تعامل الكثير مع ترشح المحامي الحقوقي اليساري خالد علي علي أنه "مراهقة يسارية" غير محسوبة، حتي اليسار نفسه لم يتفق علي خالد تحت دعاوي متعددة أبرزها تفتيت الاصوات، ثم بعد ذلك تم الدفع بأبو العز الحريري كمرشح عن حزب التحالف الشعبي. لكن خالد ورجال حملته رغم الأموال الشحيحة استطاعوا الحصول علي ما يفوق 12 ألف توكيل، وأيضا توقيعات أكثر من ثلاثين نائبا بالبرلمان، واستطاع أن ينضم لقائمة المرشحين الكبار، ربما تبقي فرص الفوز منخفضة، لكن ما يهم خالد وكان السبب الذي دفعه لاعلان نفسه مرشحا لرئاسة مصر، هو ببساطة غياب أهداف الثورة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية- عن برامج المرشحين، ما يهم خالد ليس الفوز بقدر ما هو الدفع بهذه الاهداف إلي التحقق. يعتبر خالد هو الاوضح موقفا من باقي المرشحين فيما يخص قضية العدالة الاجتماعية، والحريات، والمرأة، والاقباط، لخالد أيضا تاريخ في الدفاع ليس فقط عن العمال والفلاحين، ولكن في قضايا حرية الرأي والتعبير حيث كان أحد المحامين المدافعين عن صناع فيلم "بحب السينما" وأيضا عندما تضامن مع الكاتبة نوال السعداوي في قضية إسقاط الجنسية المصرية عنها بين عامي 2007 و2008، أيضا تبدو الرؤية الثقافية العامة لبرنامج خالد الانتخابي كأنها تلخيص لمطالب العديد من المثقفين، حيث يتبني البرنامج الجزء الأكبر من مبادرة "الدستور الثقافي المصري" التي وضعها عدد من المثقفين، بجانب مواقف تبدو جذرية من مسائل التوجيه السياسي للمؤسسة الثقافية، وحرية التعبير، والرقابة، وثوابت الأمة. التقيت خالد في مقر حملته بوسط البلد، حيث المكان ليس كامل التجهيز، لكن الكثيرين يتحركون ويعملون بوسائل بسيطة، الامر الذي أضفي علي خالد وحملته لمسة رومانسية، حيث يبقي هو الأوضح، والاقل امكانيات، ومع ذلك يحاول الانجاز، اللقاء حدث بعد قضية حازم أبو إسماعيل أمام القضاء الاداري والتي ترافع فيها خالد، والتي كانت مدخلنا للحوار مع خالد علي أصغر مرشحي الرئاسة سنا. لماذا ترافعت عن حازم صلاح أبو إسماعيل؟ المسألة ليست لماذا ترافعت عن أبو إسماعيل، المسألة في اننا كديموقراطيين، مستعدون لأن نكون ديمواقراطيين بالفعل أم لا؟ أنا مختلف مع أبو اسماعيل فكريا وثقافيا علي طول الخط، ربما لا توجد نقاط اتفاق بيني وبينه إلا أن كلينا ضد حكم العسكر. ما يزيد الامر إشكالا أن كلا من الطرفين من يقف مع حازم ومن يقف ضده لا يفهمون مضمون القضية، فالقضية لا تناقش مسألة هل تمتلك والدة حازم الجنسية الامريكية أم لا، القضية تناقش سبب امتناع وزارة الداخلية عن إعطاء حازم ما يفيد موقف والدته في السجلات المصرية، هل هي امريكية، أم مصرية، أم مزدوجة الجنسية، واللجنة العليا للانتخابات تقول انها مزدوجة الجنسية، ومن يمتلك الحسم في ذلك، ليست السفارة الامريكية، ولا ادارة الهجرة والجنسية الامريكية، ولا وزارة الخارجية المصرية، من يملك الحسم في هذا الشأن ادارة الهجرة والجنسية التابعة لوزارة الداخلية المصرية، ولو وجدت هذه الورقة فلماذا لم تعطها له اللجنة العليا للانتخابات، أو وزارة الداخلية؟