تحدثنا أمس عن الطاقة النووية كسبيل أرجحه لتلبية احتياجات مصر للكهرباء، وأواصل الحديث عن المجالات الأخرى، مثل استخدام الطاقة الشمسية، فهناك من يطالب بها استنادا إلى أن مصر بموقعها الجغرافى مثالية لهذا النوع من الطاقة، ولكن لابد أن نتفهم جيداً مميزات ومتطلبات هذه الوسيلة. ومصر بموقعها الجغرافى توجد فى حزام شمسى بكثافة حرارية عالية، فالمتر المربع فيها يتعرض إلى طاقة شمسية تتراوح ما بين 5 و10 كيلووات ساعة فى اليوم بين البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى حدود السودان جنوباً، وكثافة الإشعاع الشمسى تزداد جنوباً وبقيمة عالية مما يجعل صعيد مصر وصحراءها مثالية للطاقة الشمسية وبكثافة عالية، ونظريا يمكن توليد 100 ميجاوات من الكيلو متر المربع الواحد، بمعنى آخر يمكن توليد كهرباء بسعة 2500 ميجاوات من 25 كيلو متر مربع، وهذا يعادل طاقة السد العالى. هذه الأرقام التقريبية النظرية تؤكد ثروة شمسية كافية لمتطلبات مصر من الكهرباء، ولتوريد الكهرباء الخضراء إلى الدول الأخرى، وبالذات لدول جنوب أوروبا التى تهتم جداً بها لعدم تلويثها للبيئة، وبالتالى استعداد هذه الدول لاستيراد الكهرباء بالأسعار العالمية أو أكثر. غير أن الواقع يكشف لنا أن تكاليف توليد الكهرباء عن طريق الشمس أكثر كثيراً من توليد الكهرباء عن طريق الغاز أو الفحم أو الطاقة النووية، وأحذر هنا من أن شركات استثمرت فى هذا تعرضت للإفلاس أو اندمجت لتكوين شركات أكبر لتقليل المنافسة، وحدث ذلك بالذات فى أمريكاوألمانيا. وأيضاً نجد من الخبرة أن محطات توليد الكهرباء الكبرى بالطاقة الشمسية بسعة من 200 إلى 500 ميجاوات مكلفة للغاية وسعر إنشائها يقارب سعر المحطات النووية، وولاية كاليفورنيا فى الولاياتالمتحدة هى الأكثر تقدماً فى العالم فى هذه المحطات، حيث تم إنشاء هذه المحطات الكبيرة رغم التكلفة العالية لأن حكومة الولاية أصدرت قوانين تحتم أن %20 من الكهرباء لابد أن تكون عن طريق الطاقة المتجددة بحلول عام 2017، وتقدم الولاية تسهيلات كثيرة لتحقيق هذا الهدف، وأنبه إلى أنه على الرغم من أن سعر توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية أكثر من الطرق الأخرى، فلابد أن نأخذ فى الاعتبار أنه كلما زاد استخدامها قلت الأسعار. وإذا أخذنا فى الاعتبار تأثير التلوث البيئى الناتج عن توليد الكهرباء عن طريق الفحم من إفرازات ثانى أكسيد الكربون والحبيبات الكربونية والمواد السامة مثل الفوسفور والزئبق فنجد أن الطاقة الشمسية من أحسن الطرق المتجددة بدون تلوث بيئى، ولهذا تهتم الدول المتقدمة بفرض ضرائب عالية على الإفرازات الكربونية والتلوث البيئى، وإذا أضفنا هذه الضرائب إلى سعر توليد الكهرباء من الوقود الكربونى فنرى أن أسعار الطاقة المتجددة وبالذات الطاقة الشمسية مناسبة جداً ومنافسة. وحتى نصل إلى هدفنا فى مصر فى هذا النوع من الطاقة، أقول إنه لا بد من وضع خطة قومية شاملة وتفصيلية بدون بيروقراطية وعراقيل وعشوائية: ولابد من الاستثمار فى الطاقة الشمسية حتى ولو كانت أسعارها أعلى من سبل توليد الكهرباء الأخرى، وأتوقع أن تكون أسعار توليد الكهرباء عن طريق الشمس فى مصر أقل من الأسعار العالمية، لأن الدولة تمتلك الغالبية العظمى من الأراضى، وتكلفة العمالة المصرية المؤهلة أقل من الدول الأخرى وتستفيد مصر من الأبحاث والتطوير والخبرة والتكنولوجيا العالمية الموجودة حالياً. ضمان نجاح الطاقة الشمسية فى مصر صعب جداً بدون الدعم الحكومى فى عدة محاور- كما حدث ويحدث فى بعض الدول- مثل تسهيلات الحصول على الأراضى أو تأجير الأراضى بأسعار قليلة لإنشاء المحطات وشراء