هل تثور الست أمينة؟ من منا ينسي الست أمينة التي ملأت بأخبارها ثلاثية أستاذنا العظيم نجيب محفوظ؟ إنها أم فهمي البطل الشهيد، وزوجة السيد أحمد عبدالجواد، وكانت المحور الذي تدور حوله أحداث الثلاثية، الزوجة المطيعة لزوجها، صمام الأمان للأسرة كلها، الجميع يحبونها دون خوف لأنها بطبيعتها السمحة استطاعت أن تحتوي كل أفراد الأسرة. ومع ذلك لم تكن حياتها هادئة، بل كانت تعيش دائما مشدودة الأعصاب، في نوبة صحيان مستمرة علي حافة هاوية تهدد أمن أسرتها واستقرارها، لذلك كنا نتساءل: ألا تثور الست أمينة؟! والست ألطاف كانت تتخذ من الست أمينة نبراسا هاديا لها، فهي مثلها لا تثور، بل ولا يجب عليها أن تثور. كانت دائما هادئة، نشيطة، تقوم بواجباتها دون كلل أو ملل، ولما كانت نشأتها في أسرة فقيرة كثيرة الأولاد، لم تكمل تعليمها، واضطرتها ظروفها العائلية إلي شغل وظيفة حكومية بسيطة في نفس المصلحة التي كان الأستاذ حسنين رئيس قلم بها. ولما كان من المشهود لهم بالخبرة في "صنف الحريم"، فإنها لم تغب عن عينيه طويلا، وسرعان ما اختارها زوجة له. كان اختيار حسنين في محله، فالست ألطاف كانت زوجة فاضلة في البيت، وموظفة ملتزمة في العمل، يشهد لها الجميع بحسن الخلق، ولا تقصر قط حتي لا يقال أنها تستند علي مركز زوجها لكي تداري به كسلها أو إهمالها! ثم جاء الأولاد، فكانت لهم نعم الأم. أما الزوج فلابد أن يكون من أسعد الرجال، فهو محل عناية ورعاية كاملة من زوجته، أوامره مجابه، وطلباته تنفذ في الحال دون تأفف، وامتد تأثير الست ألطاف إلي خارج البيت، ليشهد لها الجيران بالطيبة وحسن المعاملة، ويعترف العمال الذين يترددون علي المنزل، والتجار الذين تتعامل معهم أنها "ست ولا كل الستات"! ولكن الغريب أن الأستاذ حسنين لم يكن - للأسف! - من أسعد الأزواج، فكل حياته منظمة، مرتبة، نظيفة، لا ينقصها شيء!.. كم كان يتمني أن يطلب قميصا فلا يجده نظيفا، أو يسألها عن بدلته، فيكون الكواء قد تأخر في إحضارها، أو أن يعود إلي البيت فلا يجد غذاءه معدا، وتطلب منه زوجته أن يأكل "أي حاجة"!.. بل وتمني لو رسب أحد أبنائه في الامتحان حتي يثور علي زوجته متهما إياها بالتقصير!.. وكم تمني لو جاءه أحد الجيران شاكيا.. من أي شيء حتي ولو كان تافها!.. إذ كان يود لو أمسك لها زلة أو خطأ يعايرها به.. ولكن للأسف، الست ألطاف لا تخطيء! ولكي يقضي علي الرتابة التي تتصف بها حياته مع زوجته، أعد خطة محكمة لإثارتها. فكان يتعمد أن يغازل إحدي زميلاتها في وجودها، فلا تغضب، وعندما تشكو لها الزميلة مما فعله زوجها، تقول ببساطة أنها مجرد دعابة بين الزملاء! .. فلما لم تفلح هذه الخطوة، انتقل إلي غيرها، وذلك بالثورة عليها وعلي الأولاد لأوهي الأسباب، وأحيانا بلا سبب، ولكنها بهدوئها وقوة أعصابها كانت تجتاز الأزمة بسلام! وكان علي الزوج البحث عن وسيلة أخري، وإذ به يتغيب عن العمل وعن البيت ثلاثة أيام لم تعلم الزوجة عنه خلالها إلا أنه في أجازة، ولكي تبدو وكأنها لم تفاجأ مثل الجميع بهذه الاجازة، كانت