لا أدري بالتحديد متي ظهرت الأنسجة الصناعية لكنني ما زلت أذكر سطوتها في منتصف الأربعينيات عندما تغلبت منسوجاتها, النايلون, علي المنسوجات القطنية والصوفية والكتانية فكانت هي الأناقة والأمل المنشود, خاصة في ملابس النساء التي أقبل عليها الجميع رغم إرتفاع ثمنها, وصارت كلمة نايلون مرادفة لكل جديد غير قابل للمنافسة, حتي وصل الأمر إلي تعبير: حاجة نايلون خالص! يتم إطلاقه بصيغة الإعجاب علي أي شئ, إنسان أو حيوان أو جماد, فيفهم السامع أن ذلك الشئ بالغ الجمال; مثلا يقول قائل عن إمرأة حاجة نايلون خالص يعني فاتنة متفجرة الأنوثة مثل جميلات هوليود هيدي لامار و ديانا دربن وآفا جاردنر و جرير جارسون و فيفيان لي وغيرهن من شهيرات ذلك الزمان, ولذلك لم يكن غريبا, وإن كان طريفا, إطلاق الترام النايلون علي ترام جديد اختلف تصميم عرباته عن الشكل المألوف الذي إعتاده الناس واشتهر بهذا الاسم فكان يكفي قولنا: ركبنا الترام النايلون من دون أي حاجة لذكر رقمه! ظللت مع الترام حتي شهدت إرهاصات نهايته حين ازدحمت الطرقات بالسيارات وتعالت صيحات أصحابها كلما صادفهم ترام إمتي بقي يشيلوه! فأشعر بغصة كأنهم يغتابون أحد أقربائي فأبادر بنبرة حنين: الله هوه كان عمل إييييييييه؟ فيأتي الرد زاعقا: زاحم الدنيا! عزيز قوم ذل; يسلك سبيله كهيئة الإنسان الطاعن في السن الباحث عن جدوي لاستمراره في الحياة; يتلطف مع الجميع وهم يلكزونه ويدفعونه بالأكتاف. في يوم من أيام عام1984 كنت في الفجالة بعد أن إشتريت مقدمة ابن خلدون و حملتها مع كتب أخري تثقل يدي وتوجع كتفي ووقفت أنادي سيارات الأجرة في استجداء: عباسية.. عباسية وهيهات أن يرق لي قلب من قلوبها القاسية, وإذا بي ألمح ترام3 خط فجالة- عباسية قادما وأنا بالقرب من محطته, بدا لي كفارس من الزمن الغابر منقذ رغم اشتعاله بالمشيب, استبد بي الشوق فأسرعت لألحق به, رغم أنني لم أكن بحاجة إلي الإسراع فسوف ألحق به علي كل حال إذ أن طريقه قد اغتصبته السيارات وهو متوقف يعطيها الأولوية في سعة صدر الكبار الصابرين علي تجاوزات الصغار. صعدت وجلست وسألت جاري: بكم ثمن التذكرة؟ قال: عشرة صاغ, جاءني الكمساري فقلت ممازحة: عشرة صاغ بحالها؟ كانت بثمانية مليمات! رد جاري بشجن: كانت بستة مليمات! قلت مستشعرة صباي مش علي أيامي!