لجنة انتخابات حزب الوفد تتلقى الطعون من المرشحين.. غدًا    النائب أحمد جبيلي: القضايا العامة في مقدمة أولويات البرلمان    الإسكان تطرح أراضي استثمارية مميزة بالعلمين الجديدة والسادات بنظام البيع    المشاط: تطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    قادة الاتحاد الأوروبي يتعهدون خلال زيارة لدمشق بدعم تعافي سوريا بعد الحرب    الحرس الثوري: سنقف إلى جانب الشعب الإيراني حتى ضمان أمن المواطنين    وزير الخارجية يشدد على رفض أي ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية أو تقسيم قطاع غزة    آرسنال يتوصل لاتفاق لتجديد عقد طويل الأمد ل ساكا    مباراة السنغال ومالي تشتعل في ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    حصاد الوزارات.. رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح    وفاة ابنة الفنان أحمد عبد الحميد    إيرادات الخميس.. إن غاب القط يواصل صدارة شباك التذاكر وجوازة ولا جنازة يتراجع للمركز الثالث    تداول صورة لفضل شاكر أمام المحكمة العسكرية اللبنانية في جلسة سرية    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    مدرب الجزائر: جاهزون ذهنيًا لمواجهة نيجيريا ونواجه صعوبات    ارتفاع مفاجئ في أسعار الذهب| عيار 21 يلامس 6000 جنيه بمنتصف التعاملات    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    بُناة مصر الرقمية.. منحة تدريبية مجانية لتأهيل الخريجين لسوق العمل التكنولوجي    رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح فى علاج المرضى الأجانب    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    الأمن يفحص فيديو استغاثة لسيدة تزعم تعرضها هي وبناتها للاعتداء من والدهن في قنا    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    رانيا المشاط: تطبيق دليل "خطة التنمية المستجيبة للنوع" لتمكين ذوي الهمم    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخروج إلي النهار
المنشقون عن الإخوان يتطهرون بكتابة ذكرياتهم عن التنظيم
نشر في أخبار الأدب يوم 02 - 06 - 2012


لم تكن ثورة 25 يناير، إيذانا بخروج الشعب
المصري علي الحكم الشمولي، والسلطة الأبوية
القمعية للنظام السابق فقط، بل كانت أيضا إيذانا
لخروج قواعد، وقيادات إحدي أكبر وأقدم الجماعات
السياسية في مصر، جماعة الإخوان المسلمين، علي سلطتها
الأبوية، والقمعية أيضا، وتفتح الباب واسعا لخروج شبه جماعي،
من شباب عرف طريقه في ميدان التحرير إلي مغزي الاختلاف السياسي،
وقيادات أدركت أن الطريق أصبح مفتوحا أمامها لتصنع مشاريعها الخاصة،
بعد أن فشلت في حصد مكاسب تليق بما قدمته للجماعة.
يمكن إذن القول إن الثورة علي النظام السابق في الدولة المصرية، تزامنت معها ثورة أخري، علي النظام القديم في جماعة الإخوان المسلمين، التي تمتد أصابعها في 82 دولة حول العالم، وضد سيطرة التيار القطبي، المتشدد علي الأمور في مكتب الإرشاد، ضد التيار الإصلاحي الذي كان يقوده نائب المرشد السابق الدكتور محمد حبيب، الذي أطيح به من المنصب الذي كان قاب قوسين أو أدني منه، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، أحد المشاركين في التأسيس الثاني للجماعة في السبعينيات، والذي وجد أن مشروعه الخاص قد يستطيع أن يستوعب أحلامه التي ضاقت بها أفكار سيد قطب التي تحيط بعقول مكتب إرشاد الجماعة العتيقة.
