طلعت فهمي: حكام العرب يحاولون تكرار نكبة فلسطين و"الطوفان" حطم أحلامهم    وزير النقل يكشف موعد افتتاح محطة قطارات الصعيد الجديدة- فيديو    تعرف على أسباب نقص معاش الضمان الاجتماعي 1445    د.حماد عبدالله يكتب: تراكم التجارب "رصيد للأمة المصرية "    فصائل عراقية تعلن استهداف موقع إسرائيلي في إيلات باستخدام الطيران المسير    الرئيس السيسى يصل البحرين ويلتقى الملك حمد بن عيسى ويعقد لقاءات غدًا    عماد الدين حسين ل«الشاهد»: إسرائيل تستغل أحداث 7 أكتوبر لتنفيذ مخططات الصهيونية    غارات إسرائيلية انتقامية تستهدف حزب الله شرقي لبنان (فيديو)    بقيادة الملك الغاضب أليجري.. يوفنتوس يتوج بلقب كأس إيطاليا على حساب أتالانتا    تين هاج: لا نفكر في نهائي كأس الاتحاد ضد مانشستر سيتي    رئيس الترجي يستقبل بعثة الأهلي في مطار قرطاج    أبرزها إنبي أمام فيوتشر، حكام مباريات اليوم في الدوري المصري    وزير الرياضة يطلب هذا الأمر من الجماهير بعد قرار العودة للمباريات    4 سيارات لإخماد النيران.. حريق هائل يلتهم عدة محال داخل عقار في الدقهلية    دفنه في حظيرة المواشي.. مقتل طالب إعدادي على يد صديقه لسرقة هاتفه المحمول في الإسماعيلية    حظك اليوم برج العذراء الخميس 16-5-2024 مهنيا وعاطفيا    ماذا قال نجل الوزير السابق هشام عرفات في نعي والده؟    طريقة عمل الدجاج المشوي بالفرن "زي المطاعم"    منها البتر والفشل الكلوي، 4 مضاعفات خطرة بسبب إهمال علاج مرض السكر    «فوزي» يناشد أطباء الإسكندرية: عند الاستدعاء للنيابة يجب أن تكون بحضور محامي النقابة    سعر الفراخ البيضاء وكرتونة البيض بالأسواق فى ختام الأسبوع الخميس 16 مايو 2024    كم متبقي على عيد الأضحى 2024؟    مباشر الآن.. جدول امتحانات الثانوية العامة 2024 thanwya في محافظة القليوبية    «البحوث الفلكية» يعلن عن حدوث ظاهرة تُرى في مصر 2024    تأجيل أولى جلسات مُحاكمة المتهمين في حريق ستديو الأهرام ل 26 يونيو    الصحة الفلسطينية: شهيد ومصابان برصاص قوات الاحتلال في مدينة طولكرم بالضفة الغربية    أسما إبراهيم تعلن حصولها على الإقامة الذهبية من دولة الإمارات    قمة البحرين: وزير الخارجية البحرينى يبحث مع مبعوث الرئيس الروسى التعاون وجهود وقف إطلاق النار بغزة    عاجل - الاحنلال يداهم عددا من محلات الصرافة بمختلف المدن والبلدات في الضفة الغربية    الدوري الفرنسي.. فوز صعب لباريس سان جيرمان.. وسقوط مارسيليا    أحذر تناول البطيخ بسبب تلك العلامة تسبب الوفاة    شريف عبد المنعم: مواجهة الترجي تحتاج لتركيز كبير.. والأهلي يعرف كيفية التحضير للنهائيات    بداية الموجه الحارة .. الأرصاد تعلن حالة الطقس اليوم الخميس 16 مايو 2024    «الخامس عشر».. يوفنتوس يحرز لقب كأس إيطاليا على