شهد المجتمع الإسرائيلى، خلال الأيام القليلة الماضية، حالات من العنف المجتمعى هى الأكبر فى تاريخ الدولة العبرية منذ قيامها على أطلال الأراضى الفلسطينية عام 1948، بالإضافة إلى سمعتها المعروفة عالمياً فى انتهاك حقوق الإنسان للفلسطينيين، فلا تخلو أى جريدة إسرائيلية يومية أو موقع إخبارى إسرائيلى من أخبار عديدة عن جرائم متنوعة منها القتل والسرقة بالإكراه والخطف وحالات الاغتصاب. وركزت الصحف العبرية وقنوات التليفزيون الإسرائيلى، خلال عدة تقارير إخبارية على مدار ال48 ساعة الأخيرة، على ارتفاع جرائم العنف، مؤكدة أن حالات العنف امتدت لتطول مختلف نواحى الحياة، بل أصبحت تعبيراً عن حالة من الفساد والانحلال الأخلاقى الذى يسود المجتمع الإسرائيلى، بدءاً من التمييز العنصرى والفجوات الاجتماعية بين الطبقات وظاهرة عدم المساواة وليس انتهاءً بالفجوات الأيدلوجية بين الطوائف المختلفة وطغيان بعضها على البعض. فهنا عملية قتل فى "بئر السبع" وأخرى فى "رحوبوت" وهناك عمليات قتل فى "بات يام"، ثم عمليات سرقة بالإكراه فى مدينة "رعنانا"، وعمليات اغتصاب كثيرة للغاية فى "تل أبيب" لتصبح مدينة الاغتصاب الأولى فى إسرائيل، بالإضافة ل"كريات ملاخى". جميع هذه الأحداث وقعت فى شوارع إسرائيل نهاية الأسبوع الماضى، وهى تلقى الضوء على ظاهرة العنف التى استشرت كموجة عاتية تجتاح المشهد الداخلى الإسرائيلى. "العنف فى المجتمع الإسرائيلى أصبح يكتسب أبعادا مختلفة".. هكذا ذكرت القناة العاشرة بالتليفزيون الإسرائيلى، موضحة أن العنف أصبح يأخذ طابعاً عنصرياً جلبته معها الجاليات اليهودية غير المتجانسة التى نشأت فى بيئات مختلفة، بينما فشلت بوتقة الصهر الصهيونية فى دمج هذه الطوائف وبدأت العنصرية تتفشى فى الشوارع والمؤسسات والمرافق، كما أنه يكتسب طابعاً سياسياً وأيدلوجياً، فالمجتمع الإسرائيلى يعيش استقطاباً حاداً بين اليمين واليسار وبين الطوائف المختلفة أدت إلى تفاقم نزعة الكراهية وضياع الهوية الثقافية. موجة جرائم العنف المجتمعى التى شهدتها الفترة الأخيرة داخل إسرائيل تفاعلت على المستوى الرسمى والشعبى، ويحاول المراقبون والمهتمون فى إسرائيل البحث عن الأسباب والحلول، ولكن من الواضح أن ارتفاع حدة العنف مرتبط بشكل مباشر بالأجواء السياسية والأمنية السائدة، فالعلاقة بين العنف والأمن علاقة عكسية فكلما زاد الهدوء ظهرت إلى السطح مشكلات وعيوب المجتمع الإسرائيلى. ومن الواضح أن الدولة العبرية بنت كل مقدراتها على مبدأ الدفاع والهجوم فى محيط عربى معادى من كافة الأطراف، وكان التركيز على بناء قدرات عسكرية قوية ورادعة وبناء أنظمة دفاعية أمام التهديدات الخارجية على حساب الأمن الداخلى وأجهزة الشرطة وإصلاح النظام القضائى. فانعدام الأمن وانتشار العنف يعكس إفلاس المجتمع الإسرائيلى بكافة جوانبه، إفلاسا يطال النظام الاجتماعى والتعليمى القضائى والحكومى، ولا يبدو أن هناك من يستطيع أن يقف فى وجه هذه الظاهرة التى سيكون لها تداعيات مستقبلية على مسار الحياة اليومية فى إسرائيل، فستواصل السير ككرة "الثلج المتدحرجة" لتحطم كل شىء فى طريقها. وفى السياق نفسه، نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بحثاً جديداً أجراه عدد من الباحثين فى جامعة "حيفا"، يظهر أن نسبة الإدانات فى القضايا الجنائية الإسرائيلية ارتفعت إلى 70%، بعد أن تبين أن هناك فرصاً حقيقية لخروج الجنائى بريئاً من السجن. وبحسب الصحيفة العبرية، فإن البحث يأتى مغايراً تماماً لمعطيات مكتب الإحصاء المركزى الذى قال إن نسبة الإدانات فى القضايا الجنائية تصل إلى 99.9% والتى اعتبرها الباحثون القائمون على البحث الجديد فى جامعة حيفا بأنها معطيات مضللة ولا تعرض صورة حقيقية للوضع القائم. وتشير التقديرات إلى أن 94% من المتهمين يعترفون بالتهمة، معظمهم بتسوية مع النيابة وبعضهم بدون تسوية، فى حين أن بعض الجنائيين لا يسعون من أجل إثبات براءتهم وإطلاق سراحهم، موضحة أن 70% من التهم تنتهى بالإدانة و15% تنتهى بالبراءة و15% أخرى تلغى بتعليمات من المحكمة لأسباب مختلفة والنتيجة بالنسبة للمتهم كالبراءة. يأتى هذا فى الوقت الذى تشهد فيه إسرائيل ارتفاعا ملموسا فى نسبة الطلب على وسائل الدفاع عن النفس بين الإسرائيليين، وذلك فى أعقاب موجة العنف الجارية داخل الشوارع الإسرائيلية. ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن حامى تفربوج مدير عام شبكة "ريكوشت" لوسائل الدفاع عن النفس قوله، "إن طلبات الشراء تتركز حول شراء غاز الفلفل، حيث تصل تكلفة هذه الوسيلة 55 شيكلا، إلى جانب أدوات الصعق الكهربائى، وهناك زيادة فى الإقبال على الغاز المسيل للدموع". وأضاف تفربوج، "إن الازدياد الكبير سجل فى أفرع الشركة بمدينة تل أبيب، ورمات جان، وبتح تكفا، وريشون ليتسيون، ويمكن الشعور بالارتفاع فى الطلب فى شمال إسرائيل وجنوبها أيضاً".