عبد الرحيم علي يكتب: الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة «23»    محافظ قنا يشارك أقباط قوص فرحتهم بعيد الميلاد ويؤكد وحدة المصريين    طلاب سوهاج يحصدون المركز الثالث في البطولة الإفريقية والعربية للبرمجة    «الفيتو» يكبّل مجلس الأمن    محلل سياسي: المسيرات غيرت شكل الحروب والدعم الغربي لأوكرانيا مستمر    الأنباء السورية: "قسد" تستهدف نقاط الجيش في الشيخ مقصود والأشرفية    بيراميدز يهزم جولف يونايتد الإماراتي بثلاثية وديا    بمشاركة مصر.. كاف يعلن موعد قرعة أمم إفريقيا للسيدات 2026    محمد صلاح بين اختبار كوت ديفوار وقمة ليفربول وأرسنال    الأهلي يتواصل مع عمرو الجزار ويجهز عرضًا لشرائه|خاص    ضبط المتهم بإدارة صفحة بمواقع التواصل الاجتماعى للترويج لبيع الأسلحة    ضبط سائق تحرش بفتاة لفظيًا بسوهاج    يناير الجاري.. موعد طرح «كولونيا» بدور العرض    بيان رسمي من لقاء الخميسي بشأن زواج زوجها من فنانة أخرى    حنان مطاوع تهنئ والدتها سهير المرشدى بتكريمها فى احتفالية عيد الثقافة    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    الصحة: استهداف خفض الولادات القيصرية إلى 40% بحلول 2027    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    إيران تدين زيارة وزير خارجية إسرائيل إلى أرض الصومال وتعتبرها انتهاكا للسيادة    ننشر الأسماء.. وزارة التضامن تغلق 80 دار رعاية مخالفة وغير مرخصة في 18 شهرًا    نجم الجزائر يعتذر لمشجع الكونغو الديمقراطية    طريقة عمل أرز بالسبانخ والليمون، طبق نباتي غني بالحديد ومثالي للصحة    عاجل.. سلامة الغذاء تسحب عبوات لبن نستلة من الأسواق    "القاهرة الإخبارية": استمرار القصف الإسرائيلي على الأحياء الشرقية لقطاع غزة واستشهاد طفلة    إذا تأهل الريال.. مبابي يقترب من اللحاق بنهائي السوبر الإسباني    كنوز تعبر القارات: المتحف المصري بالقاهرة ورسالة التراث إلى العالم    محافظ القليوبية ومدير أمن القليوبية يقدمان التهنئة بعيد الميلاد المجيد بمطرانية شبين القناطر    الغرفة التجارية: 10 شركات تسيطر على موانئ العالم والاقتصاد البحري    احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق فى القدس.. ونتنياهو يدعو لضبط النفس    مشاورات مصرية عمانية في القاهرة    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    1000 رحلة يوميا و1.2 مليون راكب.. السكة الحديد تكشف أرقام التشغيل على مستوى الجمهورية    ضبط 2.5 طن نشا مجهولة المصدر بمصنع بشبين القناطر بمحافظة القليوبية    محافظ أسوان يوزع كروت تهنئة الرئيس والهدايا على الأطفال بمختلف الكنائس    فرقة «نور الحياة» تحيي حفلًا ببيت الغناء العربي الجمعة    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    محافظ كفرالشيخ: التشغيل التجريبي لمجزر دسوق تمهيدًا لافتتاحه    النيابة الإدارية تواصل غدًا التحقيق في واقعة مصرع 7 مرضى بمركز علاج الإدمان بالقليوبية    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    انطلاق أول كورس لجراحات المناظير المتقدمة التابع لكلية الجراحين الملكية بلندن داخل قصر العيني    إصابة 22 عاملًا بحادث انقلاب ميكروباص عمال في البحيرة    اقتصاديات الصحة تدرج 59 دواء جديدا وتضيف 29 خدمة خلال 2025    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    أسعار اللحوم في الأسواق المصرية اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    299 متهمًا و62 ألف حكم.. حصيلة 24 ساعة من الحملات الأمنية    حريق يلتهم سيارة نقل ثقيل دون إصابات على الطريق الصحراوى بالإسكندرية    حماية الأمن المائي المصري، بيان عاجل لوزارتي الخارجية والموارد المائية والري    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    أسعار الذهب في مصر اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    البابا تواضروس الثاني: عيد الميلاد المجيد رسالة محبة إلهية متكاملة    الحاكمة العامة الكندية من السكان الأصليين ستزور جرينلاند وسط تجديد ترامب الحديث عن ضمها    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«هدي خير العباد» من «زاد المعاد» ج 2 ◄35
نشر في فيتو يوم 15 - 12 - 2016

