بعد "أحد عشر كلبا" يبدو إبراهيم وكأنه أكثر دقة في تحديد علاقته بالكتابة حيث يقول:"الشعر بالنسبة لي هو كولاج، لكن سؤال ما الشعر أو مفهوم الشعر أراه الآن باعتباره فخاً.. هناك تصورات ودلالات صارت مرتبطة بهذا المفهوم بمعني أنه صار حمولة ثقافية، أجد أن هناك شكلا معينا للشاعر، مثل الكلاسيكي مُحب العروض، وهناك أيضاً مفهوم آخر وهو شاعر القبيلة، الذي يكتب قصيدة عمودية يزود بها عن أغراض هذا الشعر، أو الشاعر المنشد، الذي يكتب الزجل ليحمس الناس ويقودهم في اتجاه هذه الحماسة، يرتبط هذا بالإيقاع، ويلعب دورا تعلو فيه قيمة الخطابة.. الشاعر هنا مفوه، يلعب أدوارا متعددة، كل هذه المفاهيم هي فخاخ مرفوضة من جانبي. الشاعر حسبما أراه هو مواطن يعبر عن هواجسه وأفكاره أنا هذا المواطن واخترت قصيدة النثر، هذا النوع الأدبي الهجين. نوع له أسلاف كثيرة.. قصيدة النثر التي أحبها هي شعر بلا معنيً اجتماعيا، لا توجد ظائف للقيام بها سواء الدفاع عن القومية أو الدين أو الحض علي مكارم الأخلاق كل ما أعرفه أن الشاعر ليس مندوب مبيعات".. بعد هذه المقدمة الطويلة نسبياً نبدأ حوارنا مع الشاعر إبراهيم السيد. لنبدأ حديثنا بالكلام عن التصدير ..لماذا أونجاريتي بالتحديد؟ أونجاريتي الشاعر الذي يمثل تناقضات عديدة ، يؤمن بالمستقبل وضد الحرب، الفوضوي الذي تماهي مع الفاشية، وهناك قرابة ما ووجه للشبه بين زمن أونجاريتي و أزمنتنا المضطربة، وهناك معلومة أخري أن أونجاريتي خريج معهد الدونبسكو بالإسكندرية و شارك في أعمال تخريبية بهدف تحرير جنود المدرعة بوتمكين. أونجاريتي شاعر كبير أحيانا استخدم الكليشيه الشهير " الشعر هو :"، و أكمل الشعر هو الإيمان بالمستقبل. هناك شخصيات مقيمة داخل الديوان أبرزها مثلاً الصديقة غريبة الأطوار.. في مساحات عديدة منه نتابع مسيرات هؤلاء الأشخاص، هل قصدت ذلك أن يكون هناك طابع سردي بشكل أكثر وضوحا؟ وفي ضوء ذلك من الممكن أن نتكلم عن طبيعة نظرتك للسرد داخل الكتابة لا أقصد الحكاية أو الحكايات إنما السرد ..هل يمكن أن تتكلم عن ذلك . للقصيدة كعضو بشري كامل التعقيد، هذا العضو الجديد مكون من قصاصات صحف و ملايين الصور التي نستهلكها يوميا و كلمات متقاطعة وصلصال . كما توجد عظام صلبة مثل اللغة التقريرية القادمة من كتالوجات التشغيل و ماركات و أعلام و عناوين مختلفة المصادر. من ناحية أخري لدي طموح شخصي قديم أن أصنع أفلاما منعدمة التكلفة و لاتحمل تصنيفا، مازلت أحلم بأن أكون منتجاً للفيديو.. هذه هي طريقة التعبير الأنسب بالنسبة لي. أن أنقل العالم بدون دراما.. من الممكن أن يكون هذا ظاهرا في الكتابة، هناك مشهدية، أتمني أن أحولها لفيديو، أو علي الأقل تحويل أجزاء من هذه القصائد إلي مشاهد مصورة، منعدمة التكاليف، ضد فكرة الدراما. أما عن السرد ورؤيتي له في هذا الديوان فهو يعبر عن مشهدية ما، يوجد بها أشخاص آخرون سواء الصديقة أو الأم أو الأصدقاء، و هناك قصائد أخري أزعم أنها مهمة كشعيرات دموية رفيعة وهشة. ماذا لو تكلمنا عن علاقة هذه الكتابة بالعالم أو موقعك كشاعر.. أحيانا تبدو كمتفرج، وفي أحيان أخري يتغير موقعك ..ما تعليقك؟ اختلاف المواقع من العالم داخل الكتاب لم يكن مقصودا بدأت الكتاب بالرغبة في تسجيل يوميات تحت عنوان فرعي هو "روزنامة" ومع الوقت تبدلت المواقع و الأفكار و ظهر "أحد عشر كلبا" بصورته الحالية. كنت قد قلت في حوار سابق سنة 2007 ببساطة أن جيلنا ليس مسموحا له سوي بالفرجة و أغلب القصائد قبل 25 يناير تحمل هذا الاحساس بالفرجة أو العدمية. وعبر القصائد الأحدث و بعد 3 سنوات من الخبرة الشخصية بالثورة أصبحت مشاركا و لو لفترة قصيرة في صنع الواقع و هدم الأسوار. كتّاب التسعينيات هم الأقرب لذائقتي، كتابة التسعينيات اهتمت بالبحث و التعبير عن الموضوعات التي أحب أن أكتب فيها، هذه الكتابة لها روافد كبيرة ومتعددة ومتنوعة جف منها من جف، لكن الشعر الآن، وأقصد مشهد كتابة الشعر، أكثر تنوعا و ثراءً.. أنت تقرأ الآن عبر الانترنت لصلاح فائق و ياسر عبد اللطيف وايمان مرسال وأحمد يماني ووديع سعادة ، محمد خيرو مروة أبو ضيف و ملكة بدر وآية نبيه ومينا ناجي وشعراء آخرين بالتأكيد. الكتابة أصبحت أكثر فردانية و تواصلا في الوقت نفسه. هناك محاولة لأن تكون دقيقاً حيث تحدد الزمن في بعض القصائد، وكذلك الوصف هنا أكثر دقة مقارنة بقصائد سابقة لك، تهتم بطرح رؤيتك أنت للمشهد بالتفصيل.. كيف تفسر هذه الدقة؟ هل يمكن القول أنها كتابة تعرف من هو القارئ؟ اهتمامي الدائم هو بسؤال الزمن وغالبا أتحرر من تاريخ القصيدة و زمنها مع مراجعة المسودات . أغلب نصوص هذا الكتاب نشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي و مجلات افتراضية وورقية أخري و عبر المدونة الشخصية، و كانت متاحة للنقاش و التعديل و الإضافة و كتابة نصوص علي نصوص و قصائد مشتركة مع أصدقاء، نشرت من هذه الألعاب قصيدة مشتركة مع آية نبيه و نشرت هنا في "أخبار الأدب" وقراءات متعددة مع أصدقاء شعراء في أماكن مختلفة في الفترة من 2007 إلي 2013، والفضل يعود للعالم الافتراضي أنت تتلقي ردود الأفعال بشكل آني ما يجعل الجمهور هنا هو شريك و ليس مجرد متلقي . فكرة أن تقلل هذه الاشارات المعرفية المحدودة من حجم القراءة ربما تكون واردة في أنواع أخري غير الشعر، فما أكتبه موجه دائما إلي أصدقاء و ليس زبائن، وغالبية من أعرفهم من أطباء أو مهندسين.. أقصد أن من يحب القراءة منهم لا يقرأ الشعر أو يفضل أنواعاً أخري من الشعر، نزار قباني و محمود درويش و أحمد بخيت مثلا ولا أتحدث عن شعر العامية هنا فلا مجال للمقارنة. لنتكلم عن الفاشية.. تحديدا المقارنة التي صنعتها في واحدة من قصائدك بين 2012 والخمسينيات ! كتبت القصيدة عام 2012 فقط هذا هو التشابه. كيف يمكن تلخيص مشهد كامل يخص عام 2012 بداية من المجلس العسكري و الانتخابات الرئاسية وفوز مرسي وكل هذا الصخب كان مقدمة لما نشاهده الآن الجيش والقومية والوطنية والأمن القومي و الأمن الداخلي و الطابور الخامس والعملاء ومؤامرات التجسس الكبري والحديث عن الشفرات والدمي و المخططات الدولية و صفقات سلاح روسية.. كل هذا الضجيج ما يحدث أن الفاشية تحكم المدينة ببساطة. قراءة ديوانك الجديد تكشف عن وجود تعامل خاص مع علاقة الكتابة بالثورة، هناك سرد خاص لهذه الأحداث وما تلاها.. كيف تعاملت مع هذا الاختبار الصعب؟ الديوان من الممكن تقسيمه إلي ثلاثة أقسام. القسم الثاني، أي منتصف الديوان، يتناول كيفية التعامل مع الثورة كإعصار يجب الهرب منه.. هي قصائد لم تكتب عن الثورة، ولكن الشاعر هنا يكتب كأنه يتفاعل مع الشارع ..أنت فاعل في هذا الحدث جسديا، لم تعد متفرجاً إنما تصنع الأحداث فيه، وأنت غير مشغول بالتنظير عنه أو تحليل ما يجري فيه أو التقاط دور الشاعر بوصفه المنشد أو صانع الحراك الثوري أو صياغة شعاراته.. ما حدث أنك شاركت في الثورة كفرد وسط أفراد، كنا نطالب بحقوقنا كمواطنيين في دولة مصحوبة بشعارات الثورة الأساسية، التعامل مع هذا الحدث كان باعتبارك مواطنا، الثورة موجودة، حيث المفردات وأجواء التوتر والاشتباكات .. الإشارة إلي قنابل الغاز مثلاً أو الحرب الأهلية أو حتي المولوتوف.. حاولت أن أكتب هذا، ما يعبر عني، لست جزءاً من الثورة، أو جزءاً من تجمع أكبر مني، بل كتبت عما يخصني، عما حدث ليّ عما هو شخصي فقط. أصبحت أكثر جرأة في استخدام أي لفظ والاشتباك مع السياسة لأن الفن لا يتعارض مع مرورنا بهذه الأحداث، ومن حقنا الحديث عنها، من الممكن أن أقول أن التجربة الجديدة أكثر جرأة حتي في مسألة اختيار العنوان أو تصميم الغلاف كذلك. الديوان يعكس مدة كتابته علي ما أظن.. تأثير الزمن واضح، هل تعمدت وضع القصائد وفقاً للتسلسل الزمني لكتابتها؟ هناك شكل أكثر بدائية من قصيدة النثر، بالنسبة لي، كأنها بداية النمو.. خاصة أن الديوان يأخذ شكل الشجرة القسم الأول منه قصائده تبدو مختلطة، هي ليس صافية.. هناك ما هو رومانتيكي يتمحور حول الذات بشكل كامل وكأن العالم ليس موجوداً، مع تنوع الروافد، استعادة لزمن التسعينيات، ليس التسعينيات ككتابة أو زمن فني، وإنما تصوراتي الخاصة عن هذه الفترة، وكيف كان تصوري عن الشعر في فترة كتابته من 2007 حتي 2010. القسم الأخير كأنه الخروج من إعصار لأوضح ربما لم أكتب قصائد عن الثورة، لكنني أحتفظ بحقي كاملا في الكلام والحديث عن لحظة 25 يناير ولا اصدق أنه يجب انتظار وقت للكتابة عن الأحداث لا توجد أي وصفة جاهزة لكل واحد من الملايين التي شاركت في الثورة . كل ما في الأمر أنني أريد مزيدا من الوقت قبل الذهاب الي هناك . كما كتبت في الديوان . لنعود لمن نتابع مسيرة حياتهن بالديوان.. النماذج أو الشخصيات الأنثوية، حيث تظهر الفتيات / الصديقات في أدوار تتنوع بين الهوس بالبورنو مثلا أو الجسد الميت البارد، رغم ذلك لا يمكن إنكار وجود وعي عميق بأهمية هذا الحضور سواء للأنثي أو للبورنو.. هل تتفق معي؟ تربيت في كنف نساء، والهوس بالبورنو لا يعني أكثر من كونه هوسا بالأشياء كالهوس بأفلام أو موسيقي أو كتب معينة،لا مجال لأحكام القيمة أو الأخلاق هنا. هذه الصور جزء من حياتك مثل أغنية تسمعها كل يوم لمدة شهور متواصلة مع الوقت يصبح ذلك ما تظنه أنه الحياة. البورنو هنا هو اشارة لخواء الحياة الحديثة بالكامل . لا يوجد جنس يوجد فقط هوس بالجنس . و المرأة طوال الوقت شريك كامل في الجريمة. سبع سنوات مدة كبيرة نسبياً بين الكتاب الأول والثاني.. بالتأكيد تغيرت نظرتك للعديد من المفاهيم، بل وللشعر أيضاً، ومعاركه كذلك والجدل المصاحب للثقافة عموماً؟ وكيف تري تأثير الثورة علي الثقافة؟ لا أقدم الكتاب بوصفه شعرا. لايوجد تصنيف علي الغلاف. كتاب يحتوي علي نصوص فقط، ربما تكون أقرب لقصيدة النثر، لا أريد خوض معركة حول جنس هذه النصوص . المعارك الخاسرة يجب تجنبها، وبالفعل لا أستطيع القول أن النقاش حول المسودات يعني مرونة أو قبول انتقادات أو آراء مشجعة في الاتجاه الخاطئ، في النهاية أكتب ما أعتقد أنه الأكثر دقة و القرار النهائي في استبعاد نصوص أو تعديل أخري يكون مقرونا بهذا الحدس البدائي للشاعر. خلال السنوات القليلة الفائتة أصبحت أكثر تسامحا، لا أهتم أن ما ينشر تحت لافتة شعر العامية هو مجرد نسخ مقلدة بالكامل لأن هناك شعراء كثيرين جيدين محمد خير أو محمود عزت أو أحمد العايدي و حسين الحاج و مصطفي إبراهيم وآخرين. الأمور نسبية دائما علي الأقل لست طرفا في معارك تخص مومياوات الشعر المصري المعاصر،هناك عدد قليل من الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر و لا يهتمون كثيرا بالجوائز والصراعات حول مقاعد وهمية داخل المؤسسة أو في معارضتها . بعد سنوات الثورة الثلاث الأولي أظن أن ما نحتاجه هو التفكير في حلول و بدائل .. العمل الجماعي هو طريقنا في إحياء لحظة الثورة و استعادتها و السخرية منها و سبها و اعادة انتاجها ثانية . خلال الشهر القادم أشارك في أمسية شعرية مع الشاعرة صفاء فتحي و الشاعر هرمس : محمد مجدي، وهناك أفكار أخري بهدف انشاء تعاونيات ثقافية تخص الكتابة والصور، وأشير لتجربة "مصرين" في انتاج مادة مصورة غير خاضعة لضغوط ، أو مشروع " قل " وموقع الكتابة و غيرها . وماذا عن "أخوية الفودو"، هل ستتولد عن هذه التجربة مطبوعة ثقافية بالفعل؟ الفكرة بدأت ديسمبر 2012، هي مجرد صفحة علي موقع فيسبوك مع الأصدقاء. كانت مجرد لعبة مع الروائي و القاص محروس أحمد و مؤسس راديو جرامافون أحمد كمال بهدف صنع موقع أو صفحة ثقافية حقيقية، لكنها ليست جادة في الوقت ذاته و بعد مرور سنة انتشرت شائعات كثيرة ربطت بين نشاطنا بهذه الأخوية والسحر الأسود وديانة الفودو و مخدر الفودو وشائعات أخري كثيرة، لكن ما هو حقيقي أننا نفكر في التأسيس لصيغة تعاونية لنشر مطبوعة ثقافية تعني بالفنون و نقصد الفنون القابلة للطبع من كتابة و رسوم .. هناك موافقة مبدئية من دار ميريت لاصدار عدد تجريبي هو العدد" 00:00 اللاشيء حتمية تاريخية" بتعاون مشترك بين الدار ومطبوعات أخوية الفودو، سيكون موقعاً ثقافيا، وما زلنا نستقبل النصوص. البعض ينشر لأول مرة و هناك كتّاب كبار أسعدتنا مشاركتهم في اللعبة.. وما يميزنا هو افتقادنا للجدية.