حساب أتالانتا (فيديو)    وزير النقل يكشف مفاجأة بشأن القطار الكهربائي السريع    قصور الثقافة تطلق عددا من الأنشطة الصيفية لأطفال الغربية    مشهد مسرب من الحلقات الجديدة لمسلسل البيت بيتي 2 (فيديو)    ماجدة خير الله : منى زكي وضعت نفسها في تحدي لتقديم شخصية أم كلثوم ومش هتنجح (فيديو)    تعرف على رسوم تجديد الإقامة في السعودية 2024    رئيس تعليم الكبار يشارك لقاء "كونفينتيا 7 إطار مراكش" بجامعة المنصورة    هولندا تختار الأقصر لفعاليات احتفالات عيد ملكها    سعر الذهب اليوم في السعودية وعيار 21 الآن الخميس 16 مايو 2024    حسن شاكوش يقترب من المليون بمهرجان "عن جيلو"    كريم عفيفي يتعاقد على بطولة مسلسل جديد بعنوان على الكنبة    فرقة فاقوس تعرض "إيكادولي" على مسرح قصر ثقافة الزقازيق    وزير التعليم العالي ينعى الدكتور هشام عرفات    ننشر فعاليات الاجتماع التشاوري بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال    عصام صاصا التريند الثالث على اليوتيوب    تعرف على أسعار الحديد والأسمنت في سوق مواد البناء اليوم الخميس 16 مايو 2024    انطلاق معسكر أبو بكر الصديق التثقيفي بالإسكندرية للأئمة والواعظات    جامعة كفر الشيخ تطلق قافلة طبية وبيطرية بقرى مطوبس    أمين الفتوى يكشف عن طريقة تجد بها ساعة الاستجابة يوم الجمعة    هل الحج بالتقسيط حلال؟.. «دار الإفتاء» توضح    أمين الفتوى يحسم الجدل حول سفر المرأة للحج بدون محرم    محافظ مطروح: ندعم جهود نقابة الأطباء لتطوير منظومة الصحة    «تضامن النواب» توافق على موازنة مديريات التضامن الاجتماعي وتصدر 7 توصيات    ب عروض مسرحية وأغاني بلغة الإشارة.. افتتاح مركز خدمات ذوي الإعاقة بجامعة جنوب الوادي    حكم وشروط الأضحية.. الإفتاء توضح: لا بد أن تبلغ سن الذبح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدوائر القريبة للأمن القومى المصرى.. استعادة المكانة فى إفريقيا والبحرين الأحمر والأبيض المتوسط
نشر في الأهرام اليومي يوم 16 - 08 - 2017

تحظى الدائرة الإفريقية بأهمية كبيرة لمصر، خاصة فى الوقت الراهن، إذ تسعى مصر للحصول على العضوية الدائمة فى مجلس الأمن، ممثلة عن قارة إفريقيا، وهو ما يستلزم جهدا كبيرا. يرقى إلى حد المعركة السياسية فى كواليس الأمم المتحدة.

ومصر، أكبر دولة فى إفريقيا، لن يكفيها الارتكاز على قوتها النابعة من المكانة الحضارية، والتاريخية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، بل عليها استعادة قوتها، فى إفريقيا، التى كانت لها منذ أكثر من خمسين عاما، فى عهد الرئيس عبد الناصر، الذى أنشأ «منظمة الوحدة الافريقية» منذ ثلاثة وخمسين عاما، وساند جميع حركات التحرر فى إفريقيا، وجمع حوله كل القادة الأفارقة،فكانت مصر هى السند والعضد.