ومازالت القراءة مستمرة في كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد»، للإمام العلامة شيخ الإسلام؛ محمد بن أبى بكر بن سعد بن جرير الزرعى «ابن قيم الجوزية» الجزء الثاني.. احتفاء واحتفالا بذكرى مولد خاتم الأنبياء والمرسلين، خير الأنام محمد بن عبدالله، الرسول الكريم، صاحب القرآن العظيم والمعجزات الخالدة، والذي أعزه الله بها وجعلها شاهدة على صدق نبوته، وحمله لرسالة الإسلام للناس كافة بشيرا ونذيرا.. صلى الله عليه وسلم.. حيث ننهل من سيرته وهديه صلى الله عليه وسلم، ليكون شفيعا لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون...
حيث نتابع القراءة في الجزء الثاني من هذا الكتاب القيم...
◄ لم يكن من هَدْيه صلى الله عليه وسلم سرد الصوم وصيام الدهر

ولم يكن من هَدْيه صلى اللَّه عليه وسلم سردُ الصوم وصيام الدهر، بل قد قال: ((مَنْ صَامَ الدَّهْرَ لا صَامَ ولا أَفْطر)) . وليس مرادُه بهذا مَنْ صامَ الأيامَ المحرَّمة، فإنه ذكر ذلك جواباً لمن قال: أرأيتَ مَنْ صَامَ الدَّهْر؟ ولا يُقال فى جواب من فعل المحرَّم: لا صامَ ولا أَفْطر، فإن هذا يُؤذن بأنه سواءٌ فِطْرُه وصومُه لا يُثَاب عليه، ولا يُعاقَب، وليس كذلك مَنْ فعل ما حرَّم اللَّه عليه مِن الصيام، فليس هذا جواباً مطابقاً للسؤال عن المحرَّم من الصوم، وأيضاً فإن هذا عند مَن استحب صوم الدهر قد فعل مستحباً وحراماً، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرَّماً بالنسبة إلى أيام التحريم، وفى كلٍّ منهما لا يُقال: ((لا صَامَ ولا أَفْطَر)) فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر.

وأيضاً فإن أيام التحريم مستثناةٌ بالشرع، غيرُ قابلة للصوم شرعاً، فهى بمنزلة الليل شرعاً، وبمنزلة أيَّامِ الحيض، فلم يكن الصحابةُ لِيسألوه عن صومها، وقد علموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن لِيُجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: ((لا صَام ولا أَفْطَر))، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم .

فهَدْيُه الذى لا شك فيه، أن صيامَ يوم، وفِطرَ يومٍ أفضلُ من صوم الدهر، وأحبُّ إلى اللَّه . وسرد صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهاً، لزم أحدُ ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحبَّ إلى اللَّه من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه، لأنه زيادة عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: ((إنَّ أَحَبَّ الصِّيام إلى اللَّهِ صِيامُ داوُدَ))، وإنه لا أفضل منه، وإما أن يكون مساوياً له فى الفضل وهو ممتنع أيضاً، وإما أن يكون مباحاً متساوىَ الطرفين لا استحبابَ فيه، ولا كراهة، وهذا ممتنع، إذ ليس هذا شأنَ العبادات، بل إما أن تكون راجحةً، أو مرجوحة .. واللَّه أعلم .

فإن قيل: فقد قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأَتْبَعَهُ سِتَّةَ أيَّامٍ مِنْ شَوَّال، فَكأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ)) . وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: ((إنَّ ذلِكَ يَعْدِلُ صَوْمَ الدَّهْرِ))، وذلك يدل على أنَّ صوم الدهر أفضلُ مما عُدِلَ به، وأنه أمرٌ مطلوب، وثوابُه أكثرُ من ثواب الصائمين، حتى شُبِّه به مَنْ صام هذا الصيام .

قيل: نفسُ هذا التشبيه فى الأمر المقدَّر، لا يقتضى جوازه فضلاً عن استحبابه، وإنما يقتضى التشبيه به فى ثوابه لو كان مستحَباً، والدليل عليه، مِن نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر بمنزلة صيامِ الدهر، إذ الحسنةُ بعشر أمثالها، وهذا يقتضى أن يحصُل له ثوابُ مَن صام ثلاثمائة وستين يوماً، ومعلوم أن هذا حرامٌ قطعاً، فَعُلِمَ أنَّ المرادَ به حصولُ هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوماً، وكذلك قولُه فى صيام ستةِ أيام من شواَّل، إنه يَعْدِلُ مع صيام رمضان السنة، ثم قرأ: {مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، فهذا صيامُ ستة وثلاثين يوماً، تعدِل صِيام ثلاثمائة وستين يوماً، وهو غيرُ جائز بالاتفاق، بل قد يجئُ مثلُ هذا فيما يمتنع فعلُ المشبَّه به عادة، بل يستحيلُ، وإنما شبَّه به مَن فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله لمن سأله عن عمل يعدِل الجهاد: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهدُ أن تقومَ ولا تَفْتُر، وأن تَصُومَ ولا تُفْطِرَ))؟ ومعلوم أن هذا ممتنع عادة، كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يوماً شرعاً، وقد شبَّه العملَ الفاضل بكل منهما يزيدُه وضوحاً: أنَّ أحب القيام إلى اللَّه قيام داود، وهو أفضل مِن قيام الليل كُلِّه بصريح السُّنَّة الصحيحة، وقد مثَّل مَنْ صلَّى العشاء الآخرة، والصُّبح فى جماعة، بمن قام الليل كلَّه . فإن قيل: فما تقولون فى حديث أبى موسى الأشعرى: ((مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ حَتَّى تكونَ هكَذَا، وقَبَضَ كَفَّه)) . وهو فى مسند أحمد؟

قيل: قد اختُلِف فى معنى هذا الحديث . فقيل: ضُيِّقَتْ عليه حصراً له فيها، لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبتهِ عن هَدْى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واعتقاده أن غيرَه أفضل منه . وقال آخرون: بل ضُيِّقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، ورجَّحت هذه الطائفة هذا التأويل، بأن الصائم لما ضيَّق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها بالصوم، ضيَّق اللَّه عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان، لأنه ضيَّق طرقها عنه، ورجَّحت الطائفةُ الأولى تأويلها، بأن قالت: لو أراد هذا المعنى، لقال ضُيِّقَتْ عنه، وأما التضييق عليه، فلا يكون إلا وهو فيها . قالوا: وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأن فاعله بمنزلة مَن لم يصم. واللَّه أعلم .

◄ فى حكم المتطوع فى الصيام إذا أفطر

وكان صلى اللَّه عليه وسلم يدخل على أهله فيقول: ((هَلْ عِنْدَكُم شَىْءٌ))؟ فإن قالوا: لا . قال: ((إنِّى إذاً صَائِم))، فينشئ النية للتطوع من النهار، وكان أحياناً ينوى صوم التطوع، ثم يُفْطِرُ بعدُ، أخبرت عنه عائشة رضى اللَّه عنها بهذا وهذا، فالأول: فى صحيح مسلم، والثانى: فى كتاب النسائى . وأما الحديث الذى فى السنن عن عائشة: كنتُ أنا وحفصةُ صائمتين، فَعَرَض لنا طعامٌ اشتهيناه، فَأَكَلْنَا مِنه، فجاء رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَبَدَرَتْنى إليه حَفْصَةُ، وكانت ابنَةَ أَبِيها، فقالت: يا رسول اللَّه ؛ إنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْن، فَعَرَضَ لنا طَعَامٌ اشتهيناه، فَأَكَلْنَا مِنْه فقال: ((اقْضِيا يَوْماً مَكَانَهُ))، فهو حديث معلول .

قال الترمذى: رواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبد اللَّه بن عمر، وزياد بن سعد، وغير واحد من الحُفَّاظ، عن الزهرى، عن عائشة مرسلاً لم يذكروا فيه عن عروة، وهذا أصح . ورواه أبو داود، والنسائى، عن حَيْوَة بن شُريح، عن ابن الهاد، عن زُمَيْلٍ مولى عُروة، عن عروة، عن عائشة موصولاً، قال النسائى: زُميل ليس بالمشهور، وقال البخارى: لا يُعرف لزُميل سماع من عروة، ولا ليزيد بن الهاد من زُميل، ولا تقوم به الحُجَّة .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان صائماً ونزل على قوم، أتمَّ صيامه، ولم يُفْطِرْ، كما دخل على أم سُلَيمٍ، فأتته بتمر وسمن، فقال: ((أَعِيدوا سَمْنَكُم فى سِقَائِه، وتَمْرَكُم فى وِعَائِه، فإنِّى صَائِم)) . ولكنَّ أمَّ سُلَيم كانت عنده بمنزلة أهل بيته، وقد ثبت عنه فى ((الصحيح)): عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه: ((إذا دُعِىَ أَحَدُكُم إلى طعام وَهُوَ صائِمٌ فَلْيَقُلْ: إنِّى صَائِم)) .
وأما الحديثُ الذى رواه ابنُ ماجه، والترمذىُّ، والبيهقىُّ عن عائشة رضى اللَّه عنها ترفعُه: ((مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ، فَلاَ يَصُومَنَّ تَطَوُّعاً إلاَّ بإذْنِهِمْ))، فقال الترمذى: هذا الحديث منكر، لا نعرف أحداً من الثقات روى هذا الحديثَ عن هِشام بنِ عُروة .

◄ فى كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم

وكان من هَدْيه صلى اللَّه عليه وسلم، كراهةُ تخصيصِ يومِ الجُمْعَةِ بالصَّومِ فِعلاً منه وقولاً، فصح النهىُّ عن إفراده بالصَّوم، من حديث جابر بن عبد اللَّه، وأبى هريرة، وجُويرية بنت الحارث، وعبد اللَّه بن عمرو، وجُنادة الأزدى وغيرهم، وشرب يومَ الجمعة وهو على المنبر، يُريهم أنه لا يصومُ يومَ الجمعة، ذكره الإمام أحمد، وعلل المنع من صومه بأنه يومُ عيد، فروى الإمام أحمد، من حديث أبى هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ((يَوْمُ الجُمْعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلاَ تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُم يَوْمَ صِيامِكُم إلاَّ أَنْ تَصُومُوا قَبْلَه أَوْ بَعْدَه)) .

فإن قيل: فيومُ العيد لا يُصام مع ما قبله ولا بعده . قيل: لما كان يومُ الجمعة مشبَّهاً بالعيد، أخذ من شبهه النهى عن تحرِّى صيامِه، فإذا صامَ ما قبله أو ما بعده، لم يكُنْ قد تحرَّاه، وكان حكمُه حكمَ صوم الشهر، أو العشر منه، أو صوم يومٍ، وفطر يوم، أو صوم يوم عرفة وعاشوراء إذا وافق يومَ جمعة، فإنه لا يُكره صومُه فى شئ من ذلك .

فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد اللَّه بن مسعود؟ قال ((ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُفطِر فى يَوْمِ الجُمُعَةِ)) رواه أهل السنن. قيل: نقبله إن كان صحيحاً، ويتعيَّن حملُه على صومه مع ما قبله أو بعده، ونردُّه إن لم يصح، فإنه من الغرائب . قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب.

◄ فى هَدْيه صلى اللَّه عليه وسلم فى الاعتكاف

لما كان صلاحُ القلبِ واستقامتُه على طريق سيره إلى اللَّه تعالى، متوقِّفاً على جمعيَّته على اللَّه، وَلَمِّ شَعثه بإقباله بالكليَّة على اللَّه تعالى، فإن شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على اللَّه تعالى، وكان فُضولُ الطعام والشراب، وفُضولُ مخالطة الأنام، وفضولُ الكلام، وفضولُ المنام، مما يزيدُه شَعَثاً، ويُشَتِّتُهُ فى كُلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى اللَّه تعالى، أو يُضعِفُه، أو يعوقه ويُوقِفه . اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذهِبُ فضولَ الطعام والشراب، ويستفرِغُ مِن القلب أخلاطَ الشهواتِ المعوِّقة له عن سيره إلى اللَّه تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفعُ به العبد فى دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعُه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذى مقصودُه وروحُه عكوفُ القلبِ على اللَّه تعالى، وجمعيَّتُه عليه، والخلوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذِكره وحبه، والإقبالُ عليه فى محل هموم القلب وخطراته، فيستولى عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كُلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكُر فى تحصيل مراضيه وما يُقرِّب منه، فيصيرُ أُنسه باللَّه بدَلاً عن أُنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوَحشة فى القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم .

ولما كان هذا المقصود إنما يتمُّ مع الصوم، شُرِع الاعتكاف فى أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم يُنقل عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه اعتكف مفطراً قَطُّ، بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم . ولم يذكر اللَّهُ سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم .

فالقول الراجح فى الدليل الذى عليه جمهورُ السَلَف: أن الصومَ شرطٌ فى الاعتكاف، وهو الذى كان يُرجِّحه شيخُ الإسلام أبو العباس بن تيمية.
وأما الكلامُ، فإنه شُرِعَ للأمة حبسُ اللسان عن كل ما لا ينفع فى الآخرة .

وأما فُضول المنام، فإنه شُرِعَ لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبةً، وهو السهر المتوسِّطُ الذى ينفع القلبَ والبدن، ولا يَعُوقُ عن مصلحة العبد، ومدارُ رياضة أربابِ الرياضات والسلوكِ على هذه الأركان الأربعة، وأسعدُهم بها مَنْ سلك فيها المِنهاجَ النبوىَّ المحمدىَّ، ولم ينحرِفْ انحراف الغالين، ولا قصَّر تقصير المفرِّطين، وقد ذكرنا هَدْيه صلى اللَّه عليه وسلم فى صيامه وقيامه وكلامه، فلنذكر هَدْيه فى اعتكافه .

كان صلى اللَّه عليه وسلم يعتكِف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفَّاه اللَّه عَزَّ وجَلَّ، وتركه مرة، فقضاه فى شوَّال.

واعتكف مرة فى العشر الأول، ثم الأوسط، ثم العشر الأخير، يلتمس ليلة القدر، ثم تبيَّن له أنها فى العشر الأخير، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عَزَّ وجَلَّ.

وكان يأمر بخباءٍ فيُضرب له فى المسجد يخلُو فيه بربه عَزَّ وجَلَّ .

وكان إذا أراد الاعتكاف، صلَّى الفجر، ثم دخله، فأمر به مرة، فَضُرِب فأمر أزواجه بأخبيتِهنَّ، فضُرِبت، فلما صلَّى الفجر، نظر، فرأى تلك الأخبية، فأمر بخبائه فَقُوِّضَ، وترك الاعتكاف فى شهر رمضان حتى اعتكف فى العشر الأول من شوَّال .

وكان يعتكِفُ كل سنة عشرة أيام، فلما كان فى العام الذى قُبِض فيه اعتكف عشرين يوماً، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنةٍ مرة، فلما كان ذلك العام عارضة به مرَّتين، وكان يَعْرِضُ عليه القرآن أيضاً فى كل سنة مرة فعرض عليه تلك السنة مرَتَّين .

وكان إذا اعتكف، دخل قُبَّته وحدَه، وكان لا يدخل بيته فى حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يُخْرِجُ رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجِّله، وتغسله وهو فى المسجد وهى حائض، وكانَتْ بعضُ أزواجه تزورُه وهو معتكِفٌ، فإذَا قامت تذهبُ، قامَ معها يَقْلِبُها، وكان ذلك ليلاً، ولم يُباشر امرأة مِن نسائه وهو معتكف لا بِقُبلَةٍ ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشُه، ووضِع له سريرُه فى معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته، مرَّ بالمريض وهو على طريقه، فلا يُعرِّجُ عليه ولا يَسْأَلُ عنه . واعتكف مرة فى قبة تُركية، وجعل على سدتها حصيراً، كلّ هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكسَ ما يفعلُه الجهالُ من اتخاذ المعتكف موضِعَ عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوى لون . واللَّه الموفق.

◄ فى هَدْيه صلى اللَّه عليه وسلم فى حَجِّه وعُمَره
العمرة

اعتمر صلى اللَّه عليه وسلم بعدَ الهِجرة أرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فى ذى القعْدة، الأولى: عُمرةُ الحُديْبِيَة، وهى أولاهُن سنةَ سِت، فصدَّه المشركون عن البيت، فنحرَ البُدْنَ حيثُ صُدَّ بالحُديبيةِ، وحَلَقَ هو وأصحابُه رؤوسهم، وحلُّوا من إحرامهم، ورجع مِن عامه إلى المدينة.

الثانية: عُمْرَةُ القَضِيَّةِ فى العام المقبل، دخل مكة فأقام بها ثلاثاً، ثمَّ خَرَجَ بعد إكمال عُمرتِه، واختُلِف: هل كانت قضاءً للعُمرة التى صُدَّ عنها فى العام الماضى، أم عُمرةً مستأنَفة؟ على قولين للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهُما: أنها قضاء، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه اللَّه . والثانية: ليست بقضاء، وهو قول مالك رحمه اللَّه، والذين قالوا: كانت قضاءً، احتجوا بأنها سميت عُمرة القضاء، وهذا الاسم تابع للحكم، وقال آخرون: القضاء هنا، من المقاضاة، لأنه قاضى أهلَ مكة عليها، لا إنه مِنْ قَضَى قَضَاءً . قالوا: ولهذا سميَّت عُمرةَ القضيَّة . قالوا : والذين صُدُّوا عن البيت، كانوا ألفاً وأربعمائة، وهؤلاء كلُّهم لم يكونوا معه فى عُمرة القضية، ولو كانت قضاءً، لم يتخلَّف منهم أحد، وهذا القولُ أصح، لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يأمُرْ مَن كان معه بالقضاء.

الثالثة: عُمرتُه التى قرنها مع حَجَّتِه، فإنه كان قارناً لبضعة عشر دليلاً، سنذكرها عن قريب إن شاء اللَّه .

الرابعة: عُمرتُه من الجِعْرَانَةِ، لما خرج إلى حُنين، ثم رجع إلى مكة، فاعتمر مِن الجِعْرَانَةِ داخلاً إليها .

ففي الصحيحين عن أنس بنِ مالك قال: ((اعتمَر رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فى ذِى القِعْدَةِ، إلاَّ الَّتى كانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ مِنَ الحُدَيْبيةِ أو زَمَنَ الحُدَيْبِيةِ فى ذى القِعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ العَامِ المُقْبل فى ذى القِعْدَةِ، وعُمْرَةٌ مِنَ الجِعْرانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ فى ذى القعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِه)).
ولم يُناقِضَ هذا ما فى ((الصحيحين)) عن البَّراء بن عازب قال: ((اعتمر رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فى ذى القعْدَةِ قبل أن يحجَّ مرتين))، لأنه أراد العُمْرة المفردَة المستقِلَّة التى تمَّت، ولا ريب أنهما اثنتانِ، فإن عُمرة القِران لم تكن مستقِلَّةٌ، وعُمرَة الحديبية صُدَّ عنها، وحيل بينه وبين إتمامها، ولذلك قال ابنُ عباس: ((اعتمر رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِية، وعمرُةَ القضاءِ مِنْ قابل، والثالثة من الجِعْرَانَةِ، والرابِعة مع حَجَّته)). ذكره الإمام أحمد.

ولا تناقض بين حديث أنس: ((أنهن فى ذى القِعْدة، إلا التى مع حَجَّته))، وبينَ قول عائشة، وابن عباس:((لم يعتمِر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا فى ذى القِعْدَة))، لأن مبدأ عُمْرة القِران، كان فى ذى القِعْدة، ونهايتُها كان فى ذى الحِجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها .

فأما قول عبد اللَّه بن عمر ((إن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعاً، إحداهُن فى رجب)). فوهم منه رضى اللَّه عنه . قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه ((يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عُمرةً قطُّ إلا وهو شاهد، وما اعتمر فى رجب قط)) .

وأما ما رواه الدارقطنى، عن عائشة قالت: ((خرجتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى عُمرة فى رمضان فأفطَر وصُمتُ، وقصَر وأتممتُ، فقلتُ: بأبى وأُمى، أفطرتَ وصمتُ، وقَصَرْتَ وأتممتُ، فقال: ((أحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ)) . فهذا الحديث غلط، فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يعتمِرْ فى رمضان قطُّ، وعُمَرُهُ مضبوطةُ العددِ والزمان، ونحن نقول: يرحَمُ اللَّه أُمَّ المؤمنين، ما اعتمر رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فى رمضان قطُّ، وقد قالت عائشةُ رضى اللَّه عنها ((لم يعتمِرْ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا فى ذى القعدة)) . رواه ابن ماجه وغيره.

ولا خلاف أن عُمَرَهُ لم تَزِد على أربع، فلو كان قد اعتمر فى رجب، لكانت خمساً، ولو كان قد اعتمر فى رمضان، لكانت ستاً، إلا أن يُقال: بعضُهن فى رجب، وبعضهن فى رمضان، وبعضُهن فى ذى القِعْدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع: اعتمارُه فى ذى القِعْدة كما قال أنس رضى اللَّه عنه، وابن عباس رضى اللَّه عنه، وعائشة رضى اللَّه عنها، وقد روى أبو داود فى سننه عن عائشة، ((أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر فى شوَّال)).. وهذا إذا كان محفوظاً فلعلَّه فى عُمرة الجِعْرَانَةِ حين خرج فى شوَّال، ولكن إنما أحرم بها فى ذى القِعْدة .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.