استقرار سعر الدرهم الإماراتي مقابل الجنيه المصري اليوم الجمعة 9-1-2026    سعر الذهب يرتفع 5 جنيهات اليوم الجمعة 9 يناير 2026.. وعيار 21 يسجل 5985 جنيها    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تنفيذ 995 ندوة ونشاط توعوي استفاد منها أكثر من 108 آلاف مواطن لمواجهة الزيادة السكانية    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    محافظ أسيوط يعلن عن استمرار تنفيذ أعمال تركيب بلاط الإنترلوك بمدينة منفلوط    وزير الزراعة يوجه بوقف المحاضر الجنائية ضد منتفعي الإصلاح الزراعي الجادين    ترامب: سلطتى لا يوقفها سوى أخلاقى الشخصية    قيادة بنزيما.. تشكيل اتحاد جدة المتوقع أمام الخلود في الدوري السعودي    محافظ أسيوط: ختام فعاليات أوبريت الليلة الكبيرة بقرى حياة كريمة تأكيدًا لحق المواطن في الثقافة    الاحتلال الإسرائيلي يحتجز العشرات ويداهم منازل في الخليل    أتلتيكو مدريد ضد الريال.. الملكي يدعم فينيسيوس بعد أزمته مع سيميوني    تعرف على الحوافز المقدمة لمصنعي السيارات في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات واشتراطات الاستفادة من البرنامج    دونجا: لا بد أن يبدأ مصطفى محمد بشكل أساسي أمام كوت ديفوار    مدحت عبد الهادي: لا بد من تواجد مهاجم صريح لمنتخب مصر أمام كوت ديفوار    سقوط أمطار متوسطة على دمياط فجر اليوم    إلى أين وصلت الاحتجاجات في إيران؟.. إليك التفاصيل    مدغشقر تشدد الإجراءات الصحية في القطاع السياحي بعد تسجيل إصابات بجدري القرود    حافظوا على وحدتكم    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لامتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    مواعيد القطارات من أسوان اليوم الجمعة 9 يناير 2026    الأعلى للجامعات يبحث نظم الدراسة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية    تنوع «محمد بغدادى» الثرى وحدة الإبداع وتعدد المسارات    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    فضل الحضور مبكرًا لصلاة الجمعة قبل صعود الخطيب للمنبر    ذهاب المرأة إلى المسجد لصلاة الجمعة موقف شرعي وآداب مستحبة    فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة نور وبركة للمسلم    لمدة 12 ساعة، تعرف على أماكن قطع المياه غدا في الدقهلية    مستشفى طنطا للصحة النفسية ينظم احتفالية كبرى لدمج المرضى المتعافين بالمجتمع    طريقة عمل تشيلي صوص بمكونات بسيطة وأحلى من الجاهز    إشارات لا يجب تجاهلها قد تنبهك لجلطة الرئة مبكرًا    ضبط 80 مخالفة بالمخابز ولحوم ودواجن غير صالحة بكفر الشيخ    مجلس النواب الأمريكي يقر مشروع قانون لتمديد إعانات الرعاية الصحية    مصرع طفلة سقطت في بيارة منزل بنجع حمادي    ترمب ل«نيويورك تايمز»: أخلاقي وحدها تضع حدودًا لاستخدام القوة العسكرية    افنتاح محطة تحلية مياه الشرب بمنطقة وادي العمرو بوسط سيناء    ترامب: لم أتناول أدوية إنقاص الوزن وربما يجب علي ذلك    رامي إمام يتغزل في محمد سعد والفنان يعلق: اتبسطت بالشغل معاك يا حبيبي يا وش الخير (فيديو)    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    موعد مباريات اليوم الجمعة 9 يناير 2026| إنفوجراف    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    مواجهة نار في كأس آسيا تحت 23 عامًا.. العراق يفتح النار على الصين في انطلاق المجموعة الرابعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مشروع النهضة الأخلاقية بداية خلط الأوراق
نشر في أخبار الأدب يوم 23 - 03 - 2012

عند اجتماعه بقيادات الطائفة الإنجيلية نهاية الأسبوع الثاني من مارس 2012، عرض المرشد العام لجماعة "الإخوان" رؤيته للمستقبل في عبارة مقتضبة تقول: "جربنا الشيوعية وسقطت .. والرأسمالية في طريقها للسقوط .. لا يبقي إلا اتباع القيم والأخلاقيات الدينية"! تخيلت وأنا أقرأ هذه الكلمات صورة امرأة تنظر في المرآة، فتري الأحمر لا يناسب ذائقتها اللونية، ثم تري الأزرق كئيباً لا يناسب لون بشرتها، فتقرر احتساء الشاي بالنعناع!! ..
أفهم أن نقارن بين الأحمر والأزرق وبين غيرهما من الألوان، وأن نقارن بين الشاي والنعناع وبين غيرهما من المشروبات، أما المقارنة بين ما هو ثوب ترتاح للونه العين وما هو شراب يرتاح لمذاقه اللسان فهو عين الخلط بين الأوراق، ولسان حال الأفكار إذا ما التبست علي أصحابها، بما لا يستقيم به عقل ولا تستقيم به حياة؛ فالقيم والأخلاق الدينية ليست نظاماً سياسياً أو اقتصادياً كي نقارنها بالشيوعية والرأسمالية .. ثم متي جربنا الشيوعية، ومتي جربنا الرأسمالية؟ فنحن لم نبارح النظام الإقطاعي في بلادنا إلا قليلاً علي مستوي الشكل دون تجاوز الشكل إلي المضمون؛ ثم من قال أن النظم السياسية والاقتصادية لا تكون إلا شيوعية أو رأسمالية؟ هذا تبسيط مخل يبدو العالم من نافذته وكأنه تنافس بين فريقين لا ثالث لهما إلا ما يقترح علينا المرشد العام لجماعة "الإخوان"! أضف إلي ذلك أننا لم نعرف من حديث مرشد "الإخوان" علي من يعود الضمير في كلمة "جربنا"؟ هل هو يعود علي مصر حصراً، أم هو يعود علي البشرية بمنطق سعي الجماعة لأستاذية العالم كما هو ثابت ومعلن في أدبياتها؟
أسئلة كثيرة تتزاحم علي العقل النقدي كلما صدرت عن "الجماعة" أقوال مبهمة، تحمل أفكاراً ملتبسة، فلا نجد لها إجابة يرضاها العقل ويستريح إليها الضمير؛ فهل تكون "القيم والأخلاق" عربة سحرية تمتطيها دولة "الإخوان" لتجاوز حالة الرفض للدولة الدينية؟ وإلا فلماذا الإصرار في منطق الحديث وفي منطوقه علي إثبات أن الدين هو مصدر القيم والأخلاق، لا مصدر لهما غيره؟ وكأن الإنسانية لم تعرف الأخلاق إلا مرتبطة بالدين، أو كأن الدين لم تعرفه البشرية إلا مرتبطاً بالأخلاق! فالتاريخ ملئ بأخبار ممارسات دينية لا شأن لها بالأخلاق، كما هو ملئ بأخبار ممارسات أخلاقية لا يستدعي أهلها ديناً بعينه، بل ولا يستدعي بعضها أي دين علي الإطلاق! تزداد حدة السؤال قسوة علي العقل النقدي حين يشير حديث "اتحاد ملاك مصر" - الذي أعلنه إشهاراً مرشد "الإخوان" - إلي ما صار يعرف بالديانات السماوية الثلاث، وكأنه لم يكن قبل هذه الديانات الثلاث ما يستحق أن يسمي ديناً، أو كأنه لم يكن قبلها أو بعدها دين يحق لأهله ادعاء صلة تربطهم بمفهوم "السماء"!!
في هذا السياق طالعت كغيري من المصريين المقال الذي نشرته "الأهرام" للدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة "الإخوان" - بعددها الصادر يوم الاثنين 5 مارس 2012، وكان عنوانه "النهضة الأخلاقية .. بداية التقدم"؛ وأود في بداية مقالي هذا التأكيد علي أنني لا أقصد بالعنوان الذي اخترت لمقالي اتهاماً مباشراً للدكتور بديع بخلط الأوراق، فالنوايا لا يعلمها إلا الله، وليس من الحكمة أن نبني حكماً أو أن ننشئ مقالاً يتناول النوايا، خاصة وأنني لا أختلف مع مرشد جماعة "الإخوان" في أهمية الأخلاق في بناء الأمم، ولا أنا أخالفه الرأي في جزئيات ما جاء في مقاله من أحكام وآراء إلا قليلاً؛ وهذا القليل الذي نختلف فيه هو ما دفعني لكتابة هذا المقال، كما دفعني لاختيار عنوانه الذي قد يراه البعض صادماً، وقد يحسبه القارئ معارضاً العنوان الذي اختاره الدكتور بديع لمقاله؛ لكنه في الحقيقة عنوان احترازي، يحمل رسالة تحذيرية من أن "مشاريع" النهضة الأخلاقية قد تؤسس لخلط الأوراق السياسية بقدر ما قد تؤسس لتقدم مجتمعي، مما أراه ضرورياً أن يتنبه إليه المصريون وهم يؤسسون لمرحلة جديدة من مراحل تاريخهم الممتد لعشرات القرون كانت "الأخلاق" علي امتدادها هاجساً يستنفد طاقة الأجيال المتعاقبة جيلاً وراء جيل، دون أن ينتهي هذا الهاجس بمنتج أخلاقي تستريح علي شاطئه أحاديث الأخلاق!!
