إيران: قطع الاتصال بالإنترنت والاتصالات الهاتفية    اليمن يعفي وزير الدفاع من منصبه ويحيله للتقاعد    خبير علاقات دولية: العالم يعيش حربًا عالمية ثالثة بنسخة جديدة    النيابة تنتدب الطب الشرعى لتشريح جثامين المتوفين بعد اشتباه تسمم بشبرا الخيمة    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    وزير الزراعة: انخفاض أسعار الدواجن خلال الأيام المقبلة    حزن في كفر الشيخ بعد وفاة شابين من قرية واحدة إثر حادث سير    مصرع شخص في حادث مروري بقنا    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    منتخب مصر يواصل تدريباته في تغازوت استعدادًا لمواجهة كوت ديفوار    خالد سليم وهاني عادل وحمزة العيلي وانتصار وسهر الصايغ على قنوات المتحدة في رمضان 2026 | شاهد    خبير اجتماعي: الزواج في العصر الحديث أصبح أشبه ب«جمعية استهلاكية»    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    دراما ركلات الترجيح.. باريس يتوج بكأس السوبر الفرنسي على حساب مارسيليا    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    دمشق تستضيف الملتقى الاقتصادي السوري- المصري المشترك الأحد المقبل    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    ريهام حجاج تواصل تصوير مسلسلها «توابع» تمهيدا لعرضه في رمضان    صحة الإسكندرية تغلق 10 مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان | صور    ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك».. «أوقاف كفر الشيخ» تطلق البرنامج التثقيفي للطفل لبناء جيل واعٍ | صور    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    الحلقة 24 من «ميد تيرم».. دنيا وائل تقدم جانب إنساني عميق صدقًا وتأثيرًا    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    حريق 3 مخازن للخشب بالمنوفية    المبعوث الأممي باليمن: الحوار الجنوبي المرتقب فرصة مهمة لخفض التوترات    الذكاء الاصطناعى الدستورى- عندما يسبق الأمان التطوير.. نموذج أنثروبيك    مياه الجيزة: قطع المياه عن بعض المناطق لمدة 8 ساعات    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    بين الشائعات والواقع.. كواليس اجتماع مجلس إدارة الزمالك    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    الأكاديمية العسكرية تفتح باب التسجيل فى برامج الدراسات العليا للتخصصات الطبية    مسؤول سابق بوكالة الاستخبارات الأمريكية: الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مرحلة مؤسفة للغاية    رونالدو أساسيًا.. تشكيل النصر أمام القادسية في الدوري السعودي    الأغذية العالمي: 45% من سكان السودان يواجهون الجوع الحاد    غدًا.. إعلان نتائج 49 مقعدًا ب27 دائرة    انطلاق حفل توزيع جوائز ساويرس الثقافية بالجامعة الأمريكية    محافظ الجيزة يبحث آليات تنفيذ المرحلة الأولى من تطوير طريق «المنيب - العياط»    مانشستر سيتي بحسم صفقة جديدة في يناير    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    سانتفيت مدرب مالي: تنتظرنا معركة شرسة أمام أقوى فرق ربع نهائي أمم أفريقيا    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    تخصيص قطعتي أرض لتوفيق أوضاع عمارات إسكان اجتماعي بمحافظة جنوب سيناء    «التنمية المحلية» تعلن تشغيل 4 مجازر جديدة لسكان 3 محافظات    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    "تغيّر المناخ" يحذر من شتاء أشد برودة وتقلبات حادة تؤثر على المحاصيل والمواطنين    ضبط شخص بحوزته بندقية آلية لإطلاقه النار احتفالا بفوز مرشح انتخابى فى الدلنجات    مواجهة نار في كأس آسيا تحت 23 عامًا.. العراق يفتح النار على الصين في انطلاق المجموعة الرابعة    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    الهلال والحزم يلتقيان اليوم في مواجهة حاسمة بالدوري السعودي.. البث المباشر لكل التفاصيل    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    وزيرا خارجيتي السعودية وأمريكا يبحثان تعزيز العلاقات الاستراتيجية والوضع بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اهتمام واسع بصدور الجزء الثانى من «أحلام فترة النقاهة» لأديب نوبل نجيب محفوظ «3»
نشر في الشروق الجديد يوم 09 - 09 - 2015

اهتمام واسع لصدور جزء ثان «أحلام فترة النقاهة» للأديب العالمى نجيب محفوظ، الذى سيصدر قريبا عن دار الشروق، من نقاد وكتاب كبار، مثل د. حسين حمودة أستاذ الأدب بجامعة القاهرة، الذى جلست معه أربع ساعات نتحدث عن «أحلام فترة النقاهة» الجزء الأول والثانى.