، لذا فحقه أن يتمكن من الحصول علي صورة من الاوراق التي يمكن أن تؤدي إلي استبعاده ليدافع عن نفسه، هذا هو مضمون القضية، ما جنسية هذه السيدة في وزارة الداخلية المصرية؟. وبالتالي بعيدا عن حالة الاستقطاب السياسي الموجودة حاليا حول أبو إسماعيل فمن معه يقولون إن أمه ليست أمريكية، ومن ضده يقولون العكس، ولكن القضية ليست هنا، بالنسبة لي كديموقراطي، ومع الحريات، ومع الدفاع عن كل المظلومين هذا هو الموقف الصحيح عندما أجد شخصا، لا يتمكن من الدفاع عن نفسه، ويتم ذبحه إعلاميا، حتي لو كان هذا الشخص منافسا، ولو أدي ذلك إلي خسارتي أمامه في الانتخابات. بعيدا عن أبو إسماعيل.. كيف تري التعامل مع وزارة الثقافة، التي يري الكثير انها توقفت عن أداء الدور المنوط بها، وأصبحت كيانا ضخما متكلسا، وأن الحل يكمن في تحويلها إلي مؤسسات مستقلة؟ احدي الازمات الجوهرية التي نعاني منها في مصر، ولا يلتفت إليها الكثير، هي أزمة الثقافة، وغياب مؤسسات ثقافية تسعي للرقي بهذا الشعب. لوقت طويل جدا كان جزء مهم جدا من الشخصية المصرية يرتبط بما تقدمه للحضارة الانسانية من أدب، وفن، وعلوم، وثقافة، ومن الممكن أن تفسر هذه لرجل الشارع العادي الذي ربما يبدو غير مهتم بالادب والفن، عندما تضرب له مثلا بتركيا، وإلي أي حد تصدر لنا الثقافة التركية، فقط من المسلسلات الدرامية التركية، إلي أي مدي كنا مؤثرين في المنطقة العربية بالثقافة والفنون، وإلي أي مدي أصبح هذا الدور ضعيفا عندما بدأنا في إهمال الثقافة والفنون. وهذه أشياء من الممكن أن تكون مصدرا للدخل ومن الممكن أن تكون مصدرا للإنفاق ولكنها يجب أن تؤخذ في الاعتبار علي أنها لا تقل أهمية عن أهمية سلاح الطيران بالنسبة لأي جيش عصري، فهي تلعب دورا هاما في بناء الشخصية المصرية في الداخل وفي التأثير في المحيط الذي يمتد إليه مفعولك الثقافي. إذن أنت تري أن وجود كيان مثل وزارة الثقافة هو أمر مهم...؟ لا يشترط أن يكون كيانا واحدا مثل وزارة الثقافة، أو مجموعة مؤسسات، ولكن لابد من وجود خطة من الدولة للنهوض بالثقافة، ودعم المثقفين والفنانين، فإذا لم يكن هناك خطة من كيانات مستقلة او رجال أعمال لتدعم هذه الخطة، فعلي الدولة أن تدعم هذا، مثلما تدعم الصناعات الثقيلة، او الاقتصاد، أو الزراعة، فالثقافة والعلوم والفنون علي نفس ذات الدرجة من الأهمية. أما وجهة نظري الخاصة بكيفية ترتيب وتنظيم هذا الامر فهذا يمكن أن يتم بمؤسسات مستقلة، لا تجعل منتجي الفنون والافكار خاضعين لسيطرة الدولة، فليس معني أن تدعم الدولة مؤسسة ثقافية ان تحرمها من استقلالها. هل هناك تجربة حدثت في مصر في وقت من الاوقات، او في دولة أخري تبدو لك صالحة للتطبيق في هذا المجال؟ ليس شرطاً.. أن توجد تجربة أريد استنساخها في مصر، ولكني أتخيل أن يكون دور الدولة تمويل هذه المؤسسات، وأن يختار أبناء كل مؤسسة مجلس إدارتها، من أجل أن يكون هناك استقلال في وضع سياسة هذه المؤسسة. فعندما تصبح الثقافة والمثقفون خائفين من انتقاد سياسة الحكم، ويلعبون فقط دور المبرر لما يراه، وما يريده، تكون النتيجة هي موت الحياة الثقافية. وقد اجتمع الكثير من المثقفين علي مدار السنة الأخيرة، وتكلموا عن دستور للثقافة الحرة، وهناك أكثر من مبادرة ومنها "الدستور الثقافي المصري" الذي نتبني الكثير مما جاء فيه، ومن أهم بنوده أن تكون هناك مؤسسات مستقلة لإدارة الشأن الثقافي يديرها المتخصصون، فمثلا تكون هناك مؤسسة للسينما يديرها السينمائيون، من الممكن أن تمول ممن قبل الدولة ولكن بدون توجيه أو سيطرة سياسية. أما فكرة وجود وزارة ثقافة تسيطر علي كل شيء وتؤدي إلي ما آلت إليه الثقافة في الوقت الحالي فهي مسألة مرفوضة بالنسبة إلينا. إذا انتقلنا لإحدي المسائل المثيرة للجدل والتي لم يتم التوصل إلي حل بشأنها وهي الرقابة، حيث يري البعض ضرورة إلغائها، والبعض الاخر يري أهمية وجودها، وهناك من يري ضرورة تحديد وظائفها بالتنظيم وليس بالمنع..