توجهات صناع قرار السياسة وبناء صورة لشبكة الدفاع الأمريكية وإمكاناتها اللوجستية والعسكرية. الصين أعربت عن استيائها من تقرير البنتاجون ووصفت المزاعم الذي جاءت فيه حول التهديد العسكري الصيني والقوة العسكرية الصينية غير الشفافة بالقديمة والعارية عن الصحة. كما اعتبرت التقرير تدخلا في شئونها الداخلية وأنه ليس من حق الولاياتالمتحدة أن تتحدث عن زيادة قدرات الدفاع في دولة ذات سيادة. وبعد ساعات من صدور تقرير البنتاجون صدر تقرير أمريكي أخر حول تدهور حرية الأديان في الصين مناديا بضرورة وضعها علي قائمة الدول التي تثير قلقا خاصا. وكان رد الصين الغاضب بأن أمريكا تتدخل في شئونها الداخلية ودعت الجانب الامريكي بقراءة تقرير سجل حقوق الانسان في الولاياتالمتحدة في2012, الذي نشره المكتب الإعلامي التابع لمجلس الدولة الصيني. هذا جانب واحد من جوانب الحرب الكلامية وتقارير الانتقاد المتبادلة بين الطرفين والتي شهدها الأسبوع الماضي فقط, لكن الوجه الأخر الأكثر سخونة يتبدي في الصراع الاقتصادي. الصين هي الدولة الوحيدة في العالم القادرة علي التفوق علي الولاياتالمتحدة من حيث الناتج المحلي الإجمالي في المستقبل القريب. وفي الوقت الذي تختبر فيه أمريكا حاليا كسادا اقتصاديا ونسبة بطالة مرتفعة وتهديدا بالتراجع عن موقعها كالقوة الاقتصادية الأولي عالميا, ينمو اقتصاد التنين الصيني بثبات ويواصل الإبقاء علي خفض سعر صرف اليوان وهو ما يحفز الإنتاج المحلي والصادرات, بالإضافة إلي أن بكين قامت بسحب الدولار الأمريكي من احتياط النقد الأجنبي خلال السنوات القليلة الماضية وقامت بالاستغناء عنه من خلال استثمار بديل في اليورو والذهب. الصين تريد أن تكون الدائن الوحيد في العالم فهي تريد شراء الديون الأمريكية والديون السيادية الأوروبية وتقوم باستغلال هذا التراجع الاقتصادي لصالح نموها الذاتي. المحاولات الأمريكية المستميتة لوقف وكبح المارد الصيني فشلت بامتياز, بل أصبحت أي محاولة لمعاقبة أو فرض عقوبات علي الاقتصاد الصيني هي بمثابة تدمير للاقتصاد الأمريكي نفسه. وبسبب من هذا الفشل في احتواء الصين وعزلها في الوقت ذاته عن محيطها, لجأت إدارة أوباما إلي تغيير إستراتيجي أخر في محاولة تشي جينبينج لي عنق التنين الصيني عبر استخدام إستراتيجية محور آسيا ذ ب. والفلبين, إلا أن بكين استخدمت ورقتها الرابحة كوريا الشمالية التي وجهت تهديدات بالجملة بتوجيه ضربة نووية إلي واشنطن وحليفتها سول. وهكذا وعبر سلسلة فاشلة من محاولات الاحتواء, قامت أمريكا بتحويل معركتها مع الصين إلي عقر دارها في آسيا, وهو ما يدفع باتجاه مواجهة حتمية بين الجانبين وذلك بعد أن أشهرت السياسات الأمريكية جميع أسلحتها المفلسة باتجاه محاولة إزاحة الصين من منافستها علي قيادة العالم.