وطوال الجلسة يؤكد د. حمودة رئيس تحرير دورية نجيب محفوظ التى تصدر فى ديسمبر من كل عام، أن «أحلام فترة النقاهة كنز حقيقى للإبداع فى العالم»، و«أن الجزء الثانى من الأحلام التى ستنشر استكمالا لإبداع محفوظ فى الجزء الأول».
ولمست سعادة بالغة من الكتابين الشابين المتميزين أحمد مراد وحسن كمال، وكذلك اهتمام من الكاتب حلمى النمنم رئيس دار الكتب والوثائق القومية، وشعرت بسعادة صافية من الأديب الكبير بهاء طاهر حينما عرف نبأ صدور الجزء الثانى من الأحلام.
ولنا أن نعرف أن نجيب محفوظ ذكر بهاء طاهر فى كراسة تدريباته، حسب د. يحيى الرخاوى الذى كتب فى مقالاته عن تلك الكراسة: «هل يا ترى جاء اسم بهاء طاهر عفوا بعد اسم الشاعر بهاء زهير، هذا كثيرا ما يحدث فى التدريبات، لكننى أعرف مكانة بهاء طاهر عند شيخنا «يقصد نجيب محفوظ»، وحين يقدر شيخ الرواية راويا بهذا التميز فهو أمر يستحق الاحترام والعناية، مع أننى لم أر وجه شبه بينهما، فكلاهما متميز بطريقته، وهذا من أروع ما نصادفه عند المبدعين الحقيقيين».
وفى السطور التالية نستكمل نشر آراء كتاب وأدباء حول أحلام فترة النقاهة: بهاء طاهر، أحمد مراد، حسن كمال، وحلمى النمنم.
بهاء طاهر: «أحلام فترة النقاهة» أجمل ما كتبه محفوظ
صدور جزء ثان من «أحلام فترة النقاهة» للأديب الكبير نجيب محفوظ خبر مفرح لكل القراء فى العالم، وهى خطوة جميلة من دار الشروق لحرصها على نشر عمل جديد لأديب نوبل، خاصة أنها تخص أحلام فترة النقاهة أجمل وأبدع ما كتب محفوظ، حيث نجد فيها الصوفى والشعرى والمزج بينهما. والأديب نجيب محفوظ يحمل فى وعيه وفكره وأدبه حضارتين، هما الحضارة الإسلامية من جهة والحضارة الفرعونية من جهة أخرى، مما أثر فى نتاجه وأدبه بشكل لافت، فضلا عن تأثره بالفلسفة بشكل كبير، لذلك فهو من أكثر الروائيين المصريين تسطيرا لتاريخ مصر القديمة فى رواياته. وكتابات نجيب محفوظ فتحت باب الحلم لثورة 25 يناير، حيث عبر عن هموم المواطن البسيط، وحياته اليومية فى معظم رواياته، إضافة إلى المزج بين العامية والفلسفة المستوحاة من قضايا وهموم الحارة، وظهر ذلك فى شخصية الفتوة.
وبهذه المناسبة أتمنى أن يتغير الخطاب الثقافى إلى الأفضل، فمازلنا نتعامل مع الثقافة كأنها أمر شرفى يتلخص فى جوائز ومهرجانات واحتفالات، لكن لم نفكر فى تحويلها إلى جزء من المجتمع، وأتذكر عندما كنت فى الثانوية كان الدكتور طه حسين وزيرا للمعارف، وكان يرى أن فى القراءة الحرة ثلث المناهج التعليمية، وهو ما قام بتطبيقه أثناء ولايته للوزارة، وقد وزعت علينا فى المدارس كتب مجانية للقراءة فقط، وبفضل هذه التجربة بدأ الكثير من الناس يهتم بالقراءة والثقافة، وتقرر بعدها دراسة عبقريات العقاد وكفاح طيبة لنجيب محفوظ، وتعلم التلاميذ اللغة من كلمات كبار المثقفين فى المجتمع، لكن الآن للأسف يتم فرض على التلاميذ نصوص أكل الدهر عليها وشرب وعدم ربطهم بالثقافات المعاصرة.
سعيد جدا بصدور الجزء الثانى من «أحلام فترة النقاهة»، وأشكر دار الشروق على جهدها فى صدور هذه الأحلام بالذات؛ لأنها بها خلاصة الجدل الفلسلفى الذى مارسه نجيب محفوظ فى أعماله خاصة «أصداء السيرة الذاتية»، وفى «أحلام فترة النقاهة» أيضا.
حلمى النمنم: نجيب محفوظ.. اكتشاف جديد
مجموعة جديدة من «أحلام فترة النقاهة»، تم اكتشافها أخيرا، وسوف تقوم «دار الشروق» بنشرها قريبا فى كتاب، بحكم أن نجيب محفوظ منح الدار حق نشر كل أعماله، وكانت جريدة الشروق نشرت قصة هذه الأحلام الجديدة، التى تتجاوز المائتى حلم، لذا فإن تناول مضمون هذه الأحلام بالدرس والتأمل، يتوقف إلى أن يتم نشرها.
الأحلام الجديدة لم يكتبها محفوظ بخطه، كما هو الحال فيما سبق من بعض الأحلام التى نشرت له، بمجلة «نصف الدنيا» أولا، تلك الأحلام كان يكتب بعضها بخط يده، وكان واضحا مدى المعاناة التى تكبدها فى الكتابة بعد العملية الإرهابية التى تعرض لها، الأحلام الجديدة تثبت أن خياله وموهبته فى السنوات الأخيرة كانت أقوى من قدرة يده على الكتابة، فراح يملى على بعض المحيطين به، خاصة الحاج صبرى سكرتيره الذى أكد فى حواره للشروق أن «محفوظ كان يحفظ الحلم ثم يمليه كلمة كلمة بدقة شديدة».
تفتح مجموعة الأحلام أفقا جديدا حول عمر المبدع، وهل للموهبة سن تتألق عندها أو تتوقف.. هل المسألة مرتبطة بالسن أم بالحالة الذهنية والنفسية؟ كان محفوظ على حافة التسعين من العمر وهو يملى تلك الأحلام وربما تجاوزها، وهى سن يراها كثيرون منا، مناسبة للتقاعد وللتوقف عن أى إنجاز، والجلوس على أريكة فى حديقة لانتظار ملاك الموت، لكن محفوظ يكذب ذلك التصور، وإن لم يكن الأول فى ثقافتنا المعاصرة الذى يفعل ذلك، ظل لطفى السيد يتمتع بذاكرة حية والتفكير العميق وهو فى التسعين، وكذلك كان دكتور إبراهيم بيومى مدكور رئيس مجمع اللغة العربية، ونعرف الآن أن دكتور طه حسين كان يجهز فى صيف سنة 1972 وكان جاوز الثمانين، لمواصلة كتابه «الأيام» حتى يصل به إلى الجزء الثامن وكتاب «الفتنة الكبرى» ليصبح فى أربعة أجزاء.
لا يرتبط الإبداع بمرحلة عمرية، بل بحالة ذهنية فى المقام الأول، نجيب محفوظ نفسه توقف عن الكتابة بين عامى 1952 و1957، حتى تصور أنه لن يعود إليها ثانية، وكان عفيا وشابا.
