إغلاق التصويت بانتخابات نقابة المهندسين بالإسماعيلية وانطلاق عمليات الفرز    تحرك جديد في أسعار الذهب بمنتصف تعاملات الجمعة 6 مارس    مجلس الوزراء يستعرض بالإنفوجراف أبرز أنشطة رئيس الحكومة هذا الأسبوع    تكريم حياة كريمة عضو التحالف الوطني بجائزة أثر في المسئولية المجتمعية    أردوغان: تركيا تتابع عن كثب تطورات الأوضاع في إيران    تحليل يكشف التكلفة اليومية للحرب الأمريكية على إيران    عمرو عويضة: حرب إيران تنذر بتداعيات خطيرة.. ونطالب الحكومة بالاستعداد لأسوأ السيناريوهات    نجم مانشستر يونايتد السابق ينتقل إلى الدوري البرازيلي في صفقة انتقال حر    في الجول يكشف سباب بكاء عماد السيد بعد استبداله أمام بتروجت    محاولات لتجهيز كين لمواجهة أتالانتا بدوري أبطال أوروبا    «تضامن الدقهلية» تتخذ إجراءات لدعم ومساعدة المصابين في انفجار مزرعة دواجن    3 قرارات جديدة بشأن مقتل طالب على يد آخر في مصر الجديدة    وزيرة التنمية المحلية توجه بتنفيذ حملة بسوق الجمعة لمكافحة الاتجار غير المشروع في الحياة البرية    شوف سباق الخير على أرض مصر عامل إزاي.. إمبابة Vs المطرية.. فيديو    على روح شهيد حريق الطوابق، صاحب أكبر مائدة إفطار بفيصل يكشف تفاصيل تنظيمها للعام السادس    اكتساح.. "اتنين غيرنا" بطولة دينا الشربيني يتصدر قائمة الأكثر مشاهدة في النصف الأول من رمضان    علي جمعة: عمل تماثيل للعبودية في الرسم حرام    حبس صديق المتهم بقتل طالب الأكاديمية العربية 4 أيام لمساعدته على الهروب    فليك قبل مواجهة أتلتيك بلباو: لن تكون مباراة سهلة    نيافة الأنبا تادرس يشهد جولة الإعادة الحاسمة لانتخابات نقابة مهندسي بورسعيد    هجوم إسرائيلي يستهدف مسؤولًا بمكتب المرشد في طهران ويشتعل قتال بحري بمضيق هرمز    بالصور.. روحانيات رمضان تلتقي بالفن والإبداع في فعاليات معرض فيصل للكتاب    رئيس وزراء إسبانيا: موقفنا واضح من حرب إيران فهي غير شرعية وخطأ كبير سندفع ثمنه    «الرعاية الصحية» توقع بروتوكول تعاون لتطوير خدمات علاج الأمراض المزمنة والأورام    وزير البترول: برنامج لتعظيم الاستفادة من موارد حقل ظهر بالتعاون مع شركاء الاستثمار    محافظ الفيوم يتفقد أحد المواقع المقترحة لنقل موقف سيارات العدوة وسيلا    التحالف الوطني للعمل الأهلي يكرّم الهيئة القبطية الإنجيلية ضمن "أثر الخير"    أول حلقتين من «نون النسوة» تتصدران الترند.. وإشادات بأداء مي كساب    محمد محمود والد أحمد داود في «بابا وماما جيران»    حملة بيطرية بدمياط تضبط لحومًا فاسدة وتؤكد حماية صحة المواطنين    الأنبا أرساني يشارك في حفل إفطار بالسفارة المصرية في لاهاي    مصاصات الشوكولاتة الملونة.. طرق بسيطة لعمل حلوى آمنة للأطفال في المنزل    أذكار المساء ليوم الجمعة.. كلمات مباركة يرددها المسلمون طلبًا للطمأنينة والبركة    وزير الطاقة القطري: الحرب ستجبر الخليج على وقف صادرات الطاقة    رومان سايس: وضعت يدي على رأسي عندما اختار دياز التسديد على طريقة بانينكا    من بدر إلى فتح مكة.. لماذا ارتبط شهر رمضان بأعظم الانتصارات في التاريخ الإسلامي؟    