وجدتنى فى الشارع، معهم، نجرى ونلهث وراء السيارات فى إشارات المرور، نمسك بالفوط الصفراء، ثم ننكفئ مسحاً للزجاج، الأمامى، أو الجانبى، أو الخلفى، المهم أن يشاهدنا قائد السيارة، قبل أن تنفتح الإشارة ويتحرك، قد يشيح بوجهه مكشراً، وقد ينهرنى معنفاً، وقد لا يكترث، وقد يسب ويلعن، وقد يمد يده فى صمت، أو وهو يبتسم، فألتقط ما فيها، مهرولاً خلف سيارة أخرى، سيارات جميلة ملونة ومتنوعة، لا يعوقها عن التهام الأرصفة سوى الزحام، والإشارات، بداخلها بشر، تنبعث منهم روائح غير مألوفة، إلا أنها جذابة، وتبدو وجوههم ناعمة، وملابسهم ملونة نظيفة، لا تنبعث منها روائح العرق. ولحظات السعد لنا لحظات الأزمة، حيث تكون حصيلة اليوم وفيرة، فلا نتخطف الخبز، فى آخر الليل، من فرط الجوع. نتجمع فى النهاية على شاطئ النهر، خلف سور الكورنيش، بعيداً عن العيون، ودهس الأقدام. نجمع الحصيلة ثم يذهب أحدنا لشراء وجبة العشاء، فالعشاء هو الوجبة الرئيسية لنا، فيشترى لنا سندوتشات الفول والطعمية، والفلفل المقلى، والباذنجان المخلل، والبصل النىء الصغير، وأكياس السلطة الحراقة. نفترش الأرض، ونلتهم الأكل التهاماً من فرط الجوع، فإذا فرغنا من الطعام، شق كل طريقه إلى النهر، يغرف الماء بكفيه، ثم يفرغه فى جوفه، ويرتوى. نتسامر حتى يسقطنا النوم فى شباكه الواحد تلو الآخر، فنتوحد فى جسد واحد متلامس كأننا نلتمس الأمان المفقود. كنت أتكوم فى حضنها، فكأنما هى الدنيا تحتضنى برفق ولين، وتحنو على حنواً يغمرنى بالأمان، ولا يغمض لى جفن دون هذا الحضن الدافئ، كانت تطوقنى بذراعيها النحيلين خشية أن تفقدنى أو أفقدها. كانت تكبرنى ببضع سنوات. تفتح وجدانى على وجودها فى الحياة، فكأنما هى الحياة. قيل لى بأنهم قد وجدونى بجوار صندوق قمامة، موضوعاً فى لفافة، داخل منامة أطفال، أعوى من الجوع. تنازعوا أمرهم بينهم، حتى وقرت فى كنفهم. وشببت عن الطوق معهم ولم أعرف سواهم، كبرنا سوياً، وأصبحنا نسابق الريح بالنهار، ونخلد إلى النوم بجوار النهر بالليل. وفى الصباح نستيقظ على تغريد العصافير فوق الأشجار، وأصوات الصنادل فى النهر، ومروق السيارات على الرصيف المجاور. نهرع إلى النهر، منا من يغسل وجهه، ومنا من ينتحى جانباً بعيداً كى يقضى حاجته، أما من كان يريد أن يستحم، فعليه بالتستر وراء غبشة الفجر، يخلع ملابسه، وينزل إلى النهر، يغطس فيه مرة أو مرتين، ثم يرتدى ملابسه. ثم ننتشر كالجراد سعياً وراء الرزق. منا من تخصص فى مسح السيارات، ومنا من تخصص فى التسول، ومنا من تخصص فى بيع المناديل. كنت أشعر بالتعب أحياناً، وقدماى لا تحملانى، فأسترح إلى جوار بناية، أو تحت ظل شجرة، أرقب الطريق والمارة، كأنى أعدهم عداً، فتقع عينى على