وكيل مديرية التربية والتعليم بالجيزة يجري جولة تفقدية داخل إدارة البدرشين التعليمية    تكثيف الرقابة التموينية بالتل الكبير بالإسماعيلية لمتابعة التزام المخابز    طلب إحاطة لرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 7 آلاف جنيه وربطه بالأجور    سياسي فلسطيني: موقف مصر الرافض لتهجير الفلسطينيين سيسجل في التاريخ    حصاد الرياضة المصرية اليوم الإثنين 23 – 2 – 2026    ليفربول يدرس بيع جاكبو.. وسلوت يشترط إيجاد البديل    إصابة طفلين وسيدة فى حوادث منفصلة لسقوط من علو بالدقهلية    الداخلية تضبط بلطجي "سلاح الغربية" بعد ساعات من ظهوره بمقطع فيديو    مصرع عامل في تصادم بطريق الواحات بالصحراوي الغربي في سمالوط    الحلقة 6 من علي كلاي.. المعلم عظيمة يطرد صفوان    أسامة علام ل باب الرجاء: إيهاب مبروك شريكي ومؤسس أول فرقة إنشاد    رأس الأفعى الحلقة 6.. إسلام جمال يعود لمخبأ شريف منير ولم يجده    مسلسل "درش" الحلقة 6، مصطفى شعبان يثير الحيرة بشخصيته الحقيقية    صلاة التراويح من مسجد عبود بكوم أمبو.. فيديو    الصيام وتحسين ضبط النفس العصبي، وتأثيره على استجابتنا للضغوط والانفعالات    إصابة 3 أشخاص في حريق وحدة سكنية بقنا    ضبط مصنع أسلحة داخل ورشة حدادة بالفيوم والتحفظ على 400 قطعة    الجمعة.. «المركز القومي» يحيي ذكري رحيل عبد الغفار عودة على مسرح الغد    مسابقة رمضانية للأوبرا فى الاذاعة    زيزو يتعرض للسخرية على الهواء مع رامز جلال    50 ألف مصلٍ يؤدون العشاء والتراويح في المسجد الأقصى وسط أجواء روحانية    مفتي الجمهورية: زهد النبي طريق إلى محبة الله والناس والطمأنينة(فيديو)    ما حكم صيام الحائض والنفساء؟    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد إفطار مدارس السلام ببنها بحضور محافظ القليوبية    المستشار الألماني قبيل زيارة بكين: بوتين يمكن أن يوقف الحرب بكلمة من الرئيس الصيني    وكيل وزارة الصحة بالدقهلية يعقد اجتماعًا موسعًا لمراجعة توصيات الاجتماع السابق ومؤشرات الأداء    هل اقتربت الحرب بين أمريكا وإيران؟.. خبير علاقات دولية يُجيب    «تعليم الجيزة» تتابع تنفيذ مبادرة «مدارس بلا رواكد»    محافظة القاهرة: قرار الاستيلاء على موقع مدرسة المنيرة يهدف إلى ضمان استمرار العملية التعليمية    وزير الصحة يبحث مع السفير الفرنسي دعم علاج أورام أطفال غزة بمستشفى «جوستاف روسي»    تقرير: أتلتيكو مدريد يحدد سعر ألفاريز.. وثنائي إنجلترا ينافس برشلونة    وزير الري: مصر حريصة على تعزيز التعاون مع دول حوض النيل ونقل الخبرات لها    «قناة السويس» تشهد عبور سفينة الغطس HUA RUI LONG    جامعة قناة السويس تعزز بناء الوعي القيمي والمهاري لدى طلاب المدارس بسلسلة ندوات نوعية بالتعاون مع المجمع التعليمي    مواقيت الصلاة اليوم الأثنين في الاسكندرية    سابالينكا تحافظ على صدارة التصنيف العالمي لتنس السيدات    مصر تعزي نيجيريا في ضحايا الهجوم الإرهابي بولاية زامفارا    مؤسسة نبيل الكاتب الخيرية عضو التحالف الوطنى توزع 4000 وجبة جاهزة بالبحيرة    لتحلية