جامعة عين شمس تشارك في ملتقى «توب نوتش أبوظبي» للتعريف ببرامجها التعليمية    محافظ أسيوط يشهد احتفال مديرية الأوقاف بذكرى الإسراء والمعراج بمسجد البقلي    الزراعة: استصدار 465 ترخيصا لمشروعات إنتاج حيواني وداجني    وزير التعليم يصطحب نظيره الياباني لتفقد "محور شينزو آبي"    «النصر للملاحات» تصدر أكبر شحنة ملح في تاريخها من ميناء العريش    «الزراعة» تصدر 790 رخصة تشغيل لمشروعات الثروة الحيوانية والداجنة    بوليتيكو: الاتحاد الأوروبي يبحث فرض عقوبات جديدة ضد إيران    مصادر: اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة تبدأ اجتماعاتها في مصر    تنسيق «مصري أمريكي» لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة «ترامب» للسلام في غزة    ألمانيا تستعد لاستقبال الرئيس السوري مطلع الأسبوع المقبل    روما يضم مالين معارا من أستون فيلا    مواعيد مباريات الجمعة 16 يناير - كأس عاصمة مصر.. وقمة فرنسية والدوري السعودي    اليوم.. انطلاق منافسات بطولة كأس السوبر المصري للكرة الطائرة رجال    اتحاد جدة ينتظر رد كانتي    ديانج ينتظم في تدريبات الأهلي اليوم بعد انتهاء الراحة    مصرع عنصرين شديدي الخطورة وضبط نصف طن مخدرات| صور    عودة حركة الملاحة بميناء البرلس واستئناف رحلات الصيد    غدًا، 99 ألف طالب وطالبة يؤدون امتحانات الشهادة الإعدادية بسوهاج    مسجد القاياتي بالمنيا تحفة عثمانية تجمع بين الروحانية والفن المعماري    محافظ أسيوط: يوم ثقافي فني للتوعية بالوقاية من الحريق    تسرب غاز ينهي حياة طفلين شقيقين في أبو النمرس بالجيزة    إصابة 3 أشخاص في حريق داخل مطعم شهير بالعجوزة    إصابة 3 أشخاص فى انهيار جزئى لمنزل بقنا    الداخلية تضبط كميات ضخمة من المخدرات وتنفذ أكثر من 83 ألف حكم قضائى    شهيدة ومصابون برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلى غرب خان يونس    تعرف على حالة الطقس اليوم الجمعة 16 يناير بجنوب سيناء    الصحة توقع بروتوكول تعاون مع مؤسسة CSAI الإسبانية لتطوير منظومة التبرع بالأعضاء    منتخب مصر : لا صحة لاعتزال محمد صلاح والشناوى دوليا بعد كأس العالم    إيران تعتقل 3 آلاف شخص بتهمة التورط فى «أعمال شغب مسلح»    كبير الأثريين بوزارة السياحة: يجب استغلال زيارة ويل سميث في إنتاج فيلم عالمي عن الحضارة المصرية    ندوة فكرية تناقش موقف الإنجيليين من إسرائيل اليوم    استقرار سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك المصرية    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 16يناير 2026 فى المنيا    نجاح حفر آبار جديدة بمصر يضيف 47 مليون قدم غاز و4300 برميل يوميا    مسلسل ميدترم الحلقة 30.. ياسمينا العبد تخضع للعلاج النفسى    تقدر تختار.. فيلم لجامعة القاهرة لرفض صور التنمر والايذاء النفسى    عاشور: التعاون مع OBREAL يفتح آفاقًا جديدة أمام الجامعات لإعداد مشروعات بحثية مشتركة    مديرة القسم المصرى