رأت صحيفة «الجارديان» البريطانية، في تحليل لمحررها الدبلوماسي باتريك وينتور، أن ردود الفعل الأوروبية على الهجوم الأميركي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو كشفت حالة ارتباك غير مسبوقة داخل العواصم الأوروبية، بين الترحيب بسقوط نظام سلطوي طالما وُصف بالقمعي، والتمسك في الوقت ذاته بقواعد القانون الدولي التي لا تبرر، في نظر كثيرين، ما أقدمت عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبحسب التحليل، بدا القادة الأوروبيون منقسمين ومترددين وهم يحاولون الموازنة بين موقفين متناقضين: الأول يقوم على رفضهم لشرعية مادورو منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو/حزيران 2024، والتي اعتُبرت على نطاق واسع مزوّرة، والثاني يتمثل في قلقهم من أن يشكل اعتقال رئيس دولة بالقوة، ثم الإعلان عن «إدارة أميركية» لفنزويلا والسيطرة على قطاعها النفطي، سابقة خطيرة تقوّض أسس النظام الدولي القائم. وسعت أوروبا، في بياناتها الأولى، إلى التركيز على مبدأ «الانتقال الديمقراطي»، مذكّرة بأنها لم تعترف بمادورو رئيساً شرعياً، وأن موقفها يستند إلى دعم تطلعات الشعب الفنزويلي. غير أن هذا المسار اصطدم سريعاً بموقف ترامب من زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل، والتي رفض الرئيس الأميركي الاعتراف بها، معتبراً أنها لا تحظى بدعم أو احترام داخل البلاد، في تناقض واضح مع الموقف الأوروبي الذي تبنّاها بوصفها رمزاً للمعارضة الديمقراطية. من الناحية القانونية، أشار خبراء في القانون الدولي إلى أن عدم اعتراف الولاياتالمتحدة بشرعية مادورو قد يُستخدم لتبرير القول إنه لا يتمتع بالحصانة السيادية أمام المحاكم الأميركية، في سيناريو يُذكّر بمحاكمة الرئيس البنمي السابق مانويل نورييغا بعد اعتقاله عام 1989. غير أن هذا الطرح، وفق هؤلاء، لا يحسم الجدل حول شرعية استخدام القوة العسكرية. في المقابل، دافع مسؤولون أميركيون عن العملية باعتبارها إجراءً يدخل في إطار «الدفاع عن النفس»، متهمين حكومة مادورو بالتورط في الاتجار بالمخدرات وتهديد الأمن الأميركي. إلا أن أونا هاثاواي، أستاذة القانون الدولي في جامعة ييل، رفضت هذا التبرير، معتبرة أنه لا يستند إلى أي أساس معقول في ميثاق الأممالمتحدة. وقالت إن تحويل تهريب المخدرات إلى ذريعة لاستخدام القوة يفتح الباب أمام تأويلات واسعة تجعل من «الدفاع عن النفس» قاعدة عامة لا استثناءً، ووصفت ما جرى بأنه خرق غير مسبوق للقانون الدولي. وظهر الحرج الأوروبي بوضوح في مواقف بعض القادة. فقد سعى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، وبلاده عضو غير دائم في مجلس الأمن، إلى تجنّب الخوض في قانونية الخطوة الأميركية، مكتفياً بوصف مادورو بأنه قاد «ديكتاتورية قمعية» جلبت معاناة هائلة للفنزويليين، ومعتبراً أن سقوط نظامه يفتح باب الأمل، مضيفاً: «ليس هذا وقت التعليق على قانونية الإجراءات الأخيرة». أما الحلفاء الأيديولوجيون الأقرب إلى ترامب في أوروبا، وعلى رأسهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، فذهبوا أبعد من ذلك، واعتبروا العملية الأميركية «تدخلاً دفاعياً مشروعاً». في المقابل، بدت انتقادات أطراف أوروبية أخرى خافتة، وسط خشية واضحة من استفزاز ترامب، لا سيما في ظل الدور الحاسم الذي لا يزال يلعبه في دعم أوكرانيا. وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الاتحاد شدد مراراً على افتقار مادورو للشرعية، ودعمه انتقالاً سلمياً للسلطة، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون الدولي وميثاق الأممالمتحدة «في جميع الأحوال». وسارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في الاتجاه ذاته، مركزة على المرحلة المقبلة، ومعلنة تضامنها مع الشعب الفنزويلي ودعمها انتقالاً سلمياً وديمقراطياً يحترم القواعد الدولية. في ألمانيا، فضّل المستشار فريدريش ميرتس الحذر، معتبراً أن التقييم القانوني للتدخل الأميركي «معقّد ويتطلب دراسة متأنية». أما في فرنسا، فقد وصف الرئيس إيمانويل ماكرون نهاية «ديكتاتورية مادورو» بأنها تطور يبعث على الفرح، داعياً إلى انتقال سلمي وديمقراطي بقيادة مرشح المعارضة إدْمُوندو غونزاليس أوروتيا، من دون التطرق مباشرة إلى العملية العسكرية الأميركية، مع إبداء تضامن سياسي عبر الاتصال بماتشادو. وكان أوضح المواقف الأوروبية المنتقدة صدر عن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، الذي اعتبر أن اعتقال مادورو «ينتهك مبدأ عدم استخدام القوة» الذي يقوم عليه القانون الدولي، مؤكداً أن الحلول السياسية الدائمة لا يمكن فرضها من الخارج، وأن الشعوب وحدها من يقرر مصيرها. وحذّر من أن انتهاك هذا المبدأ من قبل دول كبرى ستكون له «عواقب خطيرة» على الأمن العالمي. في بريطانيا، لم يُبدِ رئيس الوزراء كير ستارمر أسفاً على رحيل مادورو، لكنه شدد على أهمية القانون الدولي، من دون الدخول في تفاصيل كيفية تطبيقه على الحالة الفنزويلية. وترى «الجارديان» أن المدافعين عن القانون الدولي باتوا يستندون إلى نظام عالمي آخذ في التلاشي، حيث تمثل فنزويلا حلقة جديدة في «مقبرة» تتكدس فيها سوابق انتهاك الشرعية الدولية. فخطوات ترامب، بحسب التحليل، تعكس ترسيخ نظام عالمي جديد تحكمه مصالح عارية لقوتين أو ثلاث قوى عظمى، في عالم تُحسم فيه الأزمات بمنطق أن «القوة هي الحق». وفي هذا السياق، زاد التوتر مع تهديد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن الدور قد يأتي على كوبا، واصفاً نظامها بأنه «كارثة» تُدار من «رجال عاجزين ومسنّين»، ومضيفاً: «لو كنت مكانهم لشعرت بالقلق». وفي الخلاصة، دعا محللون أنصار التعددية والمحاكم الدولية إلى مراجعة إخفاقاتهم. وقال نزار الفقيه، الزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي، إن التعددية فشلت في إنتاج مسار تفاوضي فعّال يفضي إلى انتقال سلمي ومنظم في فنزويلا، رغم سنوات من نداءات ملايين الفنزويليين. كما أشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية، ورغم فتحها تحقيقاً منذ عام 2021، لم تصدر أي لائحة اتهام حتى الآن، على الرغم من الكم الكبير من الأدلة المتعلقة بجرائم ضد الإنسانية.