الاكتشاف الجديد لمحفوظ يلقى بالمسئولية علينا، سواء كنا باحثين أو ناشرين، وهى التواضع العلمى والتريث حين نطلق حكما بأن لدينا الأعمال الكاملة لمبدع أو مفكر بعينه، بات عندنا ولع خاص بهذه التسمية «الأعمال الكاملة»، ومعظم إن لم يكن كل من قيل إن أعمالهم الكاملة نشرت، تبين بالبحث أنها ليست كاملة، وأن هناك أعمالا أخرى لصاحبها لم يتم رصدها، ولا جمعها، فضلا عن نشرها؛ كانت إحدى دور النشر اللبنانية قامت بنشر ما أسمته الأعمال الكاملة لمحفوظ فور حصوله على نوبل، وكانت تسمية متعجلة، وأتمنى أن لا تكون أحلام فترة النقاهة، هى آخر الاكتشافات بالنسبة لعظيم الإبداع والكتابة نجيب محفوظ.
أحمد مراد: نجيب محفوظ أديب صعب التكرار
الأستاذ نجيب محفوظ من الكتاب الذين بدأوا الكتابة ولديهم مشروع، وهذا نادر فى عالم الأدب. كان له هدف من البداية، سواء عندما كتب عن مصر القديمة أو عندما انتقل إلى عالم الحارة المصرية. ثم تأتى «أحلام فترة النقاهة» تتويجا لمشروع محفوظ الأدبى، حيث مارس قمة الإبداع فى منطقة جديدة من عالم الكتابة وهى تجربة مثيرة لسببين: الأول أن محفوظ لآخر يوم فى عمره ظل يبدع، الثانى أن محفوظ وصل لقمة الاختزال والتجريب.. عادة التجريب الأدبى يتم فى مرحلة متقدمة من حياة الكاتب إلا أن محفوظ جرب طريقا جديدا فى لحظة فارقة عصيبة من حياته، وهو أديب وصل بالفعل للقمة.
أتصور أن الأستاذ نجيب محفوظ لو ما يزال معنا كان ليقول: «ما زلت أشعر أن لدى الكثير.. مازلت أريد التجريب وطرق مناطق وأساليب جديدة.. لولا العمر».
حسن كمال: محفوظ مبدع القصة القصيرة
أحلام فترة النقاهة أو ما يمكن أن نطلق عليها حقائق فترة النقاهة.. وهنا فى رأيى هى فترة نقاهة من كل صراعات الحياة وضغوطها.. الفترة التى تجلس فيها وحيدا مع نفسك لتتأمل شريطا طويلا من ذكرياتك محاولا إعمال عقلك فى كل ما مر بك.. وعندما نتكلم عن عقل وقلب وفكر العم نجيب محفوظ ستخرج لنا تلك الرؤى حاملة عشرات المعانى التى يلخصها ما كتبه منعكسا على رؤيتك الشخصية للعالم من حولك.
كما يحدث فى الأحلام وفى الحياة أيضا نجد تنوعا فى الأشخاص والأماكن والجو النفسى، فتارة تجد نفسك مشاركا بطل الحلم فى خوفه أو فى حيرته أو فى لحظة الإحباط التى تمر به وتارة تعيش معه لحظة أمل وسعادة، ثم تتخلص من الحلم نفسه ومن المكتوب لتجد أنه قدم لك فى كل حلم جرعة مكثفة من فلسفته تفرض عليك أنت أيضا أن تتعلم كيف ترى العالم من حولك.
