في إطار مهرجان' لقاء الصورة' الذي عقدت فعاليات دورته التاسعة أخيرا عرضت مجموعة متنوعة ومتميزة من الأفلام الروائية القصيرة والتسجيلية, بعضها لطلبة المعهد العالي للسينما وخريجي جمعية الجزويت, إضافة إلي صناع السينما المستقلة, وتأتي أهمية هذه النوعية من المهرجانات والأنشطة لكونها تحتفي بفن مختلف ومتميز عن السائد في السوق التجارية, كما أنه بمثابة نافذة عرض لتجارب سينمائية شابة يتنافسون فيها, حيث يحرص العديد من النقاد والمهتمين بصناعة السينما علي متابعة هذه العروض, وأيضا تعكس هذه التجارب واقع السينما والتطورات التي تشهدها علي مستوي الأفكار والتقنيات, ومن الأفلام اللافتة للانتباه فيلم زكريا وهو فيلم روائي قصير من إخراج عماد ماهر, وإنتاج مكتبة الإسكندرية وفيج ليف استوديو, والفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الكبير نجيب محفوظ, وهي من قصص أحلام فترة النقاهة. ويناقش الفيلم فكرة الخوف التي قد تعصف بحياة الإنسان وتجعله يفقد لذة الحياة ومتعتها, ويظل أسيرا لها وهو المعني الذي استطاع عماد تجسيده من خلال صورة سينمائية شديدة التكثيف والإحساس, وعرض بعد فيلم' زكريا' الفيلم التسجيلي' أنا سعيد لدرجة انني سألعب الجولف' للمخرج' سامح اسطفانوس' ومن إنتاج المركز القومي للسينما, ويحمل اسم الفيلم غرابة تلفت الانتباه, وتثير العديد من التساؤلات خصوصا أن اسم الفيلم شديد الطول قياسا بأسماء الأفلام التي من المفترض أن تكون قصيرة ومعبرة أو تحمل مفارقة, وقد يشعر البعض بأن الفيلم سيتكلم ببساطة عن رياضة الجولف وعشق البعض لها, ولكن حقيقة الأمر أن اسم الفيلم يحمل الكثير من الدلالات ويناقش قضية شديدة الخطورة نتكشفها بعد الدقائق الأولي من العرض وهي قضية نقص المياه التي وتؤكد أن الحروب المقبلة التي سيشهدها العالم هي حروب المياه, ويطرح الفيلم مجموعة من التساؤلات حول عالم رياضة الجولف والفقر والعطش في مصر, حيث تبدأ المشاهد الأولي باستعراض نشأة رياضة الجولف في مصر التي ارتبطت بالاحتلال الانجليزي لمصر, وكانت تقام ملاعبها في أماكن تجمع الجاليات الإنجليزية, إلا أنها توقفت بعد ثورة يوليو52 وكانت تمثل اللعبة الأكثر رقيا في عالم الإقطاع الرأسمالي. وغابت اللعبة لسنوات ثم عادت بداية من منتصف التسعينيات لتنتشر بقوة, وتحديدا مع بداية ظهور فكرة' الكمبوند السكني' وإسكان الطبقات الثرية في المنتجعات, وكيف أن ملاعب الجولف صارت سمة مميزة ورئيسية لكل هذه التجمعات وأيضا في المنتجعات السياحية بشرم الشيخ والغردقة والأقصر والعين السخنة والساحل الشمالي, فهناك22 ملعب جولف بمصر إضافة إلي12 ملعبا آخر تحت الإنشاء, ويبلغ متوسط مساحة الملعب الواحد100 فدان, ويظهر الفيلم مدي الإخلاص الذي يعمل به مسئولو هذه اللعبة ورجال الأعمال الذين يعشقونها حيث إنهم يريدون عمل سياحة كاملة قائمة علي ممارسة لعبة الجولف, والمفارقة تتمثل في حجم المياه التي تستهلكها هذه الملاعب من المياه العذبة من أجل رعايتها وريها وإقامة بحيرات صناعية تتوسط هذه الملاعب, وأدي هذا لاستهلاك ما لا يقل عن42 مليون متر مكعب مياه في مصر من أجل ملاعب الجولف, ويأتي هذا في بلد يعاني ظهيرا صحراويا وتعاني محافظاته في معظمها أزمة مياه حقيقية, ليس ذلك فقط بل أنه