لم يكن الخروج خروج القيادات الإصلاحية التي يئست من الإصلاح في الجماعة فقط، بل كان خروجا لجزء مهم ومؤثر من قواعد الجماعة وشبابها، وجدوا أن الجماعة لا تتواصل معهم، ولا تستمع إليهم، كما وجدوا أن لديهم عقولاً تفكر، ولا تستجيب "للسمع والطاعة"، بشكل آلي، وربما يكون هذا هو ما يجمع كل من خرجوا، ومن الممكن القول إن إرهاصات هذا الخروج الشبابي، تجلت مع ظهور الفضاء التدويني قبل سبع سنوات، وانتشاره في مصر، ولجوء شباب الجماعة إلي نشر أفكارهم في مدونات تخصهم، يصطدمون فيها بالبيعة، ويختلفون فيها مع "السمع والطاعة"، لكن التحول الأعظم لدي هؤلاء الشباب، الذين خلقوا صوتا إليكترونيا لهم، يثير القلق داخل أجهزة الأمن، وداخل مكتب الإرشاد أيضا، كان في ميدان التحرير، في ال 18 يوما المجيدة، حينما اكتشفوا أن هناك أصواتا أخري تستحق أن تسمع، وأن اليساريين ليسوا كفارا، وأن الناصريين لن يعذبوهم كما فعل عبد الناصر، وأن النقاش طريق طويل، لكنه ينتهي بالاقتناع، لا بالإذعان.
ما أريد قوله إن الثورة التي تفجرت داخل الجماعة، مرت بنفس المراحل التي مرت بها الثورة في مصر، منذ الالتفاف حول فضاء إليكتروني، وتلاقي الأصوات المعارضة التي تلتقي علي معني واحد، انتهاء بالميدان، الذي كما خرجت منه عشرات الائتلافات، والتيارات السياسية، خرجت منه أيضا حركات إخوانية مناوئة، وأحزاب خلعت زي الإخوان، وارتدت زي الإسلام الوسطي.
شباب الإخوان الخارجون، اختاروا أن يؤسسوا حزبا باسم "التيار المصري"، ضم عددا من شباب الثورة ذوي الميول الإسلامية، وبعض الخارجين عن طوع الجماعة، مثل معاذ عبد الكريم وأسماء محفوظ وعبد الرحمن فارس وإسلام لطفي، وقيادات الجماعة اختارت أن تؤسس حزبا باسم "حزب النهضة"، انضم إليه الدكتور محمد حبيب، والمهندس إبراهيم الزعفراني، فيما التف حزب الوسط، أول الأحزاب المنشقة عن الجماعة، قبل 17 عاما، وأول الأحزاب المشهرة بعد الثورة، أن يلتف حول تجربة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في الترشح للرئاسة.
من المهم هنا الإشارة إلي أن عددا كبيرا من الرافضين للجماعة، وطريقتها الأبوية القمعية، مازالوا مستمرين داخلها، وسط تهديدات بفصلهم، ولعل التاريخ القريب يذكر لنا تلك الوقفة التي نظمتها جماعة "صيحة إخوانية"، بقيادة محمد عبد الهادي، زوج ابنة خيرت الشاطر، ضد ترشح "حماه"، لرئاسة الجمهورية، قبل استبعاده، من اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة، لكن ما كشف الأزمة التي تعيشها الجماعة مع قواعدها كان قرار الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عندما قرر قبل عام الترشح للرئاسة، بالمخالفة لقرار الجماعة، ورغبة عدد كبير من شباب الجماعة في دعمه، وتهديدهم بالفصل من مكتب الإرشاد، وهو الأمر الذي كان أحد أسباب دفع الجماعة بمرشح منها.
لكن الأمر لا يمكن تبسيطه بهذا الشكل المخل، فأحد أسباب خروج عبد المنعم أبو الفتوح من الجماعة، هو صراع الإصلاحي والرأسمالي علي مستقبل الجماعة وعلي قراراتها، وأقصد بهما، أبو الفتوح كإصلاحي، والشاطر كرجل أعمال، يستطيع أن يدير مكتب الإرشاد، ويحركه، بل ويتدخل لاختيار 30 في المائة من مجلس شوري الجماعة يصوتون لصالح قراراته، مستغلا في ذلك نفوذه المالي الكبير، وميله إلي الجناح القطبي، الذي عاد أواخر الثمانينات، بعد رحيل مرشد الجماعة عمر التلمساني، ليسيطر علي الجماعة.
الملاحظة الأساسية، التي يمكن اكتشافها في الخارجين من الجماعة عقب الثورة، سواء كانوا من القيادات أو من الشباب، هو لجوؤهم إلي كتابة مذكراتهم، التي يرون فيها تجاربهم المريرة مع الجماعة، ويفتحون صندوقهم الأسود للقارئ ليعرف ما يدور في دهاليز الجماعة التي تخفيها منذ 84 عاما.