وما كنت لأهتم بهذا التمييز بين مشروع نهضة أخلاقية يؤسس لمشروع تقدم مجتمعي وبين مشروع نهضة أخلاقية يؤسس لمشروع سياسي لو أن هذا التمييز كان قائماً علي مستوي الدور الذي يؤديه صاحب المقال المذكور؛ لكن الدكتور بديع لا يقوم علي رأس جماعة دعوية أخلاقية تسعي للدعوة إلي مكارم الأخلاق، مكتفية بها دون سواها من أهداف السعي بين الناس؛ وإنما هو يقوم علي رأس جماعة تسيطر ذراعها السياسية علي السلطة التشريعية للبلاد، وهي تسعي جاهدة للاستحواذ علي السلطة التنفيذية، ناهينا عن وجود للجماعة لا يخطئه العقل المدقق داخل أروقة السلطة القضائية! نحن إذن أمام مشروع سياسي يتعلق ببنية الدولة المصرية لا يستقيم أن تختلط أوراقه بأوراق مشروع أخلاقي يتخلل حياتنا - وإن برفق - دون تثبت من هويته: هل هي محض أخلاقية، أم تشكل ملامحها قسمات سياسية لا نكاد نلتفت لخطرها ولا نحن نتحسب لتداعياتها؟!
قد يكون من المناسب هنا أن أعرج إلي بيت الشعر الذي استدعاه مرشد الجماعة ليدعم به منطق مقاله، وهو قول أمير الشعراء: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا"؛ وهو بيت مشهور لشوقي تستدعي جماعة "الإخوان" بإسهاب شطره الأول بغير تردد لدعم مشروعها السياسي، وهو مشروع قائم كما نعرف جميعاً، وكما يفصح أصحابه - علي مفهوم "الشريعة" التي هي عندهم مصدر "الأخلاق"!
ليست أبيات الشعر بطبيعة الحال - مرجعية نحتكم إليها في تأصيل المعاني وضبط المصطلحات وتفنيد الآراء، لكنني رغم ذلك لن أخالف شوقي الرأي فيما ذهب إليه، ولا أنا سأخاصم ما تراه جماعة "الإخوان" من صدق البيت ورجاحة الرأي فيه؛ وإنما أتوقف فقط عند الكلمات التي انتقاها شوقي لبناء بيته إذ يقول "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت" ولم يقل "إنما الدول الأخلاق ما بقيت"! فالأمم تبنيها الأخلاق ضمن ما يبني الأمم من عوامل ومقومات، أما الدول فلا تبنيها الأخلاق، وإنما تبنيها الإرادة التاريخية، دون أن يكون في الإرادة التاريخية ما يجعلها نقيض الأخلاق بالضرورة؛ والأمم من بعد بنائها لا تدار بالوازع الأخلاقي، وإنما هي تدار بالوازع القانوني وسلطة النظام العام، دون أن يكون في الوازع القانوني ولا في سلطة النظام العام ما يجعلهما مخالفين بالضرورة للوازع الأخلاقي إن هو ساد هذا الوازع الأخلاقي بين الناس.
لا تنشأ الدول إذن استجابة لضرورة أخلاقية، ولا هي تدار الدول بأدوات الوازع الأخلاقي؛ وما واقعة النائب الذي انتخبه الشعب لما توسمه فيه من "أخلاق"، فكذب النائب علي الأمة، وافتري علي الحقيقة بغير خجل، إلا دليل علي خطر إدارة الدولة بمنطق "الوازع الأخلاقي"؛ فإنما تدار الدول بما تملكه أجهزة الحكم فيها من آليات وأدوات حسم التناقضات بين مكونات الدولة، فضلاً عن آليات وأدوات حسم التناقضات بين مصالح الدولة وبين مصالح غيرها من الدول؛ ولأنها تبني بغير ما تبني به الدول، وتدار بغير ما تدار به شؤون الدولة، فإن الأمم لا تسقط بسقوط الدولة ولا هي تقوم بقيامها، وإنما هي تنشئها وحدة النظرة إلي العالم لا وحدة المصالح، وتشكل ملامحها التجربة التاريخية الممتدة لا الإرادة التاريخية العابرة؛ وهو ما شكل منذ البداية أزمة المشروع "الإخواني" الذي ربط بغير منطق علمي بين قيام وسقوط دولة الخلافة وبين قيام الأمة الإسلامية وما افترضوا أنه يكون سقوطها بسقوط هذه الدولة!
قد يكون هذا أبرز خلط للأوراق يقع فيه أصحاب الحديث المرسل عن مشاريع "النهضة الأخلاقية" حين يسقطون من الحديث هذه الحدود المفهومية والإجرائية بين مصطلح "الأمة" ومصطلح "الدولة"، فضلاً عن كونهم يسقطون مع هذه الحدود تحديدهم للأمة التي يتحدثون عنها: هل هي الأمة الإسلامية أم الأمة المصرية؟ كما يسقطون تحديدهم للدولة التي يسعون لإقامتها علي هذه "الأخلاق": هل هي دولة الخلافة أم الدولة القومية المصرية؟
المشكلة الأخطر في هذا الحديث المرسل عن "النهضة الأخلاقية" هي أنه لا يحدد لنا ما المقصود بالأخلاق أصلاً؟ هل هي الأخلاق المعيارية التي تحدد للناس أنماط التفكير والتعبير والسلوك التي "عليهم اتباعها" وتلك التي "عليهم اجتنابها"؟ أم هي الأخلاق بمفهومها الفلسفي التي تربط أنواع التفكير والتعبير والسلوك بالمعاني التي تحملها أسئلة الحياة وحقائق الوجود؟ أم هي أخلاق إحصائية تعبر عما ارتضته جماعة الناس من أنماط التفكير والتعبير والسلوك، حتي وإن خالفت هذه الأنماط الأخلاق بمفهومها الفلسفي، أو اصطدمت بالأخلاق المعيارية وما قد يرتبط بها من رؤي جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! غير هذه الأنواع الثلاثة من الأخلاق كثير، وجميعها يخلط بينه مقال المرشد العام لجماعة "الإخوان"، إذ يكاد يعتبرها صاحب المقال المشار إليه شيئاً واحداً علي ما بينها من فروق لها تأثيرها الحاكم علي بنية الأمة وعلي بنية الدولة كليهما.
