جمال المراغي ، د. محمد سليم شوشة ، د. زينب العسال ، حسن الجوخ أقام نادي القصة، مساء الاثنين الماضي، ندوة أدبية لمناقشة المجموعة القصصية »صورة ضاحكة وسطر كلام» للأديب الراحل سيد خليل المراغي، بحضور عدد من النقاد، جنبًا إلي جنب مع أسرة الراحل، زوجته وأبنائه الثلاثة. أدار الندوة الكاتب حسن الجوخ، الذي بدأ حديثه مرحباً بالحضور، مردفاً بأن المراغي فارق دنيانا لكن ما قدمه من إبداع لم يمت، فالمبدع لا يموت أبداً ولا يمكن أن تحاصره الوفاة، وإنما الإبداع والمبدع حيوية مستمرة في كينونة هذا المجتمع المصري، مقدما الشكر له لما قدمه من إثراء للحياة الأدبية. ليعقب: هذا الحضور، في الحقيقة، ينبئ عن اهتمام خاص بهذه المجموعة وعن اهتمام خاص بهذا الرجل الذي ربما ظُلِم أحيانا، لكنه أصر علي أن يكون له اسم محترم علي الساحة الأدبية. بدوره قال الناقد الدكتور محمد سليم شوشة إن الاحتفاء بهذه المجموعة القصصية المهمة والثرية يأتي في ظل ما قدمه سيد المراغي، ليستطرد موضحًا أنها تضم 25 قصة قصيرة لكنها في غالبيتها تمتد ليبدو بعضها أقرب إلي النوفيلا، فعلي سبيل المثال »شيطان البوح» من القصص الممتدة وأيضاً »سيرة إبراهيم زنجر» من القصص الطويلة نسبياً، لكن بعيدًا عن مسألة الطول والقصر فإذا دخلنا إلي مسألة الخطاب القصصي نجد بها أهم سمة، وهي المفارقة التي جاءت سمة جوهرية لتأكيد الخصوصية الأدبية وخصوصية الرؤية عند الكاتب، فالكاتب الذي لديه القدرة علي ملاحظة المفارقة أو إنشائها والتعامل معها وإنتاجها أدبيًا هو كاتب يمتلك رؤية خاصةً تجاه الحياة التي يكتب عنها. يستطرد شوشة: كل القصص في ظني بها هذه المفارقات، ولعل الطريقة التي يكتمل بها المفارقات هي ما تؤكد القيمة الأدبية، مثل المفارقة التي لا بد أن تكون من جزءين، بمعني أن نخضع قيمة في مقابل قيمة مناقضة أو متنافرة، أو حدث في مقابل حدث متنافر أو متناقض معه، هاتان الوحدتان اللتان تتكون منهما المفارقة في خطاب سيد المراغي القصصي لهما كيفية خاصة، لأن الجزء الثاني دائمًا ما يكون في خاتمة القصة أو نهايتها، فهذا الأمر يحفز علي العودة مرة أخري لاستيعاد بقية النص وإعادة قراءته، أي أن نهاية كل قصة تحفز علي العودة لقراءتها من جديد ليحاول القارئ رؤية الجزء الأول في ضوء الجزء الثاني. وأشاد الناقد بما أورده الكاتب من رؤية متفردة، بقوله: أظن أنه حاول عدم الوقوع في أي جزء من افتعال المفارقة نظرا لما يتمتع به من الرؤية، فهو يمتلك رؤية حيال الحياة ولا يفتعل أو يصنع المفارقة، كما أجاد بشكل كبير جداً في تتبع التفاصيل ونسج قصص تعتمد علي الدرامية والمشهدية وصاخبة بالحركة والحيوية، وهذه السمة في ظني تسيطر إجمالا علي هذه القصص وبنيتها، فهي ليست سداً عشوائياً أو مجرد بوح ولكن هناك طموحا لأن يكون هناك بنية خاصة والسمة الأخري في هذه المفارقة أنها مفارقة نفسية ذات طابع إنساني، فالتحول