كنت أعتقد أن هناك قدرا من المبالغة في الحديث عن إظلام مصر في الصيف المقبل بسبب أزمة الوقود, حتي جاءت تصريحات وائل المعداوي, وزير الطيران المدني, الذي أعلن أنه سيتم إغلاق مطار القاهرة الدولي أمام حركة الطيران لمدة4 ساعات يوميا لتوفير الطاقة. هكذا وبكل بساطة, يعلنها وزير مسئول في الحكومة, أنه سيتم إغلاق المطار واجهة مصر وعنوانها, في سابقة هي الأولي من نوعها منذ افتتاحه حتي الآن, ليتم إرسال رسالة مظلمة للعالم عن أحوال مصر والأزمات التي باتت تلاحقها من كل جانب. إظلام المطار سوف يهز صورة مصر أمام حركة السياحة العالمية, ومن الواضح أن هناك خطة ممنهجة لتدمير السياحة, بدءا من أعمال العنف والبلطجة التي تتم جهارا نهارا وعلي مدي ساعات اليوم, ومرورا بالاعتداء علي المنشآت السياحية والفندقية, وأخيرا إظلام المطار وإغلاقه. علي الجانب الآخر, ومثلما حمل خبر إظلام المطار رسالة سلبية للعالم, فقد حمل رسالة أكثر سلبية للمواطن العادي الذي من المتوقع أن تتحول حياته إلي معاناة يومية مع الكهرباء في الصيف, ولم يعد هناك مفر من الاستعداد لهذا المأزق من الآن, وتوفير لمبات الجاز في المنازل, وأخشي أن يكون ذلك الأمر صعب المنال أيضا في ظل نقص السولار الجاز وعدم وجوده, ومن المتوقع أن تزاحم طوابير المواطنين طوابير السيارات أمام محطات الوقود, في انتظار الحصول علي حصصهم منه, لإضاءة بيوتهم ومحلاتهم وشوارعهم باللمبات والفوانيس. من الواضح أن حكومة د. هشام قنديل غير جادة في مواجهة الأزمة, بدليل هذا التخبط الجاري في التعامل معها منذ ظهورها وحتي الآن, والدليل علي ذلك التصريحات المتناقضة بين الوزراء, فوزير الكهرباء يبرر الأزمة بعدم توفير الوقود أحيانا, إلا أنه أحيانا أخري يتحدث عن التخطيط لإنشاء محطات جديدة, وكأن المحطات الحالية تعمل بكامل طاقتها, مع أن الحقيقة عكس ذلك تماما. وعلي الجانب الآخر, جاءت تصريحات وزير البترول التي نشرتها الزميلة الأخبار يوم الأحد الماضي في صفحتها الثالثة صادمة, والتي أشار فيها إلي أن الأزمة تخص وزارة التموين ولا تخصه, وهكذا بكل بساطة يخلي مسئوليته ليلقي بها في ملعب وزارة التموين مكررا ذلك الكلام المستهلك والممل عن السوق السوداء والتهريب, ناسيا أن السوق السوداء والتهريب يرتبطان دائما بالأزمات, وفي حال انفراج الأزمة يختفي كل ذلك علي الفور. من الواضح أن الأداء الحكومي يفتقد إلي التخطيط والانسجام والتنسيق, لأن أزمة الوقود الحالية تنحصر مسئوليتها بين أربعة وزراء أولهم وزير المالية, باعتباره المسئول عن التمويل, والبترول باعتباره الوزير المختص, والكهرباء المسئول عن التشغيل, والتموين المسئول عن الرقابة. هذه الأطراف الأربعة لو اجتمعت وأعطت تصورات عاجلة وآجلة للحلول يمكن أن تجد مخرجا, ومن الغريب ألا تتذكر الحكومة في وقت الأزمة الحالية التوقيت الصيفي, وهو التوقيت الذي طبقته دول الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع ويستمر لمدة سبعة أشهر, وحتي نهاية شهر أكتوبر المقبل, في حين تركب الحكومة المصرية رأسها وتسير مغمضة العينين وهي تنفذ قرار حكومة عصام شرف الخاطئ بإلغاء التوقيت الصيفي. أما وزير الكهرباء, فلم يكلف خاطره ويطلب من الحكومة إصدار تشريع يحرم المباني المخالفة من المرافق, ويقوم بدلا من ذلك بتسهيل التعديات علي الأراضي الزراعية وينشر الخراب فيها, بتحويلها إلي كتل أسمنتية, كما أنه يقف متفرجا علي إضاءة الشوارع نهارا, وسرقات الكهرباء في الأكشاك العشوائية, ويكتفي فقط باستعراض قوته بقطع التيار علي المواطنين الأسوياء حينما يريد. لقد احتفلت إسرائيل بتحقيق اكتفائها الذاتي من الغاز بعد بدء ضخه من حقل تمار البحري, في حين صمتت مشروعات التنقيب عن البترول والغاز في مصر وماتت بالسكتة القلبية, وإذا كنا قد توقفنا عن تصدير الغاز إلي إسرائيل, فأين ذهب ذلك الغاز؟! أسئلة كثيرة وحائرة في قضية الوقود والكهرباء حاول أن يجيب عنها الزميل سيد صالح في تحقيقه المتميز المنشور بتحقيقات الأهرام يوم الاثنين الماضي, ولكن الأمر يحتاج إلي جهد حكومي مشترك لإيجاد حلول واقعية بعيدا عن ذلك التخبط الحالي الذي يدمر الاستثمارات في المصانع, ويحول حياة المواطن إلي جحيم, ويهدد السياحة في مقتل أكثر مما عليه الآن, فهل تفعل الحكومة أم تظل عاجزة ومرتعشة, حتي تتصاعد دعوات التحريض لعدم دفع الفواتير, ثم تبدأ في البحث عن مخرج؟! لمزيد من مقالات عبدالمحسن سلامة