تبرر غياب زوجها بأنه سافر لإجراء بعض الفحوص الطبية.. وعندما يعود الزوج، يتعمد ألا يختلق عذرا.. فكل ما هناك أنه سافر بحثا عن التغيير، فيكون العذر أقبح من الذنب، ولكنه لا يهتم. وتمضي الحياة لفترة أخري. وإزاء هذه الزوجة التي لا تخرج قط من هدوئها، سعي الزوج إلي إحداث زلزال بأن أشاع أنه يبحث عن زوجة ثانية، فربما تثور، وقد تغادر المنزل لأنها لن تقبل أن تعيش فيه مع ضرة!.. ولكنها كانت تقابل مثل هذه الشائعات بابتسامة هادئة، وعندما فاجأها الزوج بأنه ينوي فعلا الزواج قالت له: "هذا شرع الله .. وهو حقك!" وأسقط في يد الزوج.. وهكذا اتخذ له زوجة ثانية، ولم يذهب في بحثه بعيدا، بل كانت زميلة لألطاف في نفس الإدارة، ولكنها - طبعا - أكثر جمالا وشبابا! وبدلا من أن يحسده زملاؤه، صار مجالا للتندر لهم، فهو يجمع في إدارته بين زوجتيه!.. والشهادة لله، لم تقلع الست ألطاف عن وداعتها وكرم أخلاقها حتي مع ضرتها التي كانت تغير منها.. وكان العكس هو المفروض!.. حاول حسنين أن ينصب نفسه قاضيا بين الضرتين.. ولكن هيهات، فقد تفوقت الزوجة الثانية في رعونتها.. وكم تطاولت علي زوجها ورئيسها في العمل بالسب أمام موظفيه.. وضاعت هيبة الأستاذ حسنين، وأحيل أكثر من مرة إلي التحقيق، ثم أوقف عن العمل. وكانت الطامة الكبري عندما طلبت الزوجة الثانية الطلاق.. وكان لها ما أرادت، ونقلت إلي ادارة أخري. وعوقب الزوج بإيقاف ترقيته ، بينما ظلت ألطاف في مكانها تؤدي عملها بهمة ونشاط، ولا تفارق الابتسامة شفتيها! فقد الزوج حماسه للعمل، وسكنت الأمراض جسمه، وكان هذا هو نصيبه الذي خرج به من معركته مع زوجة كان كل خطئها أنها أرادت الحفاظ علي بيتها وأولادها، وأنها اختارت أن تعيش في هدوء، فلا تثور! لعل السيد أحمد عبدالجواد كان أكثر حكمة وفطنة عندما رأي في هدوء الست أمينة وفي قوة أعصابها نعمة حافظ عليها، بدلا من أن تكون نقمة كما رأي الأستاذ حسنين، فثار عليها! في ليلة غاب عنها مانولي أنا لم أر جدي فقد مات قبل أن أولد بسنوات طويلة، ولكني سمعت عنه ... إذا يقال أنه كان "طول وعرض" .. ويتباري الجميع في وصف عينيه .. فهما رماديتان، كحيلتان، ورموشه "كده كده"! ويرفع المتحدث يده ليعرض لنا كيف كانت رموش جدي طويلة، بطول كفه!.. وكان - وهذا هو الأهم - ابن حظ !.. وليزيد المتحدث كلامه إيضاحا، يكثر من ضرب الأمثلة .. فكان جدي لا يعود للمنزل للنوم إلا بعد أن يكون قد أتي علي زجاجة كبيرة من " عرق البلح" في خمارة مانولي .. وعندنا في الصعيد الجواني، لابد من وجود مانولي في كل قرية .. ولا يكتفي مانولي هذا بتقطير "عرق البلح" وإعداده من وراء ظهر الحكومة، بل كان مسئولا أيضا عن كل ما يخص مزاج زبائنه .. فعند مانولي تكون "القعدة"، وما من غازية تمر بالقرية إلا وتبقي أياما قبل أن تعاود الرحيل!. وبعكس جدي، كان أبوه "رجل جد". ولو كنت صعيديا مثلنا لفهمت كيف يكون الإنسان "جد".. بمعني ألا يعجبه" الحال المايل "ولا" المشي البطال"، وهما أهم صفتين كان جدي يتصف بهما! .. لذلك عندما لاحظ جدي الكبير أن ابنه لا يهتم بزراعة الأرض، وهي المهنة الوحيدة لكل أفراد أسرتنا، قرر أن يزوجه، فلا يرتبط الإنسان بأرضه إلا عن طريق الزواج، وهو مسئولية تتطلب "فتح بيت "و" خلفة أولاد". وتنفيذا لقرار جدي الأكبر، كان لابد من التربص بجدي الأصغر، واللحاق به في البيت قبل خروجه للسهرة اليومية عند مانولي. ولما كان جدي يقضي النهار في النوم، كان يجب إيقاظه فيما بين المغرب والعشاء لإتمام الزواج. وكان كل شيء قد أعد سلفا، فالحجرة موجودة، وهي مجهزة بما يلزم لكل حجرات المنزل.. سرير وكنبة وحصيرة وصندوق للثياب .. والعروسة أيضا موجودة، وهي أم الخير ابنة خاله، وقد نشأت في نفس البيت، ولابد أنه رآها مرة أو مرتين، علي الأقل وهي صغيرة تلعب مع الأولاد. أما الآن، وبعد أن صارت عروسة، فلن يراها إلا وهي مغطاة بالملس الأسود من قمة رأسها إلي أخمص قدميها .. هذا هو سلو بلادنا في الزواج!.. عندما تم إيقاظ جدي ومواجهته بالأمر الواقع، ثار ثورة عارمة، وتفوه بألفاظ لا تسمع في بيوت الأشراف مثلنا. وما أن سمع جدي الأكبر بما حدث، غادر مجلسه مع المأذون وأعمام وأخوال العريس والعروسة، واتجه إلي حجرة جدي فوجده لايزال بثيابه الداخلية.. بل ويرفض أن يضع علي جسمه الجلباب الكشمير الذي أعده لهذه المناسبة. وكان الموقف يتطلب من جدي الكبير حزما وحسما. لذا لم يحاول أن يستفسر عن سبب للرفض، بل رفع صوته مجلجلا: - البس خلجاتك وتعالي حالا لمجلس الرجالة. والمصيبة أن تجرأ جدي وأعلن رفضه : "لَعْ.. مالابسش." وبدون مناقشة، ضرب جدي الأكبر الحائط بقبضة يده، وكان عفيا، وكانت الحائط من الطوب اللبن، فأحدث بها فجوة. وكانت الخطوة الثانية أن انتزع قالبا من الحائط. أما الخطوة الثالثة، فكانت أن ضرب جدي الأصغر بالقالب، ففتح رأسه وسالت منها الدماء غزيرة. تم كل هذا بسرعة أخرست الجميع. توالي كل ما وقع بعد ذلك بدقة ونظام غريبين، وذلك بفضل شخصية جدي الأكبر القوية.. إذا ملئ الجرح بالبن، وربط رأس العريس بشال عمامته، وألبس الجلباب الكشمير وأقتيد إلي مجلس الرجال ليوقع أوراقا، وأخيرا أقتيد إلي حجرة العروسة الممتلئة بنسوة ملثمة بالسواد، وارتفعت زغاريد، وتبادل الحاضرون التهنئة. وبات العريس في حجرة عروسته، وفي الصباح.. كان فص ملح وداب ..اختفي العريس، بعد أن ترك العروسة حاملا، فكان عليها أن تقضي مدة حملها في البيت الكبير، وهو فعلا كبير لأنه يسع الجميع. ثم وضعت بنتا أسمتها.. بل أسماها لها الجميع إلا هي.. فلة. وسارت الأمور بعد ذلك بالبنت وأمها سيرا طبيعيا.. وهكذا تسير دائما الأمور في الصعيد.. فالكل يعيش، والكل يأكل ويشرب، ولا أحد يعرف كيف.. أكثر من عشرين عاما عاشتها أم الخير بلا زواج، لا تعرف عنه شيئا، فقط عندما يذكر اسمه أمامها، تشيح بوجهها، وتمد أصابعها خلسة لتمسح بها دمعة سالت علي خدها. فمن العيب أن يبكي أحد في الصعيد!.. ولا حتي النساء!.. ولا حتي المرأة التي اختفي زوجها من يوم الصبحية! ثم ماتت أم الخير. لم تشكل فلة مشكلة لأحد .. فهي تأكل وتشرب وتنمو، ولكنها - في قرارة نفسها - كانت تشعر أنها ليست كبقية أبناء العائلة وبناتها.. فهي الوحيدة التي لم تعرف لها أبا. وكثيرا ما كانت تنادي عمها أو خالها قائلة "يا آبه! "، ولكنها تعرف أنه ليس أباها. أما جدي، فلا أحد في القرية يعرف كيف أمضي هذه الأعوام التي تربو علي العشرين.. المهم أنه لكي يبعد تماما عن تلك الزيجة التي أرغم عليها، اختار أن تكون هجرته إلي الوجه البحري، بل إلي أبعد نقطة فيه، إلي دمياط حتي لا يجد فيها أحدا يعرفه. وهناك عاش، وهي كلمة تحتمل التأويل، خاصة أن لجدي باعا طويلا في الصعلكة والصرمحة.. إلي أن تزوج حسنية، زوجته الثانية، وهي ابنة صاحبة المنزل، التي عطفت عليه وأوته وتحملته كثيرا في أيام الفقر. وكان رد الجميل أن تزوج ابنتها التي أنجب منها بنتين وولدين، أحدهما مازال رضيعا تحمله أمه علي كتفها. إلي هنا يمكن أن نقول أن الأمور تسير في مجراها الطبيعي، فقد استقرت أحوال جدي وبدأ ينعم بالهدوء ويتفرغ لتنمية ثروته وتربية أولاده. ومع ذلك، كانت في قلبه شوكة كلما تذكر أن له في القرية البعيدة ابنة تخصه وتتسمي باسمه.. حتي أنه حلم بها ذات ليلة، رآها تناديه وتجري نحوه ليأخذها بين ذراعيه. وكان القرار الصعب، خاصة وقد علم من أحد بلدياته أن والده توفي.. فكيف يترك ابنته في كنف من يربيها نيابة عنه؟.. لذلك سافر. وفي بيت الأسرة، وجد ابنته وقد صارت شابة.. فعاد بها إلي دمياط. وهنا لن نتوقف للحديث عن انتزاع البنت من بيئة تربت وترعرعت فيها إلي بيئة أخري غريبة، وإلي بيت فيه زوجة لأبيها ليست أمها.. كل هذا ترف لا يعرفه أهل الصعيد، فالبنت تعيش مع عائلتها، وتتزوج من يختارونه لها.. الكل يقرر لها، وهي لا تقرر قط لنفسها! تحققت مشيئة جدي، فهل أسعده ذلك؟.. أبدا. في الواقع البنت لم تتكلم، ولم تعترض بل قبلت أن تنقل من مكان إلي مكان وكأنها قطعة أثاث، كما حاولت - علاوة علي ذلك - أن تكون نافعة للجميع، فشاركت بإخلاص في أعمال المنزل، وفي خدمة إخواتها الصغار.. ولكن جدي لم يكن سعيدا، ولا يعرف لماذا ليتها تعانده، تعصاه، ترفض له طلبا.. أبدا. كانت البنت مثالا للطاعة العمياء، بلا مناقشة أو اعتراض.. وكان هذا يزيد من تعاسته! وذات يوم، بينما كان يتحدث إليها - وهذا قلما يحدث، نظر إليها، فاكتشف السبب الذي غاب عنه طويلا. كانت البنت صورة طبق الأصل من أمها.. أم الخير.. السبب في كل ما حدث في هجرته من موطنه، في تغيير حياته من النقيض إلي النقيض، في غضب والده عليه حتي أنه حرمه من الميراث.. وها هي أم الخير تبعث من جديد في بيته لتنغص عليه راحة باله. فإن كان قد اختار فيما مضي أن يهجر الزوجة التي فرضت عليه، فهل يقبل الآن أن تظل صورتها طول الوقت أمام عينيه؟! وكما كان قرار السفر إلي القرية لإحضار فلة، كان قرار العودة بها ثانية إلي القرية.. وفي الحالتين كان القرار لجدي وحده، أما فلة، فقد ذهبت مع والدها، ثم عادت دون أن تعرف لذلك سببا.. وحتي لو عرفته، فلن يسألها أحد عنه! فهل كانت فلة ضحية لليلة غرام جمعت بين والديها قسرا في ظروف خاصة؟.. ربما