خسارة توتنهام الخامسة تواليا تنعكس على الجماهير في المدرجات    عمرو عثمان: التوسع في برامج الدمج المجتمعي والتمكين الاقتصادي للمتعافيات من الإدمان    ماكرون ردا على طفلة طالبت بوقف الحرب: فرنسا لا تشارك ولن تدخل القتال    فيديو استغاثة المنتزه يقود الأمن لضبط لص المواتير وديلر المخدرات    تأجيل «عمومية الصحفيين» لعدم اكتمال النصاب    من هم الصائمين الذين لا يُقبل صيامهم؟    الفيوم تحصد المركزين الأول والثاني في مسابقة حفظ القرآن الكريم    وزير دفاع أمريكا يوجه رسالة الى الإيرانيين.. ويؤكد: الانتفاضة قادمة    هيئة التأمين الصحى الشامل ترصد إقبالا متزايدا على المنافذ بالفترات المسائية    اسعار الفراخ البيضا والبلدى اليوم الجمعه 6مارس 2026 فى المنيا    الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»    شعبة الذهب تكشف أسباب انخفاض الأسعار    الصحة: اعتماد أول مستشفى تابع للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان من GAHAR    الأسبوع الثالث من رمضان.. الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس حتى الأربعاء    الرئيس السيسي يتوعد كل من يرفع الأسعار: محاكمة عسكرية بانتظاره    النقل تحذر المواطنين من اقتحام مزلقانات القطارات    لعزومة مشرفة، طريقة عمل كفتة الحاتي في خطوات بسيطة    مسلسل رأس الأفعى الحلقة 16.. مجلات الإخوان قديمًا تروج للمظلومية وتعيد إحياء فكر سيد قطب.. الجماعة الإرهابية تغتال المقدم محمود عبد الحميد.. ومحمد كمال يوجه بالإعلان عن حركة حسم.. ومحمود عزت يخطط لانفلات أمنى    ماهر همام: أفتقد روح الفانلة الحمراء داخل الأهلي    الفنانة الجزائرية مريم حليم تنفي زواجها.. ومحمد موسى يفاجئها بفستان العرس    ترامب ل ميسي: نحن نحتفل بالأبطال.. وتعادلتم مع أفضل نادٍ في مصر    عالم بالأوقاف: حروب المنطقة مفتعلة لاستنزاف الثروات وتكريس التبعية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عزاء الوجوه
نشر في أخبار الأدب يوم 14 - 03 - 2015

يتسلل ضوء خافت من باب غرفته الموارب، أشعة باهتة حيري تسعي إلي الظلمة الباردة التي تغمر الردهة.. خطوتُ أدفع الباب قليلاً وعينيّ علي أريكته المنخفضة، الغرفة أكثر برودة، لن أجده مسترخيا كعادته، يتأملهم علي الجدار المقابل.. يعرف عنهم الكثير، قصّ عليّ الكثير من هذا الكثير، وكيف تمكن من رسمهم بتلك البراعة في هذه البورتريهات (الوجوه) بسرعة أثناء الراحة بين فترتي العمل. تتجلي حميمية علاقته بهم عندما يخفض صوته هامساً بأسرار واراها الزمن معهم، تبدو نظراتهم مستنكرة خجلي من ذيوع السر.
جلستُ إلي حافة الأريكة، فراشُهُ لازال مطبوعاً برسمِه.. يحمل رائحته.. سأنام مكانه هنا بينهم الليلة، سيضطرب الفراش ومطبوعُهُ ليسَعْني.. أطل قلقُ غريب من أعينهم عندما تمددتُ علي الفراش أسفل البورتريه (الوجه) الذي رسمه لنفسه شاباً بينهم بأعيُن متوثبة بالحماسة وشعر طويل مهوش، أنهي مدرسة الفنون ليلتحق بالعمل بينهم في مهمة ترميم القصور الملكية.
