عندما سُئل مارك روبيو، وزير الخارجية الأمريكى، عن سبب مهاجمة أمريكالإيران، قال نصًا: «كنا نعلم أن إسرائيل ستهاجم إيران، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدى إلى هجوم ضد القوات الأمريكية، وإذا لم نتحرك بشكل استباقى فسنتعرض إلى خسائر أكبر». وتعليقًا على هذا التصريح، قال أنطونى بلينكن، وزير الخارجية الأمريكى السابق: «إن إسرائيل حاولت منذ إدارة أوباما أن تدفع أمريكا للقيام بعمل عسكرى ضد إيران، وكانت تقول إنه إذا رفضت أمريكا ذلك، فإن إسرائيل ستقوم بذلك بمفردها». ولكن أوباما رفض، مفضلا معالجة الأمر دبلوماسيًا، ولم تقم إسرائيل بالهجوم بمفردها كما هددت. ويبدو أن إسرائيل كررت نفس المحاولة مع بايدن، وقوبلت بالرفض أيضًا، فلم تقم بالهجوم بمفردها، ولم تنجح إلا مع ترامب، الذى لا يستشير أحدًا، كما أن المحيطين به فى ولايته الثانية لا يسمعونه إلا ما يود أن يسمعه. • • • وهكذا نجح جاريد كوشنر، صهر ترامب اليهودى ومهندس الاتفاقيات الإبراهيمية، فى إقناع ترامب بأن الوقت مناسب جدًا الآن لتحقيق كل الأهداف المرجوة، وأن إيران فى أضعف حالاتها بعد أن فقدت سوريا، وبالتالى انقطع خط الإمداد بينها وبين أهم أذرعتها فى المنطقة، وهو حزب الله. كما أن العقوبات الاقتصادية قد أنهكتها، وزَين له نتنياهو الأمر وصوّره له على أن النظام الإيرانى أصبح هشًا وضعيفًا بعد المظاهرات التى عمت المدن الإيرانية ضده، والتى شارك فيها لأول مرة ما يعرف بإيران «بتجار البازار»، الذين كانوا فى السابق من أهم الفئات المؤيدة للنظام ويشكلون عصب التجارة الداخلية فى إيران. كما نجح نتنياهو فى إقناع ترامب بأن العملية لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام، وأنه يتعهد بالقضاء على رأس النظام وكبار معاونيه فى اليوم الأول من الحرب. • • • وهكذا «انجر» ترامب إلى خطط نتنياهو التى رفضها الرؤساء السابقون، بالرغم من معارضة غالبية الشعب الأمريكى لهذه الحرب وفقًا لاستطلاعات الرأى العام، وبالرغم من وعوده الانتخابية التى تم انتخابه على أساسها، وأبرزها: • أنه سينهى تلك الحروب السخيفة، خاصة فى الشرق الأوسط، وأنه لن يبدأ أى حرب جديدة. • أنه سيعلى مبدأ «أمريكا أولًا». • أنه سيعمل على خفض أسعار المعيشة ورفع القدرات الاقتصادية لعامة الشعب. • • • وإذا بالأيام الثلاثة الموعودة تمر دون استسلام إيران، وإذا بإيران توسع نطاق العمليات لتصيب ما تراه مصالح أمريكية فى دول الخليج، وإذا بأسعار البترول تتجاوز المائة دولار للبرميل، وإذا بسعر جالون البنزين يرتفع بالنسبة للمواطن الأمريكى بمقدار دولار للجالون فى الأسبوع الأول من الحرب، وإذا بإيران تعلن أن مضيق هرمز، الذى يمر منه خُمس احتياج العالم من الطاقة (النفط والغاز)، مغلق لدول الأعداء وحلفائها، وأن على جميع الدول الأخرى الراغبة فى استخدام المضيق أن تطلب إذنًا من إيران، وأن البرلمان الإيرانى سيبحث فرض رسوم على مرور السفن المسموح لها بالمرور. وإذا أيام الحرب تتوالى حتى تصل إلى بداية الأسبوع الرابع، وإذا وزارة الحرب الأمريكية تطلب زيادة فى الميزانية قدرها 200 مليار دولار، وإذا ارتفعت نسبة المعارضة للحرب وفقًا لاستطلاعات الرأى العام من 47% فى 16 مارس إلى 60% فى 22 مارس (Emerson College & CBS News). • • • إذن، استيقظ ترامب على موقف وجد نفسه فيه فى ورطة شديدة، وهو الذى كان يظن أن إيران، بمجرد حشد الأساطيل، ستستسلم قبل بدء الحرب. وقد صرح بذلك ستيف ويتكوف، الرجل المقرب جدًا من ترامب والذى كان يقود المفاوضات مع إيران، حيث قال نصًا: «إن الرئيس مندهش أن إيران لم تستسلم حتى الآن»، وذلك قبل أن تطلق رصاصة واحدة فى هذه الحرب. هذه الورطة تزداد فداحتها إذا أخذنا فى الاعتبار أننا فى عام انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، فماذا يفعل ترامب؟ • • • لقد لجأ إلى ورقة «التهويش» التى يجيدها، فقرر إصدار إنذار موقوت بفترة زمنية مقدارها 48 ساعة، طالبًا من إيران فتح مضيق هرمز، وإلا سيقوم بتدمير منشآت الطاقة ومنشآت توليد الكهرباء فى جميع أنحاء إيران بدءًا بأكبرها، وهدد باحتلال جزيرة خرج، التى تضم 90% من المنشآت البترولية الإيرانية، وقام بالفعل بإرسال وحدات من مشاة الأسطول لهذا الغرض. ولكن إيران لم تهلع ولم تطلب التفاوض، بل على العكس لجأت إلى تهديد مضاد مفاده أنها ستستهدف منشآت البترول فى الخليج. • • • كانت مهلة إنذار ترامب تنتهى مساء الاثنين 23 مارس، وفى صباح يوم الاثنين أصدر ترامب بيانًا أعلن فيه مد المهلة لخمسة أيام إضافية، وذكر أن السبب هو بدء محادثات جيدة جدًا وبناءة مع إيران تهدف إلى إيجاد حل دائم وكامل للأعمال العدائية. والغريب فى الأمر أن إيران نفت وجود أى محادثات، سواء مباشرة أو غير مباشرة، مع الولاياتالمتحدة، وأعلنت أنها فقط تلقت طلبًا أمريكيًا ببدء مباحثات مع رئيس البرلمان الإيرانى وأنها تدرس هذا الطلب. أى إن إيران لم تمنح ترامب حتى ورقة حفظ ماء الوجه. • • • والتفسير المتداول هو أن مصر وتركيا وباكستان قاموا بجهود دبلوماسية مع ترامب أدت إلى هذا التراجع، الذى كان له وقع الصدمة فى إسرائيل، وهى التى كانت تدعى أنها حققت كل الأهداف، ولكنها مضطرة للاستمرار نظرًا لأن قرار الحرب بيد ترامب. وحقيقة الأمر أنها لا تريد إيقاف الحرب ولا تريد أى اتفاق مع إيران مهما كان، لأن الهدف الحقيقى لإسرائيل هو تحويل إيران إلى دولة فاشلة تتنازعها حروب طائفية بين القوميات المختلفة (العرب والأذريون والأكراد… الخ). كما كانت تعول على تنفيذ ترامب لإنذاره حتى ترد إيران بقصف منشآت البترول فى الخليج، وحتى تضطر دول الخليج إلى الاشتراك فى الحرب ضد إيران. • • • ترامب المغرور لا يعرف شيئًا عن إيران ولا عن عقيدة الاستشهاد، كما أنه لا يعرف أنه بأفعاله الوحشية الحمقاء قد ساهم فى القضاء على كل المعتدلين فى نظام الحكم، وتولى الآن أكثر الأفراد تطرفًا، وعلى قمتهم المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئى، ابن المرشد الذى قُتل فى الحرب. ومجتبى هذا هو أصلا أكثر تطرفًا من أبيه، كما أصبح الآن لديه حافز شخصى يدعوه للانتقام، فهو لم يفقد أباه فقط، ولكنه فقد أمه وزوجته وابنته فى الضربات الأولى للحرب. • • • إذن، ماذا بعد؟ أتوقع أن تنجح الوساطة المصرية التركية الباكستانية فى إيقاف القتال من جانب أمريكا وبدء محادثات طويلة وبطيئة. أما إسرائيل فلن تستطيع الاستمرار بمفردها، وستكتفى بالاستمرار فى حربها ضد لبنان لتنفيذ هدفها المعلن الآن فى الاستيلاء على منطقة الجنوب حتى خط نهر الليطانى، الذى تطمع فى أن يكون حدودها مع لبنان. ودمع لا يكفكف يا بلادنا العربية؟