الطاقة المولدة من القطاع الخاص بالأسعار العالمية الحقيقية وضمانات مالية للشركات عن طريق ضمانات للقروض من البنوك، حوافز مالية مثل التقليل من الضرائب لزيادة الأرباح والاستثمارات وطرق أخرى. لابد من تشجيع الاستثمارات والقطاع الخاص على المشاركة فى مجال الطاقة المتجددة وإنشاء محطات الكهرباء. تطبيق ما يحدث فى بعض الدول مثل ألمانياوالولاياتالمتحدة، ففى ألمانيا تشترى الدولة أو شركات الكهرباء، الفائض من كهرباء المنازل مادام هناك اتصال بالشبكة الكهربائية، وتدفع الحكومة الفيدرالية وحكومة الولايات فى أمريكا جزءا كبيرا من تكاليف تحويل المنازل إلى استخدام الطاقة الشمسية، حيث يحدث توسع كبير فى هذا المجال باستخدام لوائح الخلايا الضوئية، وقد يصل قيمة هذا الدعم المالى إلى %40 من التكاليف. تشجيع استخدام الطاقة الشمسية فى المنازل والشركات والمصانع الصغيرة والمحلات التجارية والمناطق البعيدة والمنتجعات السياحية والرى الزراعى وفى المناطق السكانية الجديدة مع منح حوافز مثل شراء الكهرباء المولدة الزائدة، واستخدام الطاقة الشمسية فى المنازل والمبانى والمحلات التجارية لا يتطلب تكنولوجيا عالية، ومن السهل تأهيل الفنيين فى هذا المجال والمشاركة الحقيقية والفعالة ما بين القطاع الخاص والعام فى تأهيل العمالة المطلوبة لخلق هذه الصناعة، فمن السهل التصنيع والتجميع ثم التطوير محلياً بشرط الاهتمام بالجودة وضمان الإنتاج على مستوى عالمى يسمح للمنافسة العالمية. عند وضع خطة قومية للبلاد لابد من فصل ما تطلبه محطات توليد الكهرباء الكبيرة من استثمارات وتكنولوجيا عما تتطلبه تطبيق استخدام الطاقة الشمسية فى المنازل والمبانى والمحلات والمناطق البعيدة والمساكن الجديدة، فالأول يتطلب استثمارات عالية جداً والثانى من السهل تطبيقه والتوسع فيه. يجب إنشاء مركز بحوث فى الطاقة الشمسية والمتجددة على أعلى مستوى للبحوث التطبيقية وتطوير التكنولوجيا والاستفادة من الأبحاث العالمية ونقل الخبرة وتطوير الصناعة فى هذا المجال. ولابد من متابعة وتقييم بعض المراكز العالمية، مثل ما يوجد فى الولاياتالمتحدة لما يتناسب مع مصر ومحاولة التعاون معهم والاستفادة من الخبرات. يجب أن نأخذ فى الاعتبار مشاكل الصيانة التى سوف تواجهها الطاقة الشمسية فى مصر الناتجة عن الرياح الرملية وتراكم الرمال، وهذا يتطلب عناية خاصة وصيانة مستمرة، بالإضافة إلى أنه لابد أن نأخذ فى الاعتبار كيفية تخزين الطاقة الشمسية الزائدة غير المستخدمة سواء عن طريق البطاريات واستخدامها عند الحاجة أو الشبكة الكهربائية لتوزيعها. يجب الاستفادة من الخبرة العالمية وبالذات من أمريكا وإسبانيا بالغالبية والاستفادة من التجربة الألمانية والأمريكية، وأن التصميمات المختلفة للمحطات الكبيرة معروفة ومحددة ولكن التجربة العملية ترجح نوعين أساسيين مع العلم أن إسبانيا والولاياتالمتحدة هما الدولتان المتفوقتان فى استخدام الطاقة الشمسية الحرارية المركزة واستخدام الخلايا الضوئية، وأن هناك محطات كثيرة باستخدام الطاقة الشمسية أنشئت (وتحت الإنشاء) وتحت التخطيط فى عديد من البلاد مثل الولاياتالمتحدة، إسبانيا، الصين، اليونان، تشيلى. وأخيرا فإن صناعة الطاقة الشمسية فى مصر ستؤدى إلى خلق عمالة كبيرة وتأهيل الكثير من المهندسين والفنيين وخلق صناعة مصرية لتجميع وصناعة مكونات أنظمة الطاقة الشمسية بكل أنواعها. التوسع فى توليد الكهرباء عن طريق الطاقة الشمسية بلا شك سيقلل الاعتماد على الوقود الكربونى، وهذا يؤدى إلى عدم الاعتماد على استيراد الوقود وتقليل التلوث البيئى، بما يعود بفائدة كبيرة على صحة المواطن وعلى البيئة عامة.