لم يكن موضوع كتابة المذكرات، وفضح ما يدور في كواليس التنظيم معروفا قبل الثورة، وربما يمكن عد الكتب التي فعلت ذلك علي أصابع اليد، وإن جاء بعضها انتقاميا، مثل كتاب المحامي الإخواني السابق، ثروت الخرباوي، والذي حمل اسم "من قلب الإخوان محاكم تفتيش الجماعة"، والذي نشره قبل الثورة بأشهر قليلة وتحدث فيه عن أن جماعة الإخوان تحولت إلي مُحطم للشباب، وتكبلهم بالإداريات التي تشل حركتهم وتقتل الإبداع داخلهم، وأصبح التنظيم بسبب قيوده سجنا لأعضائه، وصار جمهور السلفيين أكبر من جمهور الإخوان ثلاثة أضعاف، وأن الجماعة تحولت إلي كيان طارد، وانتهت إلي معهد كهنوتي يسيطر عليه القطبيون الذين تسببوا في قلب الجماعة الدعوية التي أسسها حسن البنا إلي جماعة أخري لا يعرفها أحد غير القائمين علي مقاليد الأمور فيها.
كتاب الخرباوي الذي يروي فيه تجربته الشخصية مع الجماعة، يشن هجوما كاسحا علي الجماعة، وعلي قادتها، لكن الملاحظة الأساسية في هذا الكتاب، وفي الكتب التي صدرت بعد الثورة لخوارج الجماعة، أو حتي في تصريحاتهم الصحفية عن أسباب الانشقاق أن الخلاف في كل هذا هو خلاف إداري مع قادة الجماعة، ومكتب إرشادها، وليس خلافا فكريا، بمعني أن كل الخارجين لا يزالون يدينون بالولاء لأفكار الشيخ حسن البنا، ويقدسونها، ويرون أن المشكلة أن الجماعة لم تحسن تطبيقها، وأنها خرجت عن الطريق، ولعل هذا يكشف السبب الذي دفع عددا من خوارج الجماعة أخيرا، إلي تأسيس جمعية باسم "جماعة الإخوان"، تستعيد أفكار البنا وتطبقها مرة أخري.
أبرز الكتب الاعترافية التي صدرت، هو كتاب "ذكريات محمد حبيب عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر"، والذي صدر أخيرا عن دار الشروق، وإن كان يبدو فيه أنه يبكي علي الأطلال، وعلي الدعوة التي سلبت، وأيضا كتاب "عبد المنعم أبو الفتوح شاهد علي تاريخ الحركة الإسلامية في مصر"، والذي حرره الباحث الراحل حسام تمام، وقدم له الدكتور طارق البشري، وصدر عن نفس الدار، والكتاب وإن كان لا يوضح فيه اصطدام أبو الفتوح بمكتب الإرشاد الحالي، لأنه ينتهي زمنيا في التسعينيات، إلا أنه يوضح دوره الإصلاحي، في بناء الجماعة قبل اغتيال السادات، وبعد حادث المنصة.
الشباب يبدون أصحاب الحظ الأوفر في النقد والصراحة، وهو ما فعله الكاتب الشاب أسامة درة، عندما أصدر كتابيه "من الإخوان إلي التحرير"، ثم "من داخل الإخوان أتحدث"، وقدم نقدا لتجربة تعامل الجماعة مع قواعدها، وهو أيضا يشبه العتاب الخفيف الذي قدمه أحمد العجوز في كتابه "إخواني أوت أوف ذا بوكس".
لكن من التجارب المهم ذكرها هنا، كتاب "حكايتي مع الإخوان"، للروائية انتصار عبد المنعم والذي صدر أخيرا عن هيئة الكتاب، والذي تقدم فيه تجربتها مع الجماعة منذ تجنيدها، حتي تركها، رغم ما تعرضت له من تخوين وتكفير، ومن المهم هنا أن نذكر ما قاله أحد أعضاء مكتب الإرشاد تعليقا علي خروج بعض أعضائها "الجماعة تطرد خبثها"، وهو ما يكشف إلي حد كبير كيف يتعامل التنظيم مع الخارجين، أو المارقين، وما يفسر أيضا سر المرارة التي يشعر بها، من قرروا الخروج إلي النهار.