رمضانية سريعة، طريقة عمل الكنافة السادة    فضل صلاة التراويح وكيفية أدائها في رمضان (فيديو)    الداخلية تكشف شبكة غسل أموال مرتبطة بالمخدرات وتضبط 3 عناصر جنائية    مجلس النواب الأردنى يثمن المواقف العربية والإسلامية الرافضة لتصريحات السفير الأمريكى    التحقيق مع محمد عواد في الزمالك لرفضه الجلوس على الدكة    انطلاق تداول العقود الآجلة في البورصة المصرية.. الأحد المقبل    تراجع أسعار النفط مع إعلان أمريكا وإيران جولة جديدة من المحادثات النووية    رئيس الوزراء يتابع مُستجدات تنفيذ مشروع "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي    تصل ل 8 درجات مئوية.. أجواء باردة ورياح قوية محملة بالأتربة    مصر تتابع باهتمام وقلق بالغين مسألة الحدود البحرية بين الكويت والعراق    محافظ البنك المركزي يبحث مع وزير «التعليم العالي» أوجه التعاون المشترك    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى المريوطية دون إصابات    بدء اجتماع لجنة الصحة بالنواب لبحث مشكلات قطاع الدواء وتراخيص التركيبات الخطرة    ضبط سكر ناقص الوزن ودقيق مدعم في حملة تموينية بالفيوم    سفارة روسيا ترد على طلب حكومة سول إزالة لافتة «النصر سيكون لنا» من جدارها    القبض على رجل أشعل النار فى زوجته وحماته بالفيوم    جمال العدل: الزمالك «نور العين والروح والقلب».. وفتحت الشركة الساعة 8 الصبح علشان 15 ألف دولار للاعب    العشري: لم نكن سننسحب من مواجهة وادي دجلة.. ونتعرض للظلم في كل مباراة    فيلم «One Battle After Another» يتوج بجائزة أفضل فيلم في جوائز بافتا 2026    نادر شوقي: هذا أول رد لوالد زيزو على عرض الأهلي.. والنادي رفض ضمه في البداية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر النص الكامل لكلمة شيخ الأزهر أمام مؤتمر وزراء مياه الدول الإسلامية
نشر في الشروق الجديد يوم 15 - 10 - 2018

تنشر «الشروق» النص الكامل لكلمة شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، التي بعث بها مسجلة إلى المؤتمر الرابع لوزراء المياه بمنظمة التعاون الإسلامي، اليوم الإثنين، المقام على هامش فعاليات أسبوع القاهرة الأول للمياه.
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
معالي أ.د/ محمد عبد العاطي – وزير الموارد المائية والري!
أصحاب المعالي السادة الضيوف وزراء المياه في العالمين: العربي والإسلامي!
الحفلُ الكريم!
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه.
وبالأصالةِ عن نفسي، ونيابةً عن علماء الأزهر وطلابِه: جامعًا وجامِعَة، أُرحِّبُ بحضراتكم جميعًا في مِصْرَ العزيزة، مِصْرَ النِّيل، مِصْرَ الحضارة، مِصْرَ الأزْهَر والمسَاجِدِ والكنائِسِ والأهْرَامَات.
وأشْكُرُ معالي الوزير أ.د/ محمد عبد العاطي، لدعْوَتي للمشاركةِ في هذا المؤتمر الكبير، وهي دعوةٌ كريمةٌ سُررتُ بها، وسَارَعْتُ باستجابتِها، وتمنَّيتُ لو اكتملتْ سعادتي بإلقاءِ هذه الكلمة بين أيديكم، لولا ارتباطات سابقة، ليس لي بتعديلها أو الاعتِذارِ عنها، حَوْلٌ ولا طول..
.. .. ..
السَّيِّداتُ والسَّادة!