يُحكِم عم عباس عُقدة صغيرة تضم رُكنيّ منديله الأصفر في منتصف جبهته السمراء، تتوسط العقدة أخاديد أكثر سمرة تفنن في شقها الزمن بمعونة أشعة شمس عفية. بدا وجهه لامعاً بحبيبات العرق، إمتص المنديل الأصفر منها، وسرحت بقيتها إلي رقبته المجعدة حيث يخفي باقي المنديل أذنه وتنمو أسفله شعيرات لحيته بيضاء وجانب من شاربه الكث ينسدل كثيرا من شعره مخفياً فماً فقد معظم أسنانه. تبرق عيناه بلون أزرق باهت.. في لمعانها حنكة المذهباتي الخبير (الأسطي) الذي أوكلت إليه مهمة إعادة الرونق والبهاء إلي جدران وأبهاء القصور الملكية ضمن فريق ترميم قصور أسرة محمد علي باشا. تمتلئ نظراته دهشة من هذا الشاب الصغير الذي ألحقوه بهم في آخر الزمان، يحمل أفكاراً جاء بها من مدرسة الفنون، لايترك هذا الأسمرمنكوش الشعر مناسبة إلا ويغافلهم برسم وجوههم بدقة تذهلهم..لايعرف عم عباس ما سر إنقياده لهذا الشاب (أسماه فرقع لوز) في إضراب عمال اليومية، فتعطلت أعمال ترميم قصر الجوهرة.
بدا وجه الباشمهندس عبده غاضباً، شررٌ يطق من عينيه الضيقتين.. فالإضراب سيؤثر علي الاحتفال الملكي بيوم الجلوس بعد عدة أشهر.. وسينسب هذا التقصير والتأخير إلي الباشمهندس. ويبدو أنه كان مرتكناً برأسه الضخم علي مرفقيه إلي مكتبه في الموقع، تضغط قبضتاه المتكورتان علي خديه الحمراوين غضباً من تقاعس العمال، وهذا الشاب الجديد ضئيل الحجم منكوش الشعر، التحق بهم من مدرسة الفنون، جذب العمال بأفكار جديدة غريبة تحولت إلي إضراب. يبدو العرق مبلاً ياقة القميص البني المفتوح للباشمهندس بلون طمي النيل، بينما يحملق زاجراً بعينيه العسليتين. ميّزت الريشة الحاذقة بين نعومة ملمس القميص البني وتهشير خشونة الطوب الأحمر القديم المتراص خلفه، فكلاهما بني اللون. وبمهارة يبدو علي جبهته خط من أثر قبعة يحمي بها رأسه ذو الشعر الأشهب الخفيف، ميزت الريشة الرهيفة نصف جبهة لا يتعرض للشمس الحارقة.
في الليالي الباردة، مع المشروبات الساخنة نجتمع حوله عليَ تلك الأريكة بعد انتهائنا من المذاكرة، نضج معه بالضحك عندما نصل إلي بورتريه "الشيخ أنيس"، يخبرنا بنشاط وحيَل أنيس الماكرة في تجييش جماهير لتأييد حزب الوفد في انتخابات برلمان ما بعد الحرب. وبانتهاء الانتخابات ارتدي عياله الكثيرون ملابس داخلية وجلابيب من أثواب تيل اللافتات، وعليها حروف ضخمة من أسماء ورموز ملونة للمرشحين، يصف لنا مقلداً كيف تبدو الحروف علي مؤخرات العيال عند الانحناء أو الجري، فتبدو مؤخرة برسم الفانوس وأخري بجزء من رسم مدفع. الحَوَل الواضح في العين اليسري لأنيس يزيد عينيه مكراً ودهاءً، تعلو حاجبيه عمامة إصفرّ شالها المحيط بطربوش قصير أحمر مكرمش، يتسلل شعره أسفلها مهوشاً أشهب يمتد ملتفاً حتي أذنه الكبيرة. ثقوب دقيقة تبدو في كتف الجبة كالحة الإحمرار، وأزرار كثيرة متزاحمة في طرف الصديري الأبيض الظاهر من فتحة صدر الجبة. يعمل أنيس معهم باليومية، يزيل طبقة الجدران القديمة ويغني بصوت أجش لتسلية العمال علي السقالات.. ينسل خلسة خارجاً إلي المقابر في سفح الهضبة خلف القصر عند ظهور عيل من عياله، هي إخبارية بوصول جنازة أحد الأثرياء، يهرول بجبته المعفرة بين أهل المتوفي وعمال المقبرة، يقرأ ربعاً او أكثر مما يحفظ. يعود فرحاً بالأعطية فيوزع أكواب العرقسوس علي المحيطين بينما يلهج لسانه بالدعاء للمتوفي إذا كان العطاء سخياً. ويا ويل المتوفي إذا كانت الأعطية قليلة حيث ينقلب أنيس إلي شيطان لعّان سليط اللسان يَدعي علي المتوفي وأهله بالجحيم المقيم. يتسلل عائداً ليبدل جبته بسرعة، يرفسها برجله إلي الركن ليلحق بالباشمهندس يستحلفه بالله ليسامحه عن الغياب المفاجئ، فالعيال الكثيرين ومصاريفهم تقصم الظهر.
لسنوات يسكن وجهي آخر صف الوجوه في الغرفة إلي جوار باب الشرفة المغلقة، رسمه بقلم الفحم لندرة الألوان أيامها، يبدو طرف دفاتر مذاكرتي في الثانوي داخل الإطار.. كان ظُهر يوم حار من أيام الامتحانات، شعري الكثيف وانحناءات عضلاتي بارزة، تبدو ضاغطة علي القميص بأزراره مفتوحة الصدر من أثر التدريبات الرياضية العنيفة، عاد يومها من العمل محبطاً وقد نالت النكسة من نفوس ومشاعر الناس، يجد في الرسم ملاذاً، ربتَ علي كتفي يشجعني ثم جلس علي حافة سريري بركن الحجرة يعبث بالكتب. لم أنتبه لدفتر أوراقه الكبير (إسكتش) معه، إلا حين التفتُ إليه فجأة.. كان قد هجره منذ زمن.. التقطَ في البورتريه هذه اللفتة ذات الابتسامة الخفيفة والشعر المنكوش..
بعد إرهاق طقوس الوداع اليوم، والطريق المزدحم باحتياطات الأمن في زمن القنابل.. تمددتُ أتأمل وجهَه في الإطار أعلي الأريكة.. هكذا رآه بدون مرآة أيام كان بينهم في القصور الملكية.. نظراته مصوبة للأمام، تبدو فيها الدهشة من هؤلاء الفنانين البسطاء الأصلاء.. جال خاطر اللقاء في رأسي، هو في طريقه للقاء الرفقة القديمة بعد هذه السنوات.. يتخاطرون بالأعين، أحسها تجول في المكان ترقبها عينيّ في الإطار ويصحبها صوت مألوف.. إنقطع الصوت فانتبهتُ، فتحتُ عينيّ، لم أكن علي يقين من يقظتي، لكنه صوت قدميه.. يزحّفهما علي الأرض بدون دقات عصاه عندما يحاول التسلل إلي الثلاجة في المطبخ، كالعادة يبحث عن قطعة حلوي خبأتها أمي عنه حسب تعليمات الطبيب.. إنتفضتُ جالساً أتلفت حولي، إمتصت نظراتهم الحانية فزعي.. تريثت أقاوم الاندفاع للقاء الصوت في الردهة..
واريناه التراب وسويناه، راح الرجل جالس القرفصاء يرتل بصوت غريب.. عمامته مهوشة وخطوط ملح عرق جاف تنتشر علي قبة جِبته كالِحة الإحمرار، يميل رأسه ليتأملنا من حين لآخر.. عينُه حولاء..هي عين أنيس.. رُحت أبحث عن باقي الوجوه في زحام الحضور في فناء المقبرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.