شهدت الجماعة علي مر تاريخها خروج الكثيرين بداية من عبد الرحمن السندي، صديق البنا والذي أسس التنظيم الخاص، مرورا بأحمد السكري، وجماعة شباب محمد، وانتهاء بأبو العلا ماضي، وعصام سلطان وأبو الفتوح وهيثم أبو خليل وعبد الجليل الشرنوبي وحبيب، لكن تبدو الإشكالية الأكبر أن الجماعة بعد أن خرجت من طور العمل السري إلي طور العمل العام، أصبحت كتابا يجب أن يكون مفتوحا أمام الجميع، وتأسيسها لحزب حمل اسم الحرية والعدالة، يستوجب عليها أن تتخلص من الفكر التنظيمي الحركي للجماعة، وأن تدخل في التنظيم السياسي، وهو ربما ما لن يحدث، لأن الجماعة لم تزل تحلم ب "أستاذية العالم"، كما تخيلها حسن البنا.
بعض كتاب الخارجين من الإخوان تأتي علي سبيل التطهر، أو إبراء الذمة، أو بحسب تعبير أسامة درة "كتبت لأستريح"، لكنها تكشف جانبا مهما من التكوين التنظيمي للجماعة التي لعبت دورا مؤثرا في دراما السياسة في مصر، طوال ال 84 عاما الماضية، لكن يبدو أن القادم أكثر دراماتيكية.يمكن إذن القول إن الثورة علي النظام السابق في الدولة المصرية، تزامنت معها ثورة أخري، علي النظام القديم في جماعة الإخوان المسلمين، التي تمتد أصابعها في 82 دولة حول العالم، وضد سيطرة التيار القطبي، المتشدد علي الأمور في مكتب الإرشاد، ضد التيار الإصلاحي الذي كان يقوده نائب المرشد السابق الدكتور محمد حبيب، الذي أطيح به من المنصب الذي كان قاب قوسين أو أدني منه، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، أحد المشاركين في التأسيس الثاني للجماعة في السبعينيات، والذي وجد أن مشروعه الخاص قد يستطيع أن يستوعب أحلامه التي ضاقت بها أفكار سيد قطب التي تحيط بعقول مكتب إرشاد الجماعة العتيقة.
لم يكن الخروج خروج القيادات الإصلاحية التي يئست من الإصلاح في الجماعة فقط، بل كان خروجا لجزء مهم ومؤثر من قواعد الجماعة وشبابها، وجدوا أن الجماعة لا تتواصل معهم، ولا تستمع إليهم، كما وجدوا أن لديهم عقولاً تفكر، ولا تستجيب "للسمع والطاعة"، بشكل آلي، وربما يكون هذا هو ما يجمع كل من خرجوا، ومن الممكن القول إن إرهاصات هذا الخروج الشبابي، تجلت مع ظهور الفضاء التدويني قبل سبع سنوات، وانتشاره في مصر، ولجوء شباب الجماعة إلي نشر أفكارهم في مدونات تخصهم، يصطدمون فيها بالبيعة، ويختلفون فيها مع "السمع والطاعة"، لكن التحول الأعظم لدي هؤلاء الشباب، الذين خلقوا صوتا إليكترونيا لهم، يثير القلق داخل أجهزة الأمن، وداخل مكتب الإرشاد أيضا، كان في ميدان التحرير، في ال 18 يوما المجيدة، حينما اكتشفوا أن هناك أصواتا أخري تستحق أن تسمع، وأن اليساريين ليسوا كفارا، وأن الناصريين لن يعذبوهم كما فعل عبد الناصر، وأن النقاش طريق طويل، لكنه ينتهي بالاقتناع، لا بالإذعان.
ما أريد قوله إن الثورة التي تفجرت داخل الجماعة، مرت بنفس المراحل التي مرت بها الثورة في مصر، منذ الالتفاف حول فضاء إليكتروني، وتلاقي الأصوات المعارضة التي تلتقي علي معني واحد، انتهاء بالميدان، الذي كما خرجت منه عشرات الائتلافات، والتيارات السياسية، خرجت منه أيضا حركات إخوانية مناوئة، وأحزاب خلعت زي الإخوان، وارتدت زي الإسلام الوسطي.