إذا كانت العلومُ -نظريَّةً وعمليَّة- تستَمدُّ ترتيبها وأهميتها في لوحة الشَّرف، من أهمية موضوعاتها التي تدورُ عليها مسائلُ هذه العلوم، والقضايا التي ينتهي إليها البحثُ إثباتًا أو نفيًا - فإنَّ المؤتمرات الدوليَّة هي أيضًا تكتسبُ خطرَها من خطرِ موضوعاتِها ونقاشاتِها وقراراتِها..
ولا أعرفُ -اليَوْم- موضوعًا بلغَ من تأثيرِه وخطرِه على حياة الشُّعُوبِ ما بلغ موضوع «المياه»، في حياتِنا المعاصرة، بعد ما نَشِبتْ أظفارُه في كل مجالات السياسة والاقتصاد والعلاقات الدوليَّة، وما خلَّفته من أزماتٍ وصِراعاتٍ تبعثُ الحروب بين الشُّعُوب وتتربَّصُ بها هَيْمَنةً وإفقَارًا وإذلالًا.
ومن هُنا فإنَّ مؤتمركم اليَوْم هو -بلا أدنى رَيْب- مؤتمرٌ بالغُ الخطَر؛ لأنه يبحث عن وسيلةٍ جادَّة لحلِّ التحدِّيات الإقليميَّة والدوليَّة، والتي تبدو اليوم وكأنَّها «أزمةُ الأزمات»، أو عُقْدةُ العُقَد في المفاوضات الدوليَّة، وفي سبيلِ نهضة الأمَّة العربيَّةِ والإسلاميَّة، واستِعادة قوتها واللَّحاقِ بقطار التنمية والتقدُّم والرَّخاء.. وذلك رُغم ما يؤكِّدهُ الخبراء من أنَّ «أزمة المياه في الشَّرق الأوسط، والأقطار الأخرى ليست أزمةً كَميَّة بقدرِ ما هي أزمةُ سوءُ توزيع» ( )، مِمَّا يعني أن هذه القضية باتت تُستخدَمُ -اليوم- كورقة ضغطٍ في صناعة أزمة الشَّرق الأوسط..
السَّيِّداتُ والسَّادَة!
ما أظنُّ أني بمستطيعٍ أنْ أُضيفَ إلى مؤتمركم في هذا الموضوعِ شيئًا يُذْكَر، فأنا بثقافتي الإسلاميَّة وتخصُّصِي الدِّراسي بعيدٌ، بل غريبٌ على موضوع «المياه» وما يتعلَّقُ به من دراساتٍ وأبحاثٍ علميَّةٍ ونظريَّةٍ، وتخصصاتٍ هندسيَّةٍ وكهربيَّةٍ وميكانيكيَّة.. ولكني – على ذلك - مُواطنٌ يتأثَّرُ بمشكلاتِ وطنِه ومجتمعِه وإقليمِه، ويحاولُ أن يفهمَها في إطارِ الواقع وما يحدثُ على الأرض، وينظرُ إليها ضمن طابور المشكلات المعقَّدة التي يختنقُ بها عالمنا المعاصر، كمشكلاتِ البيئة، ومشكلات نُدرة المياه، وارتفاع الحرارة، وأزمة التصحُّر، وظاهرة تآكل الأراضي الخِصبة، وتحدِّي الانفجار السُّكَّاني، وقِلَّة الغِذاء.. إلخ هذه المشكلات التي إن تُرِك حَلُّها ل «استراتيجياتٍ» غريبةٍ، لا تعرفُ العدْل ولا تفهمُ إلَّا لُغةَ القُوَّة وقَعْقَعة السِّلاح فإنَّها –لا محالة-ستعودُ بإنسانِ القرنِ الواحدِ والعشرين إلى قرونٍ تُشبهُ قرون الظَّلام وحياةٍ مثل حياةِ الكهوف والمغارات..
ومع ذلك فقد تجدُ كلمتي هذه صَدًى في هذا المؤتمر الكبير لو أفْلَحَتْ في لفتِ الأنظارِ إلى حقيقةِ أنَّنا - نحنُ الشَّرقيِّين- نمتلكُ ثقافةً دينيَّةً راقية، فيما يتعلَّقُ بالماءِ وحُرمتِه وقُدسيتِه، وأنَّ هذه الثقافةَ أمدَّتنا بها كُتبنا المقدَّسة على مدى قرونٍ غابرة، تَعلَّمنا منها أنَّ الماءَ أصلُ الحياة، وحَفِظْنا من قرآننا الكريم قولَه تعالى: ▬وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ♂ [الأنبياء: 30]، وقولَه تعالى: ▬وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء♂ [النور: 45]، وأنَّ لفظَ الماء تكرَّر في أكثرَ من ستين موضعًا في القرآن الكريم، وفي كثيرٍ منها يرتبطُ الماء بمفهوم الحياة على الأرض، وفي بعضِها يرتبطُ الماء بالطَّهارةِ الشَّرعيَّة التي هي شرط صِحَّة العبادات: وضوءًا واغتسالًا، وأنَّ النبيَّ ﷺ كان يصف الماء علاجًا لحالاتِ التوتُّر العَصَبيِّ، وكان يقول: «إِذَا غضِبْت فتوضَّأ».
ويُشير إلى جلال «الماء» وعِظَمِ شأنه أن القرآن عوَّل عليه كثيرًا في جدله مع الوثنيِّين، ودعوة المشركين إلى الإيمانِ بالله تعالى، واتخذ منه بُرهانًا يأتي في مُقدِّمة البراهين الكبرى للاستدلال على وجود الله تعالى:
- ▬أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ♂
[الواقعة: 68-69].
- بل يرتفعُ الماءُ هَيْبَةً وجلالًا في ضوءِ ما يقوله الله تعالى في شأن عرشه، وأنه حين خلق العرش خلق الماءَ ليكون العرش عليه. ▬وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً♂ [هود: 7].
وفي صَحيحِ الإمامُ البُخاريِّ قال: «جاءَ وفدٌ من اليمنِ فقالوا للنبيِّ ﷺ: جئناك لنتفقَّهَ في الدِّين، ولنسألكَ عن أوَّلِ هذا الأمْر [أي: عن بداية الخلْق]، فقال النبيُّ ﷺ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَه وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ».
ويطولُ بِنا المقام -أيُّها الحفلُ الكريم!- لو ذهَبنا نُحصي الحِكَمَ والمقاصِدَ الدِّينيَّة والإنسانيَّة التي تُثيرها كلمةُ «الماء» في أكثر من ستينَ سياقًا من سياقاتِ القُرآن الكريم.. وفي أحاديثَ كثيرةٍ من سُنَّة النبي ﷺ، ويكفي – حرصًا على وقتكم – أن نَذكُرَ منها مثالًا واحدًا يَدلُّنا على تفرُّد عُنصرِ الماء من بين سائر العناصر الطبيعية الأخرى، بحضوره القوي في قلبِ قِسم العبادات، من كتب التفسير والحديث والفقه، وهو: بابُ الصلاةِ الذي يشتمل على صلاة الاستسقاء، وهي صلاةٌ يُستمطر بها الماء في أوقات القحط والجدب، ولها أحكامٌ خاصَّةٌ ومناسك معينة تتفرَّد بها عن باقي الصلوات..
وثمةَ حُكمان شرعيان يتعلَّقان بالماء أراهما من أمسِّ الموضوعاتِ بما تدورُ عليه مناقشاتكم، في هذا المؤتمر الدولي الإسلامي الكبير:
الحُكْمُ الأوَّل: أنَّ فلسفةَ الإسلامِ في هذا الموضوع تدورُ على محورٍ ثابتٍ غير قابلٍ للتأويلِ أو التشكيكِ، ذلكم هو أنَّ مِلْكيَّة الموارد الضروريَّة لحياةِ النَّاس هي مِلْكيَّةٌ عامَّة، ولا يصحُّ بحالٍ من الأحوال، وتحتