لا ندري أي قرن يعنون، من أطلقوا علي محاكمة مبارك ونجليه والعادلي وبعض كبار مسئولي النظام والأمن في عهده- محكمة القرن، هل هو قرن زمني أم قرن شيطان أم قرن آخر!! الجميع يعلمون أن القاضي مقيد في حكمه بالأدلة التي لديه، ولكن مهمة القضاء هي الوصول إلي الحق وتحقيق العدل ليسود الأمن في المجتمع، ولدي القاضي كل الحرية والصلاحيات لكي يطلب ما يستكمل به الأدوات والأدلة اللازمة لإحقاق الحق، وإيصال الحق إلي أهله وذلك حسب منهج الله سبحانه وتعالي الذي يقول في قرآنه الكريم"إن الله يأمر بالعدل"، الذي حدث في محاكمة مبارك لا يقبله عقل للأسباب الأتية: أولاً: لماذا استغرقت المحكمة كل هذا الوقت، والشعب علي أحر من الجمر، وخصوصاً أهالي الشهداء، وقد خلت- كما جاء في حيثيات الحكم- أوراق الدعوي ومستنداتها، من تسجيلات صوتية ذات مأخذ شرعي أو قانوني تطمئن إليه المحكمة، كما خلت من ضبط أي أوراق أو اتصالات يعتمد عليها. بل إن المحكمة لم تطمئن إلي دفاتر الأمن المركزي، وطبعاً هذا معناه أن الدفاتر التي قدمت للمحكمة مزورة أو ناقصة، كما خلت أوراق الدعوي من أدلة فنية قطعية تثبت أن وفاة المجني عليهم قد حصل نتاج أسلحة استخدمها الأمن، وأن التقارير الطبية لا تصلح دليلاً علي شخص من أحدث الاصابات، هذا كله رغم أن أوراق الدعوي قد بلغت ما يقرب من 60 ألف صفحة، كما خلت أوراق الدعوي من شواهد كدليل قاطع يثبت للمحكمة ارتكاب أي من المتهمين للجريمة غير مبارك والعادلي.. كيف يستطيع مبارك والعادلي وحدهما وبدون مساعدة أركان النظام الآخرين، ارتكاب كل تلك الجرائم في القاهرة والإسكندرية والسويس والإسماعيلية وبورسعيد وغيرها من المدن وبعضها تزامن في وقت واحد؟ هل هذا مقبول شرعاً أو عقلاً، أم أن هذا الوضع سيؤدي بدوره إلي ان يكون مطعونا عليه عند النقض وذلك للافراج عن مبارك والعادلي؟ ثانياً: إذا كانت المحكمة مطمئنة إلي ما قدمت من أحكام وما وصلت إليه عن يقين قاطع جازم تطمئن معه عقيدة المحكمة وأن الأحكام سليمة، فلماذا قدمت المحكمة ذلك البيان المخدر في صدر الاعلان عن الأحكام؟ ثالثاً: إن المقدمة نفسها مليئة بالتهم ضد النظام بأكمله، وضد مبارك وأركان نظامه بما قد يفضي إلي اتهام يصل إلي الخيانة العظمي، حيث ارتكب النظام الجرائم التالية كما جاء في صدر بيان الأحكام في محكمة القرن، قرن من الزمان أم قرن الشيطان والله أعلم. وأولها: طول كابوس ليل مظلم لم يدم لنصف ليل وفقاً لنواميس الحياة ولكنه لأغلب من 30 عاماً أسود أسود أسود اسوداد ليل شتاء، وثانيها: عدم توفير الحياة الكريمة ولقمة العيش لشعب مصر، وثالثها: عجز النظام عن أن يطعمهم(أي الشعب) من جوع ولا أن يسد رمقهم ولا أن يطفئ ظمأهم بنعمة عيش سعيد أو نوم في منازل كريمة، ورابعها: عجز النظام عن انتشال أبناء الوطن عن عفن العشوائيات بعد افتراشهم الأرض وتلحفهم بالسماء، وخامسها: عدم وجود فرص العمل التي تدر عليهم-أي علي الشعب- رزقاً حلالاً لا يكفي لسد حاجتهم، وانتشالاً من هوة الفقر إلي الحد اللائق بامكانيتهم، سادسها: أن الثوار ومعهم من استشهدوا خرجوا منادين: سلمية سلمية سلمية من أفواههم، وبطونهم خواء وقواهم لا تقوي علي المناضلة والجهاد، صارخين انقذونا ارحمونا انتشلونا من الذل والهوان، سابعها: تردي حال بلدهم مصر، اجتماعياً وثقافياً وتعليمياً وأمنياً، ثامنها: انحدار الحال- في مصر طبعاً- إلي أقل الدرجات من الأمم، تاسعها: أن مصر بعد أن كانت شامخة عالية من قبل، فأصبحت مطمع الغزاة والمستعمرين وأصبحت تتواري لها كل الأمم، عاشرها: أن من قامت الثورة ضدهم ارتكبوا الفساد وعميت قلوبهم وانطفأت مشاعرهم. هذه أهم التهم التي أكدها القاضي المستشار أحمد رفعت في بيانه الذي اعلنه قبل إعلان الأحكام والحيثيات. ومن العجيب أن يثبت القاضي في البيان أن المحكمة قد استدعت كبار المسئولين في الدولة ووجدت في شهادتهم إحقاق الحق، وما يزيل عنها الغموض في الدعوي وشهادتهم أمام الله وأمام المحكمة. وهنا يحق لنا أن نسأل القاضي المنصف ألا يعلم القاضي أن كبار المسئولين هم الذين كانوا مع مبارك طول الوقت أو معظم الوقت، وما سمعنا من أحدهم يوماً ما رفضًا لسياسته وظلمه وفساده وإجرامه، بل إن بعضهم كان شريكاً لمبارك في كل تلك الجرائم سواء رضي أم لم يرض بها، فكيف يكون عادلاً في شهادته من كان شريكاً لمبارك في هذا الظلم والفساد والجرائم التي عددها القاضي أحمد رفعت في بيانه، ألم يقرأ القاضي يوماً ما في القرآن الكريم"إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين"كيف يكون الحق أيها القاضي في غير هذا القرآن؟ وكيف يظلم الفرعون لو لم يطاوعه جنوده؟ لقد كان كبار المسئولين في الدولة يقولون لمبارك ألف مرة وكل مرة ومرة وهم يشيدون بأي إنجاز وهمي أو غير وهمي"حسب توجيهات السيد الرئيس"، ولكن القاضي الهمام كان محقاً وأحسبه عادلاً عندما اكد علي المعاني الآتية: أولها: أن مع بزوغ صباح الثلاثاء 25 يناير 2011 أطل علي مصر فجر جديد لم تره من قبل، أشعته بيضاء حسناء وضاءة تلوح لشعب مصر العظيم بأمل طال انتظاره ليتحقق معها شعاع وضاح وهواء نقي زالت عنه الشوائب العالقة. ثانيها: ان الشعب الذكي تنفس الصعداء بعد طول كابوس ليل مظلم، ثالثها: وكانت إرادة الله في علاه أن أوحي إلي شعب مصر بتلك الثورة تفوحهم رائحة الحق. رابعها: أن الشعب لم يطالب برغد العيش وعلياء الدنيا بل بتوفير الحياة الكريمة ولقمة العيش وأن يطعمهم من جوع وأن يسد رمقهم.. وكان ينبغي علي المحكمة بالتعاون مع النيابة أن تسعي لاستكمال ملف القضية وأوراق الدعوي حتي لا يفلت الجناة والمجرمون، وكان علي المحكمة أن تعاقب من سعي لتدمير الملفات أو إخفائها وكذا أوراق الثبوت والتسجيلات الصوتية ودفاتر الأمن المركزي لأنهم شركاء في الجريمة، ومكانهم السجن وليس المكاتب والمناصب، وكان علي المحكمة والنيابة أن تقف إلي جانب الشعب والثورة، ولا تثني كثيراً علي نفسها لأن ذلك يوحي لأصحاب العقل والحكمة أنها أرادت أن تبرئ نفسها قبل النطق بالأحكام، وكأنها تشعر بأنها لم تقف إلي جانب الحق والعدل أو فشلت في الوصول إليه، واكتفت بما لديها من أوراق- مهما كثرت- لا تفيد كثيراً في الوصول إلي الحق والعدل.. لا يهم الشعب كم من الساعات قضت المحكمة تنظر في الأمر، ولا يهم الشعب كم من الصفحات بلغت أوراق القضية، ولكن البحث الجدي حتي العثور علي ورقة واحدة أو مكالمة إثبات واحدة من الجهات العديدة المسئولة في الدولة، وهي رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن علي اختلاف مسمياتها هو واجب شرعي وقانوني، حيث يمكن أن يؤدي إلي الحق وإنصاف المظلومين. هل خلت كل أوراق وسجلات هذه الأجهزة من ورقة واحدة تثبت ذلك؟ أنا واثق قبل الكثيرين غيري من أن هناك شرفاء كثر، وأن هناك وطنيين بل وثوريين في هذه الأجهزة، ولو أمكن الوصول إليهم لكان خيراً لمصر كلها بدلاً من الاقتصار علي سؤال كبار المسئولين الذين شكلوا جزءاً من النظام الفاسد، وهم يخشون علي أنفسهم وعوائلهم من الوقوف يوماً ما أمام محكمة أخري، ولكن كل من خرب أو هرب أو اخفي شيئاً يتعلق بهذه الجريمة، هو مسئول يوم القيامة حيث لا يستطيع ان يخفي شيئاً ولا ان يهرب."يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل إمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه".. هذا هو طريق إحقاق الحق وإثبات العدل، وكان علي المحكمة كما كان علي النيابة أن تتبع هذا الطريق لا أن تجمع ستين ألف صحيفة لا تغني كثيراً عن الحق. وكلمة اخيرة لا أستطيع ان أخفيها، لقد حزنت وأنا أستمع إلي النطق بالحكم لسبب آخر هو، سوء نطق اللغة العربية الذي ميز كلام القاضي الكبير، حيث نصب الفاعل ووقع المفعول ، وأخطأ في تلاوة القران ، وكان من الأولى له أن يشكل قواعد اللغة العربية أو يعرفها ولايعرف كيف ينطق بها . نشر بتاريخ11/6/2012