شباب الإخوان الخارجون، اختاروا أن يؤسسوا حزبا باسم "التيار المصري"، ضم عددا من شباب الثورة ذوي الميول الإسلامية، وبعض الخارجين عن طوع الجماعة، مثل معاذ عبد الكريم وأسماء محفوظ وعبد الرحمن فارس وإسلام لطفي، وقيادات الجماعة اختارت أن تؤسس حزبا باسم "حزب النهضة"، انضم إليه الدكتور محمد حبيب، والمهندس إبراهيم الزعفراني، فيما التف حزب الوسط، أول الأحزاب المنشقة عن الجماعة، قبل 17 عاما، وأول الأحزاب المشهرة بعد الثورة، أن يلتف حول تجربة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في الترشح للرئاسة.
من المهم هنا الإشارة إلي أن عددا كبيرا من الرافضين للجماعة، وطريقتها الأبوية القمعية، مازالوا مستمرين داخلها، وسط تهديدات بفصلهم، ولعل التاريخ القريب يذكر لنا تلك الوقفة التي نظمتها جماعة "صيحة إخوانية"، بقيادة محمد عبد الهادي، زوج ابنة خيرت الشاطر، ضد ترشح "حماه"، لرئاسة الجمهورية، قبل استبعاده، من اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة، لكن ما كشف الأزمة التي تعيشها الجماعة مع قواعدها كان قرار الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عندما قرر قبل عام الترشح للرئاسة، بالمخالفة لقرار الجماعة، ورغبة عدد كبير من شباب الجماعة في دعمه، وتهديدهم بالفصل من مكتب الإرشاد، وهو الأمر الذي كان أحد أسباب دفع الجماعة بمرشح منها.
لكن الأمر لا يمكن تبسيطه بهذا الشكل المخل، فأحد أسباب خروج عبد المنعم أبو الفتوح من الجماعة، هو صراع الإصلاحي والرأسمالي علي مستقبل الجماعة وعلي قراراتها، وأقصد بهما، أبو الفتوح كإصلاحي، والشاطر كرجل أعمال، يستطيع أن يدير مكتب الإرشاد، ويحركه، بل ويتدخل لاختيار 30 في المائة من مجلس شوري الجماعة يصوتون لصالح قراراته، مستغلا في ذلك نفوذه المالي الكبير، وميله إلي الجناح القطبي، الذي عاد أواخر الثمانينات، بعد رحيل مرشد الجماعة عمر التلمساني، ليسيطر علي الجماعة.
الملاحظة الأساسية، التي يمكن اكتشافها في الخارجين من الجماعة عقب الثورة، سواء كانوا من القيادات أو من الشباب، هو لجوؤهم إلي كتابة مذكراتهم، التي يرون فيها تجاربهم المريرة مع الجماعة، ويفتحون صندوقهم الأسود للقارئ ليعرف ما يدور في دهاليز الجماعة التي تخفيها منذ 84 عاما.
لم يكن موضوع كتابة المذكرات، وفضح ما يدور في كواليس التنظيم معروفا قبل الثورة، وربما يمكن عد الكتب التي فعلت ذلك علي أصابع اليد، وإن جاء بعضها انتقاميا، مثل كتاب المحامي الإخواني السابق، ثروت الخرباوي، والذي حمل اسم "من قلب الإخوان محاكم تفتيش الجماعة"، والذي نشره قبل الثورة بأشهر قليلة وتحدث فيه عن أن جماعة الإخوان تحولت إلي مُحطم للشباب، وتكبلهم بالإداريات التي تشل حركتهم وتقتل الإبداع داخلهم، وأصبح التنظيم بسبب قيوده سجنا لأعضائه، وصار جمهور السلفيين أكبر من جمهور الإخوان ثلاثة أضعاف، وأن الجماعة تحولت إلي كيان طارد، وانتهت إلي معهد كهنوتي يسيطر عليه القطبيون الذين تسببوا في قلب الجماعة الدعوية التي أسسها حسن البنا إلي جماعة أخري لا يعرفها أحد غير القائمين علي مقاليد الأمور فيها.