وامتدت مساعدات مصر، لدول إفريقيا، إلى المجال العسكري؛ فعندما تعرضت نيجيريا، إلى حركات انفصالية، أرسل عبد الناصر، الطائرات المصرية لدعم الحكومة النيجيرية فى القضاء على الانفصاليين، ومن يومها تدين نيجيريا، باستقرارها، لمصر. كما ساعدت مصر العديد من الدول الإفريقية فى بناء قواتها المسلحة، بل شاركت بقواتها، ضمن قوات حفظ السلام، فى مناطق التوتر فى إفريقيا، مثلما حدث فى الكونغو، عندما شاركت القوات العربية، آنذاك، بقيادة الفريق سعد الدين الشاذلي. إضافة إلى استقبال جميع حركات التحرير فى القاهرة، وتقديم جميع أشكال الدعم لها؛ سياسيا، واقتصاديا، وعسكريا. فضلا عما قدمه عبد الناصر من مساعدات فنية واقتصادية لجميع الدول الإفريقية؛ فكان لشركة «مصر للتصدير والاستيراد» فروع فى جميع العواصم الإفريقية. وأرسلت مصر خبراءها من المعلمين، ورجال الدين، وخبراء الرى والزراعة، إلى الدول الإفريقية. واستقبلت العديد من الطلاب الأفارقة فى معاهدها وجامعاتها؛ وعندما نمر اليوم على «مدينة البعوث» فى شارع صلاح سالم، نتذكر أن هذه المدينة تم بناؤها، بالكامل، لاستقبال الطلاب الأفارقة، الوافدين للدراسة فى مصر. كل هذه الأعمال زادت من تقارب المصريين والأفارقة؛ فكانت زيارة القاهرة، يوما، حلما يراود الجميع، باعتبارها عاصمة التنوير والثقافة.
وتدريجيا حدث انهيار فى الوجود المصرى فى إفريقيا، حتى جاءت المشاركة فى مؤتمر القمة الإفريقية، كأول زيارة خارجية يقوم بها الرئيس السيسى بعد توليه رئاسة الجمهورية. وتتابعت زيارات الرئيس السيسى إلى أثيوبيا، والسودان، وجنوب إفريقيا، فبدا جلياً أنه يعمل على إعادة مصر إلى إفريقيا. وأرى أن التحول المصرى إلى إفريقيا، فى الفترة المقبلة، لابد أن يسير فى عدة اتجاهات:
الاتجاه السياسى من خلال وزارة الخارجية المصرية، التى أرى أن يكون أول إجراءاتها فى إعادة منصب وزير الدولة للشئون الإفريقية؛ تلك الحقيبة التى حملها الدكتور بطرس غالي، وأدارها باقتدار، مؤدياً إلى زيادة الوجود المصرى السياسى فى دول إفريقيا، دونما مساس بسيادة تلك الدول. ويكفى للتدليل على أهمية دوره، ذكر مساندة الدول الإفريقية له، خلال معركته لتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة. كما يجب أن تستفيد الخارجية المصرية من العضوية غير الدائمة لمصر فى مجلس الأمن، لتبنى المشكلات الإفريقية عند عرضها على المجلس؛ فتصبح مصر، أمام المجتمع الدولي، مسئولة عن قضايا الأمن الأفريقي. كما يجب عليهاالمشاركة فى القضايا المهمة، التى تمس الأمن القومى لدول إفريقيا، مثل مشكلة بوروندي، والنزاع القائم فى جنوب السودان، إضافة إلى التعاون مع دول إفريقيا فى محاربة الإرهاب، خاصة بعد تولى مصر رئاسة إقليم شمال إفريقيا لمكافحة الإرهاب. واتصالاً بتلك الجهود السياسية والدبلوماسية، أقترح قيام الخارجية المصرية بعقد لقاء شهرى مع السفراء الأفارقة بالقاهرة، لتنسيق مطالبهم من مصر فى دعم قضاياهم، من خلال عضوية مصر غير الدائمة، فى مجلس الأمن.
ثانيا،الاتجاه العسكري، وأعتقد أن جميع الدول الإفريقية، باستثناء جنوب إفريقيا، فى حاجة إلى دعم مصر العسكري، سواء كان هذا الدعم فى صورة أسلحة ومعدات، أو تدريب،أو تعاون معلوماتى ... المهم أن توجد مصر، بدعم عسكري، لتقطع الطريق أمام إسرائيل وإيران للوجود العسكرى فى القارة!