ثم كيف يمكن أن نفسر هذه العبارة الملتبسة التي يقول فيها الدكتور بديع إن الإسلام قد اهتم بمكارم الأخلاق وجعلها مناط الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة؟ فأما أن الإسلام يدعو إلي مكارم الأخلاق، فنعم؛ وأما أن مكارم الأخلاق الإسلامية هي مناط الثواب والعقاب في الآخرة "وفقاً للعقيدة الإسلامية" فهذا صحيح جزئياً؛ لكن هذا القول إنما ينطبق علي كل العقائد الدينية، ثم هو يتباين داخل العقيدة الدينية الواحدة؛ ذلك أن قراءة النص المقدس ليست واحدة، وما يستخلصه المسلمون مثلاً - من المعاني الأخلاقية في قراءاتهم المختلفة للقرآن لا يجعل بينهم اتفاقاً بالضرورة حول ماهية مكارم الأخلاق "وفقاً للعقيدة الإسلامية"؛ الأمر الذي يجعل من القول بأن الأخلاق هي مناط الثواب والعقاب في الدنيا كما هو في الآخرة أمراً ملتبساً يصطدم بمفهوم الدولة وبمفهوم الدستور والقانون، ويذكرنا بهذا القسم الملتبس تحت قبة البرلمان الذي جعل احترام النائب للدستور والقانون مشروطاً بما يراه النائب "غير مخالف لشرع الله"، كما يري النائب "شرع الله" في مرآته هو الأخلاقية!
يطرح المرشد العام لجماعة "الإخوان" في مقاله دعوة "للعمل الراشد المؤسس علي قيم ومبادئ لا خلاف عليها بين جميع البشر"، ولا أدري والحال هذه لماذا تم إقحام الإسلام في أمر الأخلاق مادامت الأخلاق حسب قوله - مفهوماً إنسانياً يتفق عليه "جميع البشر"؟ مثل هذا الإصرار علي إقحام الإسلام في قضية الأخلاق، وهي قضية إنسانية تتجاوز فكرة الدين وإن لم تتناقض مع أيٍّ من الأديان بالضرورة، إنما يؤسس لفكرة الإقصاء والاستعلاء الديني الذي يجعل من أصحاب دين بعينه، أو مجموعة أديان بعينها، مرجعية "أخلاقية" لأصحاب الديانات الأخري، بما يجعل من الدعوة إلي "النهضة الأخلاقية" دعوة ضمنية لتأسيس ضوابط تفكير وتعبير وسلوكيات تفرض مرجعية دينية بعينها علي المجتمع يمكن أن لا توافق فهم أهل دين آخر لمفهوم الأخلاق، بل قد لا توافق حتي فهم أهل الدين الواحد لهذا المفهوم الإنساني المعقد؛ إذ قد نتفق جميعاً علي مفهوم "العفة" دون اتفاق علي تعريف إجرائي لها، وقد نتفق علي مفهوم "الصلاح" دون اتفاق علي كيف نترجمه لواقع نعايشه، ... إلخ.
يقودنا هذا في نهاية حديثنا إلي ما انتهي إليه مرشد جماعة "الإخوان" في حديثه، إذ يقول بالصيغة الآمرة نصاً: "علي وزارة التعليم تغيير المناهج بما يعلي هذه القيم في النفوس، ليتربي عليها النشء الجديد، فينشأ علي هذه القيم علماً وعملاً؛ وهذا أيضاً ينسحب علي وزارة الإعلام وكل وسائل الإعلام وكل المنظمات والهيئات والجماعات والأحزاب والنقابات والأندية الرياضية والهيئات الثقافية والفنية، كل في مجاله ونطاق أعماله"! لأية قيم يشير مرشد الجماعة في دعوته؟ وإذا كانت هي القيم "الإنسانية" العامة من الناحية "المفهومية"، فمن سيضع لهذه القيم تعريفها "الإجرائي"؟ هل يفهم البشر جميعهم "الفضيلة الأخلاقية" دون اختلاف بينهم في الفهم، أم أن كلاً يري هذه الفضيلة بمرجعياته الفكرية والنفسية والحياتية، حتي وإن اتفق الجميع من حيث المبدأ - علي أهمية الفضائل الأخلاقية؟ فإن هي اختلفت الرؤي بشأن تعريف الفضائل الأخلاقية، وهي ستختلف حتماً باختلاف البشر، فبأي الرؤي نأخذ؟ وبأي تعريف إجرائي نبني ثقافتنا ونقيم نظامنا التعليمي؟ هل هي رؤية وتعريف الجماعة للأخلاق، أم رؤية الدولة وتعريفها؟
ما هذه إلا واحدة من مواطن اختلاط الأوراق في مشروع النهضة الأخلاقية الذي يدعو إليه مرشد جماعة "الإخوان"، أعني أن الجماعة لم تستقر عبر أكثر من ثمانية عقود من تاريخها علي ما إذا كانت جماعة دعوية تعمل علي نشر ما تراه من مكارم الأخلاق، أم هي جماعة سياسية تعمل علي تأسيس ما تراه من نظم الحكم وطرائق التفكير والتعبير والسلوك المسموح بها في المجتمع تحت عنوان "الأخلاق"، بما يسمح للجماعة باستدعاء مركبة "الأخلاق" لتتجاوز بركوبها فكرة "القانون" وسلطة "النظام العام"؟!
مرة أخري، قد تنشأ الأمم مؤسسة علي الأخلاق، علي ما بين الأمم من تفاوت في رؤاها الأخلاقية؛ أما الدول فتؤسس علي فكرة النظام العام، علي ما بين الدول من اختلافات في نظمها العامة؛ واختلاط الأوراق في هذه الأمور يفسد بنية الدولة وبنية الأمة كليهما: فلا الدولة تبنيها رؤية أخلاقية، ولا الأمة تبنيها سلطة القانون؛ وما دام مرشد جماعة "الإخوان" يسترشد في بناء منطق حديثه بشعر شوقي، فبشعر شوقي ألخص منطق مقالي هذا، ففيه البيان وإن كان شعراً - بأن الأخلاق سبيل كل إنسان لإصلاح "شأن نفسه"، حاكماً كان صاحب النفس أو محكوماً، لا سبيل كل دولة لإصلاح ما فسد من أمرها، سواء أفسد أمر الدولة حكامها أو أفسدته جموع محكوميها، وفي هذا يقول شوقي:
صَلاحُ أَمْرِكَ لِلأَخْلاقِ مَرْجِعُهُ، فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالأَخْلاقِ تَسْتَقِمِ.
أفهم أن نقارن بين الأحمر والأزرق وبين غيرهما من الألوان، وأن نقارن بين الشاي والنعناع وبين غيرهما من المشروبات، أما المقارنة بين ما هو ثوب ترتاح للونه العين وما هو شراب يرتاح لمذاقه اللسان فهو عين الخلط بين الأوراق، ولسان حال الأفكار إذا ما التبست علي أصحابها، بما لا يستقيم به عقل ولا تستقيم به حياة؛ فالقيم والأخلاق الدينية ليست نظاماً سياسياً أو اقتصادياً كي نقارنها بالشيوعية والرأسمالية .. ثم متي جربنا الشيوعية، ومتي جربنا الرأسمالية؟ فنحن لم نبارح النظام الإقطاعي في بلادنا إلا قليلاً علي مستوي الشكل دون تجاوز الشكل إلي المضمون؛ ثم من قال أن النظم السياسية والاقتصادية لا تكون إلا شيوعية أو رأسمالية؟ هذا تبسيط مخل يبدو العالم من نافذته وكأنه تنافس بين فريقين لا ثالث لهما إلا ما يقترح علينا المرشد العام لجماعة "الإخوان"! أضف إلي ذلك أننا لم نعرف من حديث مرشد "الإخوان" علي من يعود الضمير في كلمة "جربنا"؟ هل هو يعود علي مصر حصراً، أم هو يعود علي البشرية بمنطق سعي الجماعة لأستاذية العالم كما هو ثابت ومعلن في أدبياتها؟
أسئلة كثيرة تتزاحم علي العقل النقدي كلما صدرت عن "الجماعة" أقوال مبهمة، تحمل أفكاراً ملتبسة، فلا نجد لها إجابة يرضاها العقل ويستريح إليها الضمير؛ فهل تكون "القيم والأخلاق" عربة سحرية تمتطيها دولة "الإخوان" لتجاوز حالة الرفض للدولة الدينية؟ وإلا فلماذا الإصرار في منطق الحديث وفي منطوقه علي إثبات أن الدين هو مصدر القيم والأخلاق، لا مصدر لهما غيره؟ وكأن الإنسانية لم تعرف الأخلاق إلا مرتبطة بالدين، أو كأن الدين لم تعرفه البشرية إلا مرتبطاً بالأخلاق! فالتاريخ ملئ بأخبار ممارسات دينية لا شأن لها بالأخلاق، كما هو ملئ بأخبار ممارسات أخلاقية لا يستدعي أهلها ديناً بعينه، بل ولا يستدعي بعضها أي دين علي الإطلاق! تزداد حدة السؤال قسوة علي العقل النقدي حين يشير حديث "اتحاد ملاك مصر" - الذي أعلنه إشهاراً مرشد "الإخوان" - إلي ما صار يعرف بالديانات السماوية الثلاث، وكأنه لم يكن قبل هذه الديانات الثلاث ما يستحق أن يسمي ديناً، أو كأنه لم يكن قبلها أو بعدها دين يحق لأهله ادعاء صلة تربطهم بمفهوم "السماء"!!
في هذا السياق طالعت كغيري من المصريين المقال الذي نشرته "الأهرام" للدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة "الإخوان" - بعددها الصادر يوم الاثنين 5 مارس 2012، وكان عنوانه "النهضة الأخلاقية .. بداية التقدم"؛ وأود في بداية مقالي هذا التأكيد علي أنني لا أقصد بالعنوان الذي اخترت لمقالي اتهاماً مباشراً للدكتور بديع بخلط الأوراق، فالنوايا لا يعلمها إلا الله، وليس من الحكمة أن نبني حكماً أو أن ننشئ مقالاً يتناول النوايا، خاصة وأنني لا أختلف مع مرشد جماعة "الإخوان" في أهمية الأخلاق في بناء الأمم، ولا أنا أخالفه الرأي في جزئيات ما جاء في مقاله من أحكام وآراء إلا قليلاً؛ وهذا القليل الذي نختلف فيه هو ما دفعني لكتابة هذا المقال، كما دفعني لاختيار عنوانه الذي قد يراه البعض صادماً، وقد يحسبه القارئ معارضاً العنوان الذي اختاره الدكتور بديع لمقاله؛ لكنه في الحقيقة عنوان احترازي، يحمل رسالة تحذيرية من أن "مشاريع" النهضة الأخلاقية قد تؤسس لخلط الأوراق السياسية بقدر ما قد تؤسس لتقدم مجتمعي، مما أراه ضرورياً أن يتنبه إليه المصريون وهم يؤسسون لمرحلة جديدة من مراحل تاريخهم الممتد لعشرات القرون كانت "الأخلاق" علي امتدادها هاجساً يستنفد طاقة الأجيال المتعاقبة جيلاً وراء جيل، دون أن ينتهي هذا الهاجس بمنتج أخلاقي تستريح علي شاطئه أحاديث الأخلاق!!
وما كنت لأهتم بهذا التمييز بين مشروع نهضة أخلاقية يؤسس لمشروع تقدم مجتمعي وبين مشروع نهضة أخلاقية يؤسس لمشروع سياسي لو أن هذا التمييز كان قائماً علي مستوي الدور الذي يؤديه صاحب المقال المذكور؛ لكن الدكتور بديع لا يقوم علي رأس جماعة دعوية أخلاقية تسعي للدعوة إلي مكارم الأخلاق، مكتفية بها دون سواها من أهداف السعي بين الناس؛ وإنما هو يقوم علي رأس جماعة تسيطر ذراعها السياسية علي السلطة التشريعية للبلاد، وهي تسعي جاهدة للاستحواذ علي السلطة التنفيذية، ناهينا عن وجود للجماعة لا يخطئه العقل المدقق داخل أروقة السلطة القضائية! نحن إذن أمام مشروع سياسي يتعلق ببنية الدولة المصرية لا يستقيم أن تختلط أوراقه بأوراق مشروع أخلاقي يتخلل حياتنا - وإن برفق - دون تثبت من هويته: هل هي محض أخلاقية، أم تشكل ملامحها قسمات سياسية لا نكاد نلتفت لخطرها ولا نحن نتحسب لتداعياتها؟!
قد يكون من المناسب هنا أن أعرج إلي بيت الشعر الذي استدعاه مرشد الجماعة ليدعم به منطق مقاله، وهو قول أمير الشعراء: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا"؛ وهو بيت مشهور لشوقي تستدعي جماعة "الإخوان" بإسهاب شطره الأول بغير تردد لدعم مشروعها السياسي، وهو مشروع قائم كما نعرف جميعاً، وكما يفصح أصحابه - علي مفهوم "الشريعة" التي هي عندهم مصدر "الأخلاق"!
ليست أبيات الشعر بطبيعة الحال - مرجعية نحتكم إليها في تأصيل المعاني وضبط المصطلحات وتفنيد الآراء، لكنني رغم ذلك لن أخالف شوقي الرأي فيما ذهب إليه، ولا أنا سأخاصم ما تراه جماعة "الإخوان" من صدق البيت ورجاحة الرأي فيه؛ وإنما أتوقف فقط عند الكلمات التي انتقاها شوقي لبناء بيته إذ يقول "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت" ولم يقل "إنما الدول الأخلاق ما بقيت"! فالأمم تبنيها الأخلاق ضمن ما يبني الأمم من عوامل ومقومات، أما الدول فلا تبنيها الأخلاق، وإنما تبنيها الإرادة التاريخية، دون أن يكون في الإرادة التاريخية ما يجعلها نقيض الأخلاق بالضرورة؛ والأمم من بعد بنائها لا تدار بالوازع الأخلاقي، وإنما هي تدار بالوازع القانوني وسلطة النظام العام، دون أن يكون في الوازع القانوني ولا في سلطة النظام العام ما يجعلهما مخالفين بالضرورة للوازع الأخلاقي إن هو ساد هذا الوازع الأخلاقي بين الناس.
لا تنشأ الدول إذن استجابة لضرورة أخلاقية، ولا هي تدار الدول بأدوات الوازع الأخلاقي؛ وما واقعة النائب الذي انتخبه الشعب لما توسمه فيه من "أخلاق"، فكذب النائب علي الأمة، وافتري علي الحقيقة بغير خجل، إلا دليل علي خطر إدارة الدولة بمنطق "الوازع الأخلاقي"؛ فإنما تدار الدول بما تملكه أجهزة الحكم فيها من آليات وأدوات حسم التناقضات بين مكونات الدولة، فضلاً عن آليات وأدوات حسم التناقضات بين مصالح الدولة وبين مصالح غيرها من الدول؛ ولأنها تبني بغير ما تبني به الدول، وتدار بغير ما تدار به شؤون الدولة، فإن الأمم لا تسقط بسقوط الدولة ولا هي تقوم بقيامها، وإنما هي تنشئها وحدة النظرة إلي العالم لا وحدة المصالح، وتشكل ملامحها التجربة التاريخية الممتدة لا الإرادة التاريخية العابرة؛ وهو ما شكل منذ البداية أزمة المشروع "الإخواني" الذي ربط بغير منطق علمي بين قيام وسقوط دولة الخلافة وبين قيام الأمة الإسلامية وما افترضوا أنه يكون سقوطها بسقوط هذه الدولة!
قد يكون هذا أبرز خلط للأوراق يقع فيه أصحاب الحديث المرسل عن مشاريع "النهضة الأخلاقية" حين يسقطون من الحديث هذه الحدود المفهومية والإجرائية بين مصطلح "الأمة" ومصطلح "الدولة"، فضلاً عن كونهم يسقطون مع هذه الحدود تحديدهم للأمة التي يتحدثون عنها: هل هي الأمة الإسلامية أم الأمة المصرية؟ كما يسقطون تحديدهم للدولة التي يسعون لإقامتها علي هذه "الأخلاق": هل هي دولة الخلافة أم الدولة القومية المصرية؟
المشكلة الأخطر في هذا الحديث المرسل عن "النهضة الأخلاقية" هي أنه لا يحدد لنا ما المقصود بالأخلاق أصلاً؟ هل هي الأخلاق المعيارية التي تحدد للناس أنماط التفكير والتعبير والسلوك التي "عليهم اتباعها" وتلك التي "عليهم اجتنابها"؟ أم هي الأخلاق بمفهومها الفلسفي التي تربط أنواع التفكير والتعبير والسلوك بالمعاني التي تحملها أسئلة الحياة وحقائق الوجود؟ أم هي أخلاق إحصائية تعبر عما ارتضته جماعة الناس من أنماط التفكير والتعبير والسلوك، حتي وإن خالفت هذه الأنماط الأخلاق بمفهومها الفلسفي، أو اصطدمت بالأخلاق المعيارية وما قد يرتبط بها من رؤي جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! غير هذه الأنواع الثلاثة من الأخلاق كثير، وجميعها يخلط بينه مقال المرشد العام لجماعة "الإخوان"، إذ يكاد يعتبرها صاحب المقال المشار إليه شيئاً واحداً علي ما بينها من فروق لها تأثيرها الحاكم علي بنية الأمة وعلي بنية الدولة كليهما.
ثم كيف يمكن أن نفسر هذه العبارة الملتبسة التي يقول فيها الدكتور بديع إن الإسلام قد اهتم بمكارم الأخلاق وجعلها مناط الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة؟ فأما أن الإسلام يدعو إلي مكارم الأخلاق، فنعم؛ وأما أن مكارم الأخلاق الإسلامية هي مناط الثواب والعقاب في الآخرة "وفقاً للعقيدة الإسلامية" فهذا صحيح جزئياً؛ لكن هذا القول إنما ينطبق علي كل العقائد الدينية، ثم هو يتباين داخل العقيدة الدينية الواحدة؛ ذلك أن قراءة النص المقدس ليست واحدة، وما يستخلصه المسلمون مثلاً - من المعاني الأخلاقية في قراءاتهم المختلفة للقرآن لا يجعل بينهم اتفاقاً بالضرورة حول ماهية مكارم الأخلاق "وفقاً للعقيدة الإسلامية"؛ الأمر الذي يجعل من القول بأن الأخلاق هي مناط الثواب والعقاب في الدنيا كما هو في الآخرة أمراً ملتبساً يصطدم بمفهوم الدولة وبمفهوم الدستور والقانون، ويذكرنا بهذا القسم الملتبس تحت قبة البرلمان الذي جعل احترام النائب للدستور والقانون مشروطاً بما يراه النائب "غير مخالف لشرع الله"، كما يري النائب "شرع الله" في مرآته هو الأخلاقية!
يطرح المرشد العام لجماعة "الإخوان" في مقاله دعوة "للعمل الراشد المؤسس علي قيم ومبادئ لا خلاف عليها بين جميع البشر"، ولا أدري والحال هذه لماذا تم إقحام الإسلام في أمر الأخلاق مادامت الأخلاق حسب قوله - مفهوماً إنسانياً يتفق عليه "جميع البشر"؟ مثل هذا الإصرار علي إقحام الإسلام في قضية الأخلاق، وهي قضية إنسانية تتجاوز فكرة الدين وإن لم تتناقض مع أيٍّ من الأديان بالضرورة، إنما يؤسس لفكرة الإقصاء والاستعلاء الديني الذي يجعل من أصحاب دين بعينه، أو مجموعة أديان بعينها، مرجعية "أخلاقية" لأصحاب الديانات الأخري، بما يجعل من الدعوة إلي "النهضة الأخلاقية" دعوة ضمنية لتأسيس ضوابط تفكير وتعبير وسلوكيات تفرض مرجعية دينية بعينها علي المجتمع يمكن أن لا توافق فهم أهل دين آخر لمفهوم الأخلاق، بل قد لا توافق حتي فهم أهل الدين الواحد لهذا المفهوم الإنساني المعقد؛ إذ قد نتفق جميعاً علي مفهوم "العفة" دون اتفاق علي تعريف إجرائي لها، وقد نتفق علي مفهوم "الصلاح" دون اتفاق علي كيف نترجمه لواقع نعايشه، ... إلخ.
يقودنا هذا في نهاية حديثنا إلي ما انتهي إليه مرشد جماعة "الإخوان" في حديثه، إذ يقول بالصيغة الآمرة نصاً: "علي وزارة التعليم تغيير المناهج بما يعلي هذه القيم في النفوس، ليتربي عليها النشء الجديد، فينشأ علي هذه القيم علماً وعملاً؛ وهذا أيضاً ينسحب علي وزارة الإعلام وكل وسائل الإعلام وكل المنظمات والهيئات والجماعات والأحزاب والنقابات والأندية الرياضية والهيئات الثقافية والفنية، كل في مجاله ونطاق أعماله"! لأية قيم يشير مرشد الجماعة في دعوته؟ وإذا كانت هي القيم "الإنسانية" العامة من الناحية "المفهومية"، فمن سيضع لهذه القيم تعريفها "الإجرائي"؟ هل يفهم البشر جميعهم "الفضيلة الأخلاقية" دون اختلاف بينهم في الفهم، أم أن كلاً يري هذه الفضيلة بمرجعياته الفكرية والنفسية والحياتية، حتي وإن اتفق الجميع من حيث المبدأ - علي أهمية الفضائل الأخلاقية؟ فإن هي اختلفت الرؤي بشأن تعريف الفضائل الأخلاقية، وهي ستختلف حتماً باختلاف البشر، فبأي الرؤي نأخذ؟ وبأي تعريف إجرائي نبني ثقافتنا ونقيم نظامنا التعليمي؟ هل هي رؤية وتعريف الجماعة للأخلاق، أم رؤية الدولة وتعريفها؟
ما هذه إلا واحدة من مواطن اختلاط الأوراق في مشروع النهضة الأخلاقية الذي يدعو إليه مرشد جماعة "الإخوان"، أعني أن الجماعة لم تستقر عبر أكثر من ثمانية عقود من تاريخها علي ما إذا كانت جماعة دعوية تعمل علي نشر ما تراه من مكارم الأخلاق، أم هي جماعة سياسية تعمل علي تأسيس ما تراه من نظم الحكم وطرائق التفكير والتعبير والسلوك المسموح بها في المجتمع تحت عنوان "الأخلاق"، بما يسمح للجماعة باستدعاء مركبة "الأخلاق" لتتجاوز بركوبها فكرة "القانون" وسلطة "النظام العام"؟!
مرة أخري، قد تنشأ الأمم مؤسسة علي الأخلاق، علي ما بين الأمم من تفاوت في رؤاها الأخلاقية؛ أما الدول فتؤسس علي فكرة النظام العام، علي ما بين الدول من اختلافات في نظمها العامة؛ واختلاط الأوراق في هذه الأمور يفسد بنية الدولة وبنية الأمة كليهما: فلا الدولة تبنيها رؤية أخلاقية، ولا الأمة تبنيها سلطة القانون؛ وما دام مرشد جماعة "الإخوان" يسترشد في بناء منطق حديثه بشعر شوقي، فبشعر شوقي ألخص منطق مقالي هذا، ففيه البيان وإن كان شعراً - بأن الأخلاق سبيل كل إنسان لإصلاح "شأن نفسه"، حاكماً كان صاحب النفس أو محكوماً، لا سبيل كل دولة لإصلاح ما فسد من أمرها، سواء أفسد أمر الدولة حكامها أو أفسدته جموع محكوميها، وفي هذا يقول شوقي:
صَلاحُ أَمْرِكَ لِلأَخْلاقِ مَرْجِعُهُ، فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالأَخْلاقِ تَسْتَقِمِ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.