وكنت دائما أرى أن نجيب محفوظ فى القصة القصيرة مبدعا كبيرا كما هو فى الرواية، وعندما شرعت فى قراءة تلك الأعمال التى أملاها هو بنفسه فى فترة كان عاجزا فيها عن الكتابة تأكدت من ذلك، فهو يقدم فيها نموذجا لما يطلق عليه القصة القصيرة جدا والتى تأتى دائما فى سطور معدودة لكنها تحتاج إلى قراءة متأنية ومتعددة، فمن هى المرأة الفاتنة التى سعى وراءها لكنه لم يستطع الوصول إليها أبدا، ومن تلك الأخرى التى ترتدى ملابس الرجال ثم تشهر مسدسها ومن هى الفتاة التى جذبها إلى صدره لكنه لم يستطع أن يخطو معها الخطوة التالية عندما بدأت الضجة.. ربما هذا الحلم تحديدا يثير فى داخلى شجونا خاصة قد تكون وليدة هذه الفترة التى لم يعشها هو معنا، ولم يعرف أن حلمه هذا وصف حالة جيل بأكمله عاش واقعا متطابقا.
يقول حلم الأستاذ:

وتلقيت‏ الدعوة‏ بذهول‏ وبفرح‏ شامل. وما‏ أن‏ دخلنا‏ الدور‏ التحتانى حتى جذبتها‏ إلى صدرى، ولكنى لم‏ أخط‏ الخطوة‏ التالية‏ لسماع‏ ضجة‏ غريبة‏.
واقتحم‏ المكان‏ نساء‏ ورجال‏ وشباب‏، وتفرقوا‏ فى الحجرات‏،‏ ثم‏ جاء‏ رجل‏ من‏ رجال‏ الأمن‏ ووقف‏ عند‏ الباب‏ زاعما‏ الحفاظ‏ على القانون ‏وكدت‏ أفقد‏ عقلى من‏ الذهول‏ وضاعف‏ من‏ ذهولى أنى رأيتهم‏ يغنون‏ فى حجرة‏، كما‏ رأيتهم‏ يرقصون‏ فى حجرة‏ أخرى،‏ ونظرت‏ إلى فتاتى مستغيثا‏ بها‏ فوجدتها‏ هادئة‏ باسمة‏.‏ وعند‏ ذلك‏ قررت‏ الهرب‏، غير‏ أنى رأيت‏ رجل‏ الأمن‏ عند‏ الباب‏ فتسمرت‏ فى وضعى فريسة‏ للذهول‏ وخيبة‏ الأمل‏.
وأنا لست ناقدا ولا حتى كاتبا فى حضرة أعمال الأديب الكبير، إلا أننى شاب من هذا الجيل.. سعى وراء الفاتنة التى سحرته وأخذ خطوة واسعة فى حلمه للحصول عليها إلا انه لم يتمكن من الوصول إليها بعد أن ثارت الضجة والفوضى والتى وصفها الأستاذ فى حلمه.. وانتهى بى الأمر مثلى مثل الآلاف متسمرا فى مكانى.. فريسة للذهول وخيبة الأمل.. منتظرا الحلم الجديد.
المدهش فى الأمر أن الحلم التالى مباشرة انتهى بالآتى:

عند‏ ذلك‏ رسخ‏ يقين‏ بأن‏ الشمس‏ ستشرق‏ غدا‏ على أرض‏ خضراء‏ وجو‏ نقى.
رحم الله الأستاذ.
صبرى حافظ: أحلام فترة النقاهة القديمة والجديدة
حينما عدت إلى (أحلام فترة النقاهة) فقرأتها مجتمعة، وجدت أننى بإزاء فعل من أفعال التشبث بالكتابة من كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، كالتشبث بالحياة التى تتسرب من بين الأصابع. وتتكشف فيها ذكريات الماضى، فى الجمالية أو العباسية، أو حتى مكاتب الحكومة التى قضى فيها عمرا، عن خواء أو سراب. وحتى الكتابة نفسها هى الأخرى، فقدت جسدها الراسخ الرصين الذى شكلت الثلاثية بجرمها الضخم مركزه، ولم تعد سوى شذرات حكمة، أم تراها أضغاث أحلام! ولكنها شذرات من نوع مغاير لتلك التى شكلت بنية روائية فريدة فى آخر أعمال محفوظ التى كتبها قبل الاعتداء الغادر على حياته، أى (أصداء السيرة الذاتية)؛ لأن أول ما نلاحظه عليها من اختلاف عما سبقها من أعمال كاتبنا الكبير هو غياب العناوين من تلك الأحلام، ومحفوظ أستاذ فى اختيار العناوين، وفى اختيار أسماء الشخصيات. فلا شىء فى عالمه يفلت من التدقيق والإثراء بالدلالات. أصبحت الأحلام مجرد أرقام لا تخضع لأى ترتيب بعينه. وليس ثمة إلا العنوان الأساسى (أحلام فترة النقاهة) الذى يذكر بالاعتداء الغشيم الغادر وأثره على الكاتب والكتابة معا.
ومع ذلك، ولأنها صادرة عن نجيب محفوظ الذى يقف عالمه الأدبى كله على أرضية راسخة من الفلسفة، استطاع أن يشيد بها عالما سرديا له خصوصيته وثراؤه. فمحفوظ دارس للفلسفة بالمعنى العميق للكلمة، وهو الأمر الذى أنقذ عالمه من الاندثار كعوالم كثيرين ممن كتبوا القصة والرواية قبله أو بعده. وبرغم غياب العناوين، واعتباطية التتابع، استطاع محفوظ أن يشيد فى تلك الأحلام عالما قائما على الخط الفاصل بين الواقع والحلم والكابوس. مترع بالاسترابات الغامضة، وأمشاج من ذكريات قديمة، ورغبة مستمرة فى استعادة الزمن المفقود، وتقديم صورته على مرايا الواقع الراهن. عالم يعيش فيه الإنسان تحت نوع غامض من الحصار، حصار محكم لا مهرب منه، أقرب ما يكون إلى العالم الذى شيده صامويل بيكيت فى (انتظار جودو) أو (لعبة النهاية). لكن ما يميزه عن عالم بيكيت الذى يبدو محايدا، أن إنسانه يعانى من إحساس مرير بالمطاردة، وإجهاض مستمر للتوقعات. يفتح بابا مألوفا فيتكشف عن هوة أو عن خطر؛ ويبصر أحبة قدامى فلا يأبهون له، ولا يتعرفون عليه، ويعرضون عنه. أهى الغربة الأزلية؟ أم هو الزمن؟
إنه فى أغلب الأحيان الزمن، ولكنه الزمن بالمعنى الفلسفى الذى نجده عند هايديجر فى (الوجود والزمن). لأننا أمام إنسان محاصر فى حاضر لا مهرب منه، إلا التوق إلى زمن ضائع، تبدد هو الآخر. محاصر فى حاضر مترع بالإحباط وخيبة الأمل، تملأه القمامة، وتسوده قوانين الغابة والقوة الغاشمة. ويجد الحالم نفسه دوما فى موضع الاتهام؛ أو التورط ثم الإدانة لأمر لا ذنب له فيه ولا جريرة. يحن دوما إلى عالم غنى بذكريات الزمن الأول، وبالحنين إلى ما دار فيها من تبادل للأشواق والعواطف والأحلام، وقد بدت الآن، أى زمن الكتابة نائية ومستحيلة.
فالواقع الراهن، بما فى ذلك حاضر المدينة التى أحبها وتغنى بها، يعانى هو الآخر من التردى، فقد هَرِم الحى القديم، وتبدد رونقه، وملأت الزبالة طرقاته. وتؤكد الأحلام واحدا بعد الآخر استحالة استعادة الحى، أو حتى البيت إلى رونقه القديم. وكأن الإنسان محاصر فى حاضر كئيب/ سجن لا فكاك منه. لذلك نجد أن كثيرا من تلك الأحلام مسكون بهاجس الموت، وبأطياف من ماتوا، بصورة توشك أن تكون فى مستوى من مستوياتها تناولات مختلفة لقضية الموت فى عمقها الفلسفى. لأن العمل كله مكتوب من منظور كهل هدّه الزمن، فوهن منه الجسد، ولكن الروح لا تزال وثابة تتطلع إلى المزيد. وهذا ما جعل العمل كله أقرب إلى الشذرات السردية ذات النكهة الفلسفية المترعة بحكمة عمر من التجارب والخبرات والتواريخ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.