الشعوري يجعلها مفارقة نابضة، لا مجرد رسم بالورقة والقلم، أما التفاصيل الصغيرة من هذه المفارقة فتصنع بنية أساسية خاصة وفِي منتهي الجمال والتشويق. مضيفاً: يمكن وصف قصص سيد المراغي بأنها دائما تحاول مزج الجمال الأدبي مع ما يبدو للجمهور أنه شيء. عادي، إيمانا بقدرة الأدب علي إنتاج الجمال مما يبدو اجتماعيًا وعاديًا قد يمر مرور الكرام، فهو يستطيع أن يمزج العام بالخاص بشكل بسيط وسلس وعفوي إلي حد بعيد، والكيفية التي تنتهي بها المفارقة هي التي تبدو في منتهي الخصوصية فهي مقتصرة علي رؤية المراغي، وهناك أيضا تعدد واضح ودائم للاحتمالات في قصصه، وتنوع في الأنماط والشخصيات، فهناك الإنسان المثقف والشخص الريفي والمرأة بمختلف مستوياتها وثقافتها والتفاوت بين الطبقات، هذا إن دل علي شيء فإنه يدل علي مدي البراعة والاكتمال، كما نجد مثلا أن الجانب الجسدي ليس لإكمال الشخصية فقط ولكنه أمر يجعلها نابضة. أما الدكتورة زينب العسال، فقد استهلت حديثها بالمثل الشعبي القائل »اللي خلف ما ماتش»، قائلة: رغم أن سيد المراغي كان مقلًّا في الجلسات الأدبية ولم تكن له »شِلة»، لكنه ترك لنا ما نحب وترك لنا مجموعات قصصية وروايات سوف تصدر قريبا، وأصدقاء أعزاء وأبناء نحبهم، وهم أولاده الثلاثة المبدعون في مجالاتهم، فكان الأديب الراحل يقول دائمًا عنهم »هؤلاء هم المشروع الإبداعي لي» فنستطيع القول إنه قدّم لنا مشروعًا حقيقيًا نشكره عليه، المراغي هو ابن الريف وابن صعيد مصر والإنسان الذي كافح لكي تكون له بصمة علي هذه الأرض، وقد سعدت بالتقنيات التي استخدمها في قصص هذه المجموعة، التي وجدت بها كل ما هو مخالف؛ بدايةً من القصة الأولي »كبوة الفارس»، حيث تصورت أن هذه القصة حقيقية بالفعل، وشعرت بصدق أنها قد تكون وقعت في وقت ما، فالبطل لا يهمه هذا، لكن واقعيتها جاءت بالنهاية التي تشعرك بالألم والحزن، مُعلقةً: »يجب أن نعرف كيف يحفظ الإنسان إنسانيته». لتضيف: الفنان هو ابن البيئة وسيد المراغي كان يقدم لنا التراث الشعبي والحكايات الشعبية مثل »سعد وعزيزة والحب»، هناك مفارقة حتي بالعنوان، إلي جانب التفاعل بين الإبداع الشفاهي وبين هذه الصورة التي تنتمي إلي فن من الفنون التشكيلية، فرغم ما في هذه الصورة من معاناة ومواقف إنسانية ولكننا لا نشعر بهذا الحزن، هذه المواقف استمدها من الحياة لكي يقدمها لنا، وأظن أن هذه المجموعة ستعيش ولم تنته بانتهاء لحظة. انتقالًا إلي جمال المراغي، نجل الأديب الراحل، فقد استطرد قائلا إن والده كان يكتب في أي وقت ولا يحتاج أن ينفصل عن العالم، مثلما اعتاد الكثير من المبدعين وذكروا ذلك في سيرهم الذاتية بأن لهم طقوسا خاصة في الكتابة. كما كان محبًا للحكي خاصةً عن الذكريات والأماكن التي ذهب لها سواء خارج أو داخل مصر، وكان يكتب وهو يحكي وأثناء سفره، ليعلق: »والدي لم ينقِّح يوما قصة، فالقصص تُنشَر كما يكتبها».