ليس له وطن وليس لها زمان ولو كان متمثلا فى شخص لكان بالتخلص منها راحة الإنسانية وإن كان هناك من امتلئ كأسه بالسوء فلزمانه المحدود موعود بالنص المحتوم- لكن بالفعل الأمر يختلف كثيراً– ولو كان للفساد زمان لتعرفنا عليه فى التاريخ القديم أو المعاصر أو الحديث- لكن أيضًا الأمر يختلف– يختلف من حيث وجوده فى أى زمان وفى أى مكان فكيف يسود فساد والجميع يحاربه من كل اتجاه فيزداد كما المارد الملعون الذى يقفز بين الدروب. الأمر ينبع من فهم خاطئ لمفهوم أو ظن مأثوم أو احتياج مهموم أو غيرة ميمون كل هذه المداخل تمثل أمر حتمى لنمو شجرة الخبث التى وعدها الحق بالزوال مهما امتدت جزورها. ففهم الكثيرون بكشف الفاسدين وفضحهم أمر من شأنه يقضى على الفساد من جذوره وليكن عبرة لمن فى قلبه مرض مأثوم عذراً سيدى !!!!! إنه أمر انتج قيمة عكسية فى المجتمع فصار الحديث عن الراشى والمرتشى والظالم والمجرم حديث ساعة فإن كنت فى حافلة ذاهباً إلى عملك فمن السهل عليك ان تفتح صنبور الحديث عن الفساد أو ان تفتح نوافذ الشاشات لترى وتسمع ما تتعجب منه لكن كل هذا لا يحارب هذا المفهوم فأكثر الاجيال حرصاً ونصحاً وتوعيه وارشاداً بالمفروض هى اكثر الاجيال مرضاً بداء الفساد على الإطلاق . فإذا أردت أن تحارب الذباب عليك بشراء المبيد لتقتل نفسك به اولاً قبل أن تقضى على الذئاب وليس دفاعاً عن موطن الفساد بل لتحديد مكانه وزمانه وتقليص دوره واستئصاله من جذوره . فإذا اردت ان تنشر الفساد فقط تحدث عنه فى أى مكان وأى زمان واسرد النماذج واحكى من الافلام ما تملئ به جعبه أقوام اسلموا اذهانهم واستهوتهم عجائب المسلسلات فما زالت عصور قطاع الطرق واللصوص والفتوة ورويات محفوظ تعيش فى العقول عندما تغيب شمس العمل عن شباب الامل المجتهد. فإشاعة الفساد من شأنه أن يجعل الكثيرين من الناس مصابون باللغط فى الفهم فيعتبرون الرشوة اكرامية والظلم ليس اهانة فضلاً عن من يرى فى الحق الضعف فيستبيح السباب إلخ.... ويعتبرون البسطاء أن منطق الفساد منطق الاقوياء والاثرياء فيعمل على الاستحواذ ويعمل على الترويج ومن ثم ينتج الفساد فسافس صغيرة تبدأ بإقتناص الحرام بمسميات تعكس الغرض حتى تجد أمامك ثرى من الاثرياء ينتقم من الشرفاء ويعبث بجهدهم ويختزل حقوقهم. إن الحديث عن فساد فى ادارة من الادارات بمؤسسة ما أو شخص ما لا يغنى عن كونه حدث وبالتسليط الضوء عليه ينكشف ويهرع إلى مكان آخر لكنه لا ينتهى بل بالعكس يذداد - وهذا ما حدث طيلة اعوام من التركيز على الاخطاء والسلبيات فى المجتمع حتى صارت العادة هى التحدث عن ما ينقص أو البحث عن ما يثير الجدل ما يحبط روح الأمل. جرت العادة على نحو اظهار الاخطاء وكشف اللصوص والبحث عن الفاسدين وكشفهم وهذا نهج انتهجه الاعلام فى عصر الرأسمالية فمما لا شك فيه فلا احد ينكر رؤية ورسالة الاعلام الهادف لتوصيل رسالته السامية كما لا احد ينكر دور الصحافة فى نفس الاتجاه لكن ما حدث هو ما لا نرجوه على الإطلاق. فإطلاق الصيحات نحو حدث مؤسف أو مخزى أو مروع أو فضيحة أو أمر عاجل كلها أخبار لا علاقة بالكثيرون منها فجميعها تهم أصحابها أما أن نتخذ من هذه الافتات والعناوين دعاية للصحف والمجلات لدرجة تحقيق المبيعات هذا هو ما يحقق الانعكاس الغير مرغوب . إن الصفاء والصدق والاخاء والشفافية هى ليست بصفات بعيده كما تتمنى أن تكون بل هى اقرب لمن اراد ان يغض الطرف عن مسمع أو مشهد يجزع . فالحديث عن السماء يفوق كل الاوزان والعمل على الارض اجمل ما يكون فعندما تروى زهرة أو ينظر لك عصفور على شجرة أو تستنشق عطور الريحان أمر يستحق أن تترك السوء وتنحيه جانباً بهدوء دون أن تزعج أشجار الليمون فكثير من رقاق القلوب ما ينغلق وينقبض رحيقها عندما تستمع لخبر مشؤم أو انها على موعد مع جبروت فرفقاً بقلوب لا تقوى على ذالك ودع الابداع يروى ظمأ عقول جفت اودينها وتنتظر قطرات ونسمات الندى بين قطوف عالم أو لحن فاهم لحس ناغم فعطش القلوب للأمل يجعلها فى عمل يجدد لها الامد. عوداً حميداً يا كل قلب حامد وعقل شاكر وهمس مؤمن وثناء رحمة وبهاء سامح وها نحن نحيا بالامل والعمل بالاخلاص فعملك الدئوب يمتد آثاره حتى بعد الفناء يدوم.