فى "اللوفر" تكشف أخطر 7 دقائق من عمر المتحف.. هيلين غيتشارد: المجموعات المصرية آمنة تماما.. والتسريب لم يشكل أى خطورة على المعروضات.. جار البحث عن المسروقات والعقل المدبر لا يزال هاربا    المغرب والسنغال.. «أسود» تتصارع على «النجمة الثانية» في كأس الأمم الإفريقية    استعدادا لشهر رمضان، طريقة عمل مخلل الزيتون العزيزي    سعر الذهب اليوم الجمعة 16يناير 2026 في محال الصاغة    آداب وسنن يوم الجمعة    قراءة تربوية قيميّة في ذكرى الإسراء والمعراج    تسليم عقود المنتفعين بالتجمعات التنموية بالحسنة    فضل قيام الليل في ليلة الإسراء والمعراج وأهميته في التقرب إلى الله    تعرف على عقوبة تزوير التقرير الطبي وفقًا للقانون    زعيمة المعارضة الفنزويلية تلتقى ترامب وتهديه ميدالية جائزة نوبل للسلام    شيخ الأزهر يحذِّر من خطورة التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك    بعد انقطاع 5 سنوات.. وزير الثقافة يقرر سفر الفائزين بجائزة الدولة للإبداع الفني إلى أكاديمية روما    الأمم المتحدة تحذر من تفاقم الوضع حال شن ضربة عسكرية على إيران    وزارة الصحة: أكثر من 22.8 مليون خدمة طبية بمحافظة البحيرة خلال عام 2025 ضمن جهود تطوير الرعاية الصحية    صحة مطروح: إجراء 33 تدخلا جراحيا ناجحا بمستشفى سيوة المركزي    جامعة سوهاج ترد رسميًا على أزمة الطالبة الأولى بقسم اللغة الفارسية    أول تعليق من فليك على وداع ريال مدريد التاريخي لكأس إسبانيا    أبطال وصناع فيلم مؤلف ومخرج وحرامي يحتفلون بعرضه الخاص    متحدث الحكومة: أنفقنا 300 مليار جنيه على تطوير الموانئ المصرية    لأول مرة في تاريخ الطب البشري، نجاح أول جراحة لتحويل مسار الشريان التاجي دون فتح الصدر    محافظ قنا يشهد احتفالية "الإسراء والمعراج" بمسجد سيدي عبد الرحيم القنائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل زل بازل.. أم هى جريمة متعمدة؟
نشر في الشروق الجديد يوم 26 - 04 - 2009

مع اشتداد الأزمة التى شملت العالم كله، ردد أنصار الليبرالية الجديدة أنها لم تكن متوقعة، بل ذهب البعض إلى اعتبارها مخالفة لكل القواعد، فأطلق د.حازم الببلاوى عليها اسم «البجعة السوداء» لأن الثابت علميا أن البجع أبيض، فظهرت بجعة سوداء لتنفى ما يعتقد أنه مؤكد. ولعل من أسباب استبعاد حدوث أزمة بهذا القدر يعود إلى الثقة المفرطة فى التقدم الكبير لعلوم الإدارة ونظم جمع المعلومات ومعالجتها وفى أساليب التنبؤ وفى النظم المحاسبية القائمة على «الشفافية»، وفوق هذا وذاك ما يدعى «بازل»، الذى تحول من أول إلى ثانى، وهو فى طريقه إلى ثالث. وشهر السادة القابعون على رأس الرأسمالية العالمية سيف الشفافية على الدول، التى اتهمت بتدنى أساليب إدارة شئونها، وسيف بازل على بنوكها الضعيفة، وفرضوا تحرير للخدمات وفى مقدمتها المصرفية، لتتولى البنوك الأجنبية تطوير أوضاعها، ومن خلالها إلحاق اقتصاداتها بشركاتها لتستكمل بذلك آليات الاستعمار الجديد.