كيف ترون التعامل مع هذه القضية؟ أنا لا أري للرقابة أي دور، وأتمني ألا أري لها أي وجود في التسلط علي العقل أو الفن، فالافكار يجب تطرح بكل عفويتها، لأن الفكرة السائدة هي محمية لأنها سائدة، والفكرة غير السائدة هي التي في أمس الحاجة إلي الحماية، عقلية أي رقيب لن تنتبه إلي أهمية حماية الفكرة غير التقليدية وغير السائدة، هذا هو الاصل في الحرية، وفي كثير من الاوقات عندما تطرح الفكرة لا تجد لها أنصارا، وتجد معارضين كثيرين، ولكن مع مرور الوقت يكتشف الجميع صحة ما كان مرفوضا من قبل. وإذا كنا نتبني حرية الرأي والفكر والفن فهذا يعني عدم وجود رقابة، فوجود رقابة هو توجه سياسي يخضع لرأي النظام، لذلك لا نقبل بوجود أي نظام رقابي وحرية الرأي والتعبير مكفولة لكل المواطنين. ثم ما الذي تعنيه الرقابة؟ أن يقيّم أحدهم إبداعك، أن يقيم حساسيتك وشعورك وحواسك وكيف تري الاشياء والعالم من حولك كفنان ومبدع. ربما تكون هذه مسألة صادمة ولكن يجب ان تصدم المجتمع بهذا كي تجعله يفكر بطريقة مختلفة، فاذا كان هناك عمل فني أنت ضده، فلا تشاهده، أو اطرح رؤية فنية مختلفة ضد هذا العمل الفني. أذكر أني تدخلت في قضية إسقاط الجنسية عن نوال السعداوي، وبصرف النظر عن اتفاقي أو اختلافي مع أفكارها، ولكني تدخلت لصالحها في مواجهة أحد المحامين الذي أقام القضية ضدها، وقلت أن إسقاط الجنسية عن نوال السعداوي يعتبر إسقاطاً للجنسية عني أنا أيضا، وأن أول الطريق للدفاع عن حقوقي هو الدفاع عن نوال السعدواي، وأن الاختلاف في وجهات النظر لا يمكن أن يرقي لأن تعاقب المفكر أو المبدع بإجراءات عقابية جنائية سابقة أو لاحقة سواء أكانت إسقاط جنسية أو تشويهاً أو غرامات أو حبساً، تجعله خائفاً وهو يفكر من أن يطرح فكرته. حتي فكرة الخضوع للأعراف العامة التي ينادي بها البعض فهذه الاعراف متغيرة بتغير الظرف الزمني، فهذه مسائل دائمة التطور ولا تقف عند لحظة بعينها. لذا يجب أن تتطور الافكار والفنون بعيدا عن حكم الاغلبية أيا ما كان شكل وتوجه هذه الأغلبية. في هذا السياق ماذا تعني بالنسبة لك "ثوابت الأمة"؟ لا يوجد لدي ما يسمي ب"ثوابت الأمة" ربما باستثناء حماية الاراضي المصرية من الهجوم عليها. وما بعد ذلك من أمور وخاصة ما يتعلق بالاخلاق والمسائل الثقافية والافكار الاجتماعية فهي أمور متغيرة ولا يوجد فيها أي ثابت. واذا تحدثنا عن الثقافة المجتمعية التي عادة ما توصف بالتخلف، والرجعية.. كيف تري التعامل معها؟ قضية التعليم بالنسبة لنا مرتبطة بشكل وثيق بالقضية الثقافية، ونحن المجتمع الوحيد الذي تزداد فيه معدلات الأمية، ولا يوجد فيه تعليم حقيقي، كيف يمكن المطالبة بثقافة مجتمعية منفتحة ومتعددة وتقبل بالآخر بعد ستين عاما من العيش تحت وطأة نظام جرف إمكانيات ضخمة، وتعامل مع الشأن الثقافي والفني علي اعتباره مسألة هامشية. بالنسبة لي نحن نحتاج إلي إرادة سياسية تسعي لخلق ثقافة مجتمعية مختلفة قائمة بالأساس علي فكرة التنوع وقبول الآخر، وتبدأ هذه الثقافة من الأسرة مرورا بالمدرسة إلي جميع المؤسسات المختلفة.