أطفال صغار ينظرون من خلف زجاج نوافذ السيارات، والأتوبيسات، ليسوا مثلنا، كم تمنيت أن أكون معهم، أو مثلهم، وقفت مرة أمام إحدى المدارس، فرأيتهم يخرجون من البوابة مسرعين، يتوجهون إلى سيارات فيها من ينتظرهم، يأخذ بيدهم، ويقبلهم، ويمسح على رؤوسهم، ويرفع عن ظهورهم الحقائب، يشربون المياه المعبأة فى زجاجات، مياه نظيفة وملونة، وعلبة مغلقة يمتد بداخلها أنبوب رفيع، يصل ما بين العلبة، والفم الباسم الدقيق المرسوم على وجوه بيضاء ناعمة. كنت أحاول الاقتراب منهم، كى أتعرف عليهم عن قرب، ولكن ما إن اقترب حتى تنطلق بهم السيارة مسرعة مخلفة وراءها تراب يغشى وجهى وعينى، ويدخل مع الهواء إلى منخارى وفمى. فى البداية كنت أتخوف من ممارسة عملى معهم، ثم جازفت، وبدأت على استحياء فى مسح زجاج السيارات وقت الانتظار. لمحت فى الأعين نظرات لا أحبها، نظرات الشفقة والرثاء لحالى، فيبدو أنهم قد وجدوا ملابسى رثة، رغم أننى أغسلها يومياً فى مياه النهر الجارى، ويبدو أنها كانت مهترئة قليلاً. ولا أدرى إن كانوا قد فسروا قسمات الجدية على ملامحى على أنها شقاء أم ماذا؟. ولكننى كالعادة لم أكترث، لأن اكتراثى سيعوق حركتى وعملى. ومرت أيام وأسابيع وشهور، وأنا أواظب على الحضور فى الموعد. وفى ذات يوم، بينما أمسح زجاج إحدى السيارات، استوقفنى وجه طفولى، ممتلئ بالبراءة، تعلو قسماته ملامح ابتسامة رائقة، وعيون برسيمية لامعة، قالت بصوت خفيض: أنت؟ نعم. مدت يدها فى حقيبتها، وأخرجت من بين أوراقها، كوز فينو مشقوق، وممتلئ بأشياء لم أرها من قبل. ترددت فى البداية، وارتعشت يدى، ولا أدرى ما الذى قرأته فى وجهى فى تلك اللحظة، قالت: خذ . ... مددت يدى، وأخذته، ولم أنتبه إلى صوت الرجل الجالس على عجلة القيادة، وهو يطلب منى الذهاب ناحيته، فنبهتنى، فاتجهت صوبه، مد يده، وأمسك يدى، وضع فيها شيئاً، ثم أطبقها. باليد الأخرى مسح على شعرى، وابتسامته تحتضننى بعنف. ثم انطلقت السيارة من أمام المدرسة مسرعة، وأنا أتابعها شاخصاً. فقدت الإحساس بالدنيا من حولى. ووجدتنى أتجه صوب حائط جانبى، افترشت الأرض، وفتحت يدى فوجدت فيها ورقة نقدية كبيرة، لم أرها من قبل. ونظرت إلى الرغيف بيدى فوجدته ممتلئاً غير معروف لى. كنت جائعا حقاً. قسمت الرغيف نصفين بينى وبينها، واحتفظت بنصفها، واقتربت بفمى رويدا رويدا من النصف الآخر، وقضمت قضمة، ومضغطها، وقضمت أخرى، وأنا أنظر فى الورقة النقدية الكبيرة، تتصارع الغيوم داخل عيناى، وتهطل أمطارها، وأنا وجدت دموعى قد أغرقت وجنتى، ولم أتوقف عن الأكل، ولم أكف عن النظر بعيون قد غامت حاجبة عنى رؤية الأشياء من حولى. انتبهت على صوت أحد المارة وهو يهزنى قائلاً: مالك يا ولدى؟ لاشىء. نهضت مسرعاً