الاتجاه الثالث، والأهم، وهو الاتجاه الاقتصادي، حيث يجب التركيز على أن تكون الصادرات المصرية هى المدخل إلى قلب إفريقيا، وأن تكون الواردات المصرية من إفريقيا هى أحد العوامل المؤثرة فى اقتصادات تلك الدول، لما تمثله تلك الروابط الاقتصادية من مؤثرات قوية على العلاقات بين الدول. فيجب عودة الشركات المصرية لجميع الدول الإفريقية، فى جميع المجالات، خاصة مشروعات البنية التحتية. إضافة إلى تقديم الخبرات المصرية عن طريق وزارات الكهرباء والزراعة. فضلاً عن دعم صندوق التعاون الإفريقي، وإحياء دور البنك المصرى الإفريقى فى إقراض الدول الإفريقية، التى تتمتع بصوت له وزن فى الأمم المتحدة، وغيرها من المحافل الدولية،لتصبح مصر هى المحرك الرئيسى للمحور الاقتصادى بالدول الإفريقية.
وأخيراً، الاتجاه الثقافي، الذى لا يقل أهمية عن سابقيه. فلا يجوز إغفال دور الأزهر والكنيسة، لتدعيم العلاقات الدينية مع الدول الإفريقية. أما البعثات التعليمية، فعلى مصر إعادة توفير المنح الدراسية للطلاب الأفارقة، فى جميع المجالات العلمية. وأن يفتح معهد الدراسات الإفريقية أبوابه مجدداً، لدراسة مشكلات القارة الإفريقية، واقتراح حلول لها. يضاف إلى ذلك، فرص التعاون فى المجالات الثقافية، التى تجذب الشباب، وتشكل أفكارهم ووجدانهم؛ فيجب إقامة فاعليات ثقافية، تجمع مصر مع جميع الدول فى إفريقيا. وفى سياق متصل، فإن اختيار (الكاف) الاتحاد الإفريقى لكرة القدم، لمقره فى القاهرة، ما يوضح أهمية مصر بالنسبة لإفريقيا على الصعيد الرياضي، وهو ما يجب تعزيزه، من خلال زيادة عدد الاتحادات الرياضية، الإفريقية فى مصر، بتقديم التسهيلات المناسبة، لتصبح مصر قلب القارة الإفريقية فى مجال الرياضة.
ننتقل إلى دائرة البحر الأحمر، كواحدة من أهم الدوائر القريبة للأمن القومى المصري، والتى ستؤثر بشكل مباشر على أمن مصر، وسلامتها، واقتصادها فى الفترة المقبلة. فحتى وقت قريب، كنا فى حديثنا عن البحر الأحمر، نعرفه بكلمة «بحيرة عربية». فكل الدول المطلة على البحر الأحمر، مصر والسعودية والسودان واليمن وأريتريا وجيبوتى والصومال، أعضاء فى جامعة الدول العربية. وأتذكر خلال التخطيط لحرب أكتوبر 73، أن مصر أرادت توجيه ضربة قوية، وموجعة إلى إسرائيل، وهو ما دعا المخطط المصرى للتفكير فى إغلاق الملاحة فى منطقة باب المندب أمام السفن الإسرائيلية، أو السفن التى تحمل بضائع إلى إسرائيل عن طريق ميناء إيلات،فتحول الميناء إلى مدينة أشباح، بدءا من يوم 6 أكتوبر.
وأتذكر عودة اللواء الجمسي، إلى القيادة العامة، بعد أولى جلسات «مباحثات الكيلو 101»، وكنا جميعا فى انتظاره لمعرفة ما حدث، فكان أول ما نطق به عند دخوله لمقابلة المشير أحمد إسماعيل، أن قال «يا فندم موضوع إيلات ده وجعهم أوى ... معظم مناقشاتهم على الترابيزة تدور حول فتح باب المندب. وكان الرد أمام معظم طلباتنا ... طيب افتحوا باب المندب»، وأضاف اللواء الجمسى «وإحنا بنركب العربيات، كانت آخر جملة قالها رئيس الوفد الإسرائيلى هارون ياريف، مدير المخابرات الإسرائيلية أوعى تنسى فتح الملاحة فى باب المندب».