وطبقا لمعدلات الزيادة السكانية وأزمة مياه النيل مع دول الجوار وإقامة السدود, مقبلة علي أزمة حقيقية في المياه ستدفع ثمنها الأجيال القادمة, كما فجر الفيلم مشكلة أن ملاعب الجولف بها160 فدانا من البحيرات الصناعية العذبة, وهو رقم يساوي ملايين من أمتار المياه المهدرة من أجل أن يلعب العشرات الجولف, قد أسهمت ملاعب الجولف في استهلاك المياه الجوفية علي طريق الإسكندرية الصحراوي وانخفض الاحتياطي في هذا الطريق بنسبة متر واحد طبقا للتحليلات العلمية, وفي خط متواز نري مشاهد للعديد من القري المصرية في محافظات مصرية مختلفة يقوم سكانها بشراء الماء أو الوقوف في طوابير أمام حنفية مياه عمومية, وهي المشاهد المصحوبة بتعليقات لرواد لعبة الجولف يتحدثون عن ملاعبها وضرورة وأهمية رعايتها وريها بالمياه العذبة, وعدم الإهمال في رعايتها لأن ذلك يعني اصفرار الملاعب وعدم صلاحيتها, وهنا تتداخل الموسيقي التصويرية لتامر كروان لتؤكد تلك المفارقة التي تثير الحزن علي ما وصل إليه حال الناس في بر مصر بلد نهر النيل, وتصل السخرية المبكية مع الجملة التي تأتي علي لسان أحد سكان القرية: أن جراكن المياه أصبحت قاسما مشتركا في جهاز العرائس بقريتهم وأنها توضع ضمن قائمة الجهاز وأن أهل العروسة يرسلونها ممتلئة بالمياة, والجملة الأخري التي تؤكد أن الحكومة قامت بتركيب عدادات المياه وأن المحصل يأتي شهريا لتحصيل الفلوس علي رغم أن المواسير خاوية, ولا توجد مياه من الأساس, وإذا حدث فإن المياه تأتي لساعة أو ساعتين بعد الثانية صباحا وسرعان ما تنقطع, وأنهم لا يستطيعون رفض الدفع بل يقومون بذلك مرغمين خوفا من أن ترفع الحكومة العدادات,' وهو ما يذكرنا بالجملة الشهيرة للفنان عادل إمام في مسرحية شاهد ما شافش حاجة خفت يشيلوا العدة مع أن أنا ماعنديش تليفون. وفي مشاهد شديد النعومة يرصد سامح ذلك الانقسام الحاد في المجتمع المصري ما بين طبقة شديدة التهميش لا تملك من أمرها شيئا تبحث عن قطرة المياه, ومجتمع آخر شديد الثراء مشغول برياضة ترفيهية, قد تجذب الكثير من السائحين, ويؤكد هذا المعني مشاهد لعب البلي بين الأطفال في تلك القري الفقيرة, ولقطات أخري لمن يلعبون الجولف, وبرغم أن المخرج يتبني تماما وينحاز لموقف هؤلاء الفقراء والبسطاء في حياة كريمة ونقطة مياه صالحة للشرب, ويفجر قضية مهمة وهي أزمة المياه التي تحاصرنا وسيدفع ثمنها الأجيال القادمة, فمن حق من يلعبون الجولف أن يلعبوه ولكن ليس علي حساب الفقراء, واستغلال نصيبهم من المياه, ويستعين سامح مخرج العمل بقصيدة شهيرة للراحل فؤاد حداد بصوت النجم محمود حميدة, علي لقطات للفلاح المصري ولقطات لأراضي'شرقانة' من العطش وتنتظر نقطة مياه, ومن يقفون في طوابير يحملون' الجراكن' بحثا عن نقطة مياه. وفي النهاية يأتي فيلم' أنا سعيد لدرجة أنني سألعب الجولف' ليكشف الكثير من الحقائق ويجعلك لا تتوقف عن طرح التساؤلات حول الواقع الاجتماعي الأليم, وكان سيكون أكثر تأثيرا لو تم مونتاج العديد من مشاهد الضيوف الذين تحدثوا باستفاضة عن لعبة الجولف وما تستهلكه من مياه, وهو ما جاء أيضا علي لسان الخبراء, ولكن تلك هي أهمية السينما التسجيلية التي تكشف الكثير من أزماتنا وتعري المجتمعات التي تعيش تناقضات صارخة في أساليب حياتها.