حجرة ضيقة خافتة الضوء، جدرانها مليئة ببقايا طفولة، تبددت قبل موعدها، سرير تحفه رائحة الموت، وما تبقى من شخص أخفى الموت جسده، لتحل مكانه روح مرحة دائمة الانطلاق، تحيط بأرجاء الغرف، ومدخل البيت والشارع الذي يحويه. كان يشعر باقتراب موته، فأبى ألا يرحل دون أن يترك ذكراه عالقة في كل ركن من أركان منزله، ألعابه تملأ غرفة نومه، بقايا رسومه الصغيرة على كراسة الرسم، حتى جدران المنزل لا تخلو من أثره، فولعه بالتفاصيل الصغيرة، وتمسكه بطفولته حتى النفس الأخير، جعله يضع علامات على باب الغرفة، تحدد له أعداد السنتيمترات التي أضيفت لطوله، فضلًا عن اسمه المتواجد على حوائط مدخل الشقة، لتكون اليد الحنون التي تعانق يد والدته كلما تحسست اسمه على هذا الحائط أو ذاك. «كل ركن في البيت هو موجود فيه، هو كله لسه هنا، وجسمه بس اللي راح» بهذه العبارات تبدأ والدة نور الدين الحسيني، الفتى ذي الثلاثة عشر عامًا، الذي توفي إثر تعرضه لحادث غرق، أثناء السباحة في أحد حمامات السباحة بالقاهرة، في ثالث أيام العيد، ليتركها تأنس بمتعلقاته هي ووالده في غيابه. حل الظلام باكرًا، وتسللت للقلب رعشة تلمستها الروح منذ رحيلك يا وليدي، وضعتُ الآمالَ تحت قدميك في أن تكون الوريث والسند، فما كنتَ الوريث وانحنى الظهر، بالأمس كنت أسمع لصوتك صدى لم أعد أسمعه سوى في أحلامي، أتوجس دائما بأنك أمامي، أهرول صوبك فأجدك كالسراب اختفت ظلالك، أصرخ في الجميع أين ولدي؟! كفاكم كذبًا! أعيدوه لي، هو لم يرحل ولن يرحل، أفيقوني علَّه كابوس، أتأمل صورتك التي لا تفارق ناظري فأجدك حيًا بضحكاتك، وبرائتك التي لم أرقب لها من نظير. «كان بيحب ويخدم كل الناس، الصغير قبل الكبير، كان فعلًا ابن موت، وأكتر حد اتعلق فيا في اخواته، واللي مصبرني إنه هيفضل حوالينا طول الوقت مش هيغيب»، والدة نور الدين تبدو متماسكة، ووجها تعلوه ابتسامة بنكهة الحزن، فعزاؤها الوحيد هو سيرته الحسنة، وأصدقاؤه الذين ترونهم يلعبون أسفل المنزل باستمرار، فتشم فيهم رائحته. حمام الموت يحصد أرواحًا مجهولة.. والأمن ترك جثة نور حتى طفت يخرج والد نور الدين عن صمته أخيرًا، ليردد عبارة «حسبي الله ونعم الوكيل.. الإهمال قتل ابني.. وأنا مش هسيب حقه زي ما الأهالي التانيين عملوا»، ترددت أنباء لأهل نور أن حادث غرقه لم يكن الأول في نفس الحمام، لكنه تكرر أربع مرات في أربعة أشهر، لكن أهالي الضحايا يكتفون بالصمت. تمسك والدة نور بأطراف الحديث، قائلة: «المياه في الحمام مش نضيفة، فلما الولد وقع محدش شافه، إلا لما طفى على وشها، وده بشهادة صاحبه اللي كان معاه عند الحمام»؛ لتؤكد على أن الأمن لم يسعفه إلا بعد أن هرب الدم من وجهه، واستنفذ كل ما في مخه من أكسجين، «إحنا روحنا المستشفى كان جاي من النادي خلصان».