ويجب تأكيد أن إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية، تم بناء على خطة مصرية، بالغة الدقة، والسرية. حيث تم استطلاع الجزر المسيطرة على المضيق، وتم تحديد أماكن تمركز القطع البحرية المصرية التى ستغلق الملاحة، كما تم التنسيق مع الجانب اليمنى على أسلوب تقديم الخدمات اللوجستية لهذه القطع البحرية، دون إطلاع الجانب اليمنى على طبيعة العملية، أو المهمة، وإدراجها تحت اسم شركات مدنية، تجارية. فتحقق، لهذه العملية أكبر قدر من السرية، ولم يعلم بها الجانب الإسرائيلى إلا يوم 6 أكتوبر، الساعة 12 ظهرا، عندما أعلنت مصر إغلاق الملاحة فى باب المندب أمام السفن الإسرائيلية. وبعد حرب أكتوبر 73، حاولت إسرائيل الوجود فى هذه الجزر بأى صورة من الصور، أو حتى بوضع نقط للمراقبة، إلا أنها لم تنجح بفضل يقظة المخابرات المصرية.
وظلت هذه المنطقة هادئة، حتى تدهور الوضع الأمنى فى الصومال؛ التى عجزت عن السيطرة على الفئات المتناحرة. فقامت عناصر مسلحة باعتراض السفن الدولية عند باب المندب، وظهر، لأول مرة، فى هذه المنطقة، أسلوب القرصنة البحرية ضد هذه السفن. وعلى الفور تحركت مصر، ومعها بعض الدول الأوروبية، وأمريكا وتم تشكيل قوة بحرية Task Force للتصدى لهذه القرصنة، بالاعتماد على القواعد البحرية، الفرنسية والأمريكية، فى جيبوتي. وخلال بضعة أشهر، تم القضاء على القراصنة الصوماليين، وعاد الأمن إلى منطقة باب المندب، وإن ظلت المراقبة مستمرة هناك، لضمان عدم عودتهم. لكن تدهور الوضع حاليا فى اليمن، وسيطرة الحوثيين وأنصار على عبد الله صالح على اليمن الشمالية، وعدن، أعاد التهديد،مجدداً، لباب المندب،على الرغم من عدم تهورهم فى محاولة التعرض للملاحة فيه، خشية انقلاب المجتمع الدولى عليهم.
لقد قصدت من هذا السرد المفصل توضيح أهمية هذا المضيق للملاحة العالمية عامة، ولمصر وقناة السويس خاصة، التى تمثل ثلث الدخل القومى المصري.من ذلك العرض تبرز أهمية تأمين هذه الدائرة المهمة من دوائر الأمن القومى المصري، وأرى أن يرتكز التعامل فيها على محورين أساسيين؛
أولاً: عربيا، من خلال اتفاقية إقليمية لتأمين المنطقة بالكامل تضم جميع الدول المطلة على البحر الأحمر، مصر والسعودية والسودان واليمن وأريتريا وجيبوتى والصومال، فى إطار اتفاقيات عديدة؛ سواء المعنية بتقوية العلاقات الاقتصادية مع هذه الدول، خاصة إريتريا وجيبوتى والصومال، أوالمعنية بالعلاقات السياسية، والمجالات الثقافية. وأخيراً يتوج هذا كله بالتعاون العسكري، دونما خوض فى تفاصيله، فهذا مجاله الخطط العملياتية المشتركة بين هذه الدول، والتدريب المشترك، والتعاون المعلوماتي. مع الوجود الدائم والمستمر فى الجزر الواقعة على الممر الملاحي، ليس بالضرورة بالقوات، ولكن بالبدائل المتاحة،لتكون فيها الأعين المصرية تراقب، وتحذر من أى وجود أجنبي.