وبازل مدينة سويسرية على حدود كل من ألمانيا وفرنسا، اختيرت فى 1930مركزا لبنك التسويات الدولية BIS، الذى أنشئ ليستكمل الاستيلاء على التعويضات، التى فرضتها معاهدة فرساى على ألمانيا، وليتحول إلى بنك للبنوك المركزية. وقد عقدت «لجنة بازل للرقابة على البنوك» فى 1988 اتفاق بازل الأول بشأن متطلبات رءوس أموال البنوك لمواجهة مخاطر الائتمان، الذى تقدمه وأسلوب قياس تلك المخاطر. وتبع هذا موجة من الاندماجات بين البنوك حتى تكتسب تقديرا يسهل تعاملها فى الأسواق العالمية. ثم جاءت بازل 2 فى يونيو 2004 معتمدة ثلاثة أعمدة، هى: تعيين الحد الأدنى اللازم من وجهة نظر المخاطر بمختلف أنواعها بناء أدوات مراقبة على أداء البنوك بالنسبة لتلك المخاطر تحقيق قدر أكبر من الاستقرار فى النظام المالى بزيادة درجة إفصاح البنوك عن أعمالها حتى يتمكن السوق من الحصول على صورة دقيقة عن أوضاعها. إلا أن الوكالات المختصة فى النظام الاحتياطى الأمريكى أعلنت فى سبتمبر 2005 عزمها على إعادة النظر فى القواعد الواردة فى الاتفاقية، مما عطل تنفيذها إثنى عشر شهرا. وتم الإعلان فى يوليو 2006 عن صيغة معدلة للاتفاقية، بينما أعلنت الأجهزة المشرفة على النظام المصرفى الأمريكى قواعد إرشادية لعملية المراقبة فى 16 يوليو 2008. وتوضح هذه المماطلة أن وراء الأكمة ما وراءها.
من جهة أخرى، أدى تنامى الفوائض لدى العديد من الدول إلى دخول لاعبين جدد فى التعامل بالأصول المالية بحيث فاقت ثلاثة أمثال حجم الناتج المحلى الإجمالى العالمى البالغ حوالى 50 تريليون دولار، وتراجع نصيب البنوك منها إلى الربع. وأدى تدفق تلك الأموال إلى إبقاء أسعار الفوائد منخفضة، مما ساعد على التساهل فى منح رهون عقارية ضخمة وعالية المخاطر، فارتفعت قيمة العقارات فى الدول الصناعية بنحو 30 تريليون دولار بين عام 2000 و2005. وعقب انفجار فقاعات سوق الأسهم المالية فى مارس 2000، خفّض مجلس الاحتياطى الفيدرالى (البنك المركزى الأمريكى) فائدة الخصم لديه بشكل حاد، وطالت فترة التخفيض إلى أن أدت إلى توسع اقتصادى قوى، وإلى فقاعة الإسكان. وادعى رئيس المجلس، جرينسبان أنه يصعب اكتشاف فقاعات العقارات مقدما، وأنه يمكن تخفيف تداعياتها إذا حدثت، ولذا استبعد استخدام السياسة النقدية لتجنب حدوثها. وأعطى هذا الإشارة الخضراء للمضى فى نفخ الفقاعة، اطمئنانا إلى تدخل البنك المركزى فى الوقت المناسب. وظلت الفائدة منخفضة تغرى بالمزيد من الرهونات. وفى فبراير 2007 اكتشفت خسائر مؤسسة «إتش. إس. بى. سى» القابضة و«نيوسينتشرى فايننشال» فى سوق الرهن الثانوية، أدت إلى إفلاس الثانية لأنها كانت الأكثر تورطا. واتضح أنه كان بالإمكان توقع الأزمة قبل وقوعها بأكثر من عام، ومعرفة أسبابها، ورغم ذلك تغاضى الجميع عنها!!