كتاب الخرباوي الذي يروي فيه تجربته الشخصية مع الجماعة، يشن هجوما كاسحا علي الجماعة، وعلي قادتها، لكن الملاحظة الأساسية في هذا الكتاب، وفي الكتب التي صدرت بعد الثورة لخوارج الجماعة، أو حتي في تصريحاتهم الصحفية عن أسباب الانشقاق أن الخلاف في كل هذا هو خلاف إداري مع قادة الجماعة، ومكتب إرشادها، وليس خلافا فكريا، بمعني أن كل الخارجين لا يزالون يدينون بالولاء لأفكار الشيخ حسن البنا، ويقدسونها، ويرون أن المشكلة أن الجماعة لم تحسن تطبيقها، وأنها خرجت عن الطريق، ولعل هذا يكشف السبب الذي دفع عددا من خوارج الجماعة أخيرا، إلي تأسيس جمعية باسم "جماعة الإخوان"، تستعيد أفكار البنا وتطبقها مرة أخري.
أبرز الكتب الاعترافية التي صدرت، هو كتاب "ذكريات محمد حبيب عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر"، والذي صدر أخيرا عن دار الشروق، وإن كان يبدو فيه أنه يبكي علي الأطلال، وعلي الدعوة التي سلبت، وأيضا كتاب "عبد المنعم أبو الفتوح شاهد علي تاريخ الحركة الإسلامية في مصر"، والذي حرره الباحث الراحل حسام تمام، وقدم له الدكتور طارق البشري، وصدر عن نفس الدار، والكتاب وإن كان لا يوضح فيه اصطدام أبو الفتوح بمكتب الإرشاد الحالي، لأنه ينتهي زمنيا في التسعينيات، إلا أنه يوضح دوره الإصلاحي، في بناء الجماعة قبل اغتيال السادات، وبعد حادث المنصة.
الشباب يبدون أصحاب الحظ الأوفر في النقد والصراحة، وهو ما فعله الكاتب الشاب أسامة درة، عندما أصدر كتابيه "من الإخوان إلي التحرير"، ثم "من داخل الإخوان أتحدث"، وقدم نقدا لتجربة تعامل الجماعة مع قواعدها، وهو أيضا يشبه العتاب الخفيف الذي قدمه أحمد العجوز في كتابه "إخواني أوت أوف ذا بوكس".
لكن من التجارب المهم ذكرها هنا، كتاب "حكايتي مع الإخوان"، للروائية انتصار عبد المنعم والذي صدر أخيرا عن هيئة الكتاب، والذي تقدم فيه تجربتها مع الجماعة منذ تجنيدها، حتي تركها، رغم ما تعرضت له من تخوين وتكفير، ومن المهم هنا أن نذكر ما قاله أحد أعضاء مكتب الإرشاد تعليقا علي خروج بعض أعضائها "الجماعة تطرد خبثها"، وهو ما يكشف إلي حد كبير كيف يتعامل التنظيم مع الخارجين، أو المارقين، وما يفسر أيضا سر المرارة التي يشعر بها، من قرروا الخروج إلي النهار.
شهدت الجماعة علي مر تاريخها خروج الكثيرين بداية من عبد الرحمن السندي، صديق البنا والذي أسس التنظيم الخاص، مرورا بأحمد السكري، وجماعة شباب محمد، وانتهاء بأبو العلا ماضي، وعصام سلطان وأبو الفتوح وهيثم أبو خليل وعبد الجليل الشرنوبي وحبيب، لكن تبدو الإشكالية الأكبر أن الجماعة بعد أن خرجت من طور العمل السري إلي طور العمل العام، أصبحت كتابا يجب أن يكون مفتوحا أمام الجميع، وتأسيسها لحزب حمل اسم الحرية والعدالة، يستوجب عليها أن تتخلص من الفكر التنظيمي الحركي للجماعة، وأن تدخل في التنظيم السياسي، وهو ربما ما لن يحدث، لأن الجماعة لم تزل تحلم ب "أستاذية العالم"، كما تخيلها حسن البنا.
بعض كتاب الخارجين من الإخوان تأتي علي سبيل التطهر، أو إبراء الذمة، أو بحسب تعبير أسامة درة "كتبت لأستريح"، لكنها تكشف جانبا مهما من التكوين التنظيمي للجماعة التي لعبت دورا مؤثرا في دراما السياسة في مصر، طوال ال 84 عاما الماضية، لكن يبدو أن القادم أكثر دراماتيكية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.