ثانيا: دوليا، من خلال اشتراك مصر مع القوى العالمية التى يمكن أن تتأثر بأى اضطرابات فى مضيق باب المندب، والملاحة فى قناة السويس. وذلك بالاستفادة من الخبرة المكتسبة من التجمع القتالى الذى تم من قبل، للقضاء على تهديد القراصنة الصوماليين، من خلال التعاون بين مصر وأمريكا، والدول الأوروبية، لإعداد خطة تأمين يتم فيها تحديد حجم القوات المشاركة، وأسلوب التعاون، وشكل القيادة العسكرية لهذه القوات، إضافة إلى تنظيم العمليات اللوجستية لتحقيق التأمين الإدارى والطبى للقوات المشاركة. ويفضل، أن تعمل الدبلوماسية المشتركة لهذه الدول على تحقيق ذلك فى إطار قرار من الأمم المتحدة، لإضفاء الشرعية الدولية على عمل هذه القوات.
إن دائرة الأمن القومى فى البحر الأحمر من أهم الدوائر، لدورها فى تأمين قناة السويس كأهم مجرى مائى فى العالم، ليس لمصر فقط، وإنما لحركة التجارة العالمية.
وأخيراً، دائرة البحر الأبيض المتوسط، الذى كان يُعرف، فى الماضي، بأنه «بحيرة عربية أوروبية»، محدودة الصراعات. فالبحر الأبيض المتوسط يمثل شواطئ شمالية للدول العربية وإسرائيل، وشواطئ جنوبية للدول الأوروبية المطلة عليه، مع منفذ لتركيا من البحر الأسود للعالم الخارجي، ويتحكم فيه من الغرب مضيق جبل طارق.
ظلت الأمور هادئة فى البحر المتوسط، إلا من المناوشات بين تركيا واليونان حول قبرص، أو خلال فترات الحروب بين مصر وإسرائيل، واحتفظ البحر المتوسط بسمته الآمنة كممر للتجارة العالمية، وخاصة نقل البترول من دول الخليج، مرورا بقناة السويس، إلى دول أوروبا، ومن خلال مضيق جبل طارق إلى أمريكا، ودول أوروبا الشمالية. وظل البحر المتوسط بحيرة هادئة، لا يعكر صفوه أى نزاعات، رغم وجود العديد من الدول المطلة عليه. وكانت هذه الدائرة، بالنسبة لمصر، من أكثر الدوائر هدوءا، خاصة بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وفى ظل تمتع مصر بعلاقات طيبة مع جيرانها، المطلة على البحر المتوسط،بما فيها تركيا، قبل وصول أردوجان للحكم.
وفجأة، تغيرت الأوضاع تماما مع بدء ظهور دراسات جيولوجية عن المنطقة، تنبئ بوجود بترول، وغاز طبيعى فى أعماق البحر المتوسط، فتسابقت الشركات العالمية لتوقيع اتفاقيات مع دول المنطقة، لبدء الحفر لاكتشاف الغاز الطبيعى فى المنطقة. وتؤكد الدراسات أن المناطق المتوقع وجود الغاز الطبيعى فيها بكميات كبيرة جداً تقع قبالة السواحل المصرية، وتحديداً شمال الدلتا، وفى جزء من السواحل الغربية لإسرائيل، وتمتد هذه المناطق حتى اليونان وجزيرة قبرص. لذا بدأ استنفار هذه الدول مبكراً،وانضمت إليهما تركيا، لسيطرتها على جزء من قبرص، والمعروفة بقبرص التركية. فقام الرئيس السيسى بثلاث زيارات، متعاقبة، لكل من قبرص واليونان، حيث تم ترسيم الحدود البحرية معهما.
وسبق هذا ترسيم بين مصر وإسرائيل، عندما بدأت إسرائيل أول اكتشافاتها فى حقلى تمار وليفياثان، وذلك لمنع ولتفادى أى نزاعات مستقبلية.
وحديثاً ظهرت وثيقة أمريكية، تؤكد أن البحر المتوسط «يطفو فوق بحيرة من الغاز الطبيعي، فى مناطق مصر وشمال الدلتا، وجزء من إسرائيل، وقبرص، واليونان». ولقد حددت هذه الوثيقة، أنه بحلول عام 2020، ستصبح مصر من أكبر الدول المنتجة للغاز الطبيعي، من حقولها الجديدة، وأن هذا الإنتاج سيحقق لمصر اكتفاء ذاتيا فى مجالات الصناعة، والاستهلاك المنزلي، علاوة على فائض للتصدير. وأضافت الوثيقة الأمريكية، أن هذه الوفرة فى الإنتاج ستمكن مصر من مد خط لتصدير الغاز إلى أوروبا، عبر قبرص واليونان، وستشاركها الدولتان فى استخدام الخط نفسه لتصدير فائض إنتاجهما. كما أن نوعية الغاز المكتشف، حاليا، فى مصر من أجود أنواع الغاز الطبيعي، وأن تصديره، مستقبلا، إلى أوروبا، سيعد الأقل تكلفة، مقارنة بدول أخري، لما يحققه التصدير عبر أنابيب الغاز من وفر كبير، بدلا من تحويله إلى (LNG)، أى سائل، ثم إعادة تحويله إلى غاز، فى دولة الاستقبال. وتؤكد الوثيقة الأمريكية أن هذه الاكتشافات هى ما دعت الرئيس السيسى إلى توقيع اتفاقيات تعاون مع قبرص واليونان، وانتهت، أخيرا، بمناورة عسكرية، تأكيداً للتفاهم، وعمق التعاون بين الدول الثلاث.
أما على جانب مصر، فقد أكدت الوثيقة أن الرئيس المصرى دعم قدرات مصر الدفاعية، بعيدا عن المظلة الأمريكية، من فرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، بهدف حماية استثمارات مصر المستقبلية فى منطقة البحر المتوسط. وهو إجراء تلتزم به جميع الدول؛ إذ تؤمن اقتصادها ومواردها، بقوة عسكرية على أعلى درجات الكفاءة والاحتراف.
وأتوقع أن مصر ستواجه، خلال المرحلة المقبلة، بعض العداءات الدولية، وأخص بالذكر تركيا، التى ستحاول استغلال الجزء التركى من جزيرة قبرص من ناحية ترسيم الحدود البحرية فى المنطقة، التى قد تتداخل مع حدود قبرص اليونانية. وهو ما يجب أن يعالج فى إطار دبلوماسى بين الدولتين، تفادياً للتصعيد، الذى قد يصل لمواجهة عسكرية بين تركيا واليونان،مثلما حدث من قبل.
وبهذا يتضح أن دائرة البحر الأبيض المتوسط، أصبحت، حاليا، أهم الدوائر التى تؤثر فى مجريات الأمن القومى المصري، وهو ما يلزم مصر بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنشيط علاقاتها الدبلوماسية، والاقتصادية، والثقافية مع دول البحر المتوسط. وعلى الرغم من أن سياسة مصر الخارجية لا تميل إلى الدخول فى تحالفات، فإننا نوصى بزيادة ارتباط مصر بدول المنطقة عن طريق الاتفاقات، التى لا ترقى لمستوى الأحلاف،للحفاظ على الثوابت السياسية المصرية، القائمة على علاقات متوازنة مع كل الاتجاهات، كل فى إطار خدمة المصلحة العليا والقومية للبلاد ... التى يديرها حاليا، بكل براعة، الرئيس عبد الفتاح السيسي.
لمزيد من مقالات لواء د. سمير فرج


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.