ولما حذر صندوق النقد الدولى حينذاك من خطورة الوضع فى قطاع الرهن العقارى، أعادت البنوك هيكلة قروض الرهن العقارى عالى المخاطر، وبيعها على شكل التزامات دين مضمون وأدوات مالية أخرى لبنوك وصناديق استثمار على مستوى العالم فامتدت الفقاعة خارج الولايات المتحدة. وعندما توقف الطلب على تلك الأوراق وتعثر سداد ما قيمته 57 مليار دولار من قروض الرهن العقارى، اضطرت البنوك والصناديق إلى خفض قيمة ما بحوزتها وهو ما أفزع المستثمرين، فحدث ضغط على أسواق الائتمان للاقتراض، نظرا لتعذر الحصول على سيولة ببيع الأصول لآخرين. فقام الاحتياط الفيدرالى بضخ 17 مليار دولار، وقامت بنوك مركزية أخرى بخطوات مماثلة. إلا أن هذا لم يمنع اضطراب سوق المال فى وول ستريت، ووصوله مداه يوم 16/8/2007 الذى لقب بالخميس الأسود. وتعرضت شركة كانترى وايد فاينانشال أكبر شركة أمريكية للرهن العقارى للإفلاس، وتراجعت البورصات العربية لقيام عدد من الأجانب بعمليات بيع للحصول على سيولة. وقبل أن يترك الإسبانى رودريجو راتو رئاسة صندوق النقد (الذى استقال قبل نهاية مدته هل للاستقالة علاقة بما كان يجرى؟) حذر فى 8/10/2007 بأن المخاطر على الاقتصاد العالمى بسبب الاضطرابات فى الأسواق أكبر مما كانت عليه قبل نحو ستة أشهر، وأنها لم تنته وستمتد إلى الاقتصاد الحقيقى وميزانيات الحكومات. ولم تبلغ أرباح البنوك الأمريكية 6 مليارات دولار فى الربع الرابع من 2007 بعد أن كانت تتراوح بين 31 و38 مليارا فى ربع السنة.
وفى الربع الأول من 2008 ازداد عدد البنوك المهددة بالإفلاس إلى 117، حجم أصولها 78 مليارا. وفى مارس 2008 قام الرئيس الجمهورى لمجلس الاحتياطى بن برنانكى بدفع الكونجرس للموافقة على خطة إنعاش بقيمة 170 مليار دولار، وقدم المجلس 30 مليار دولار لتمويل صفقة استحواذ مجموعة «جيه.بى مورجان تشيز» المصرفية على بنك بير ستيرنز الاستثمارى، وأعطى قروضا لبنوك أخرى ومنحها تسهيلات إقراض جديدة غير عادية للتقليل من احتمال حدوث انهيار مالى، وعين موظفين تابعين للمجلس داخل البنوك الاستثمارية لفحص دفاترها. وقام بسلسلة غير عادية من التخفيضات على أسعار الفائدة، فاتُهم بأنه يشعل نار التضخم ويبدد الأموال العامة فى أصول رديئة كالرهن العقارى والسيارات ضمانا للقروض التى قدمها لمؤسسات مالية متعثرة. ورغم تردد الحديث فى منتصف 2008 عن احتمال إفلاس بنكين كبيرين، انتظر الجميع الاثنين الأسود 15/9/2008 ليتهاوى بنك «ليمان براذرز» ومؤسسة «ميريل لينش»، وهما اثنان من أكبر العمالقة الماليين، متسببين فى اضطراب خطير فى البورصات العالمية. ومع أن التأمين هو السند فى مثل هذه الظروف، اتضح أن شركاته لم تكن أفضل حالا، فقد انهارت أكبر مؤسسة: «مجموعة التأمين الأمريكية» إيه. آى. جى، لنفس الأسباب. وكأننا «جبتك يا عبدالمعين تعيننى.. لقيتك يا عبدالمعين تنعان». وحاليا تستخدم أموال الإنقاذ فى دفع الرواتب الخيالية بدعوى الخوف من فقدان خبراتهم!!
إن تسلسل الأحداث على مدى عامين كان كفيلا بأن يقرع أجراس الإنذار. واختلاف الآراء بالنسبة للسياسات المالية التى تعتبر الأداة الرئيسية فى اقتصاد رأسمالى، تظهر أن البشر أصبحوا ضحايا وصفات اقتصادية رديئة لنظريات تُمنح بشأنها جائزة نوبل، فإذا بها تهدم المعبد على أصحابه. إنها الأيديولوجية الحمقاء التى طالما استخدم التنديد بها سلاحا فى الصراع مع المعسكر الاشتراكى. وينطبق عليها القول: «إن كنت لا تدرى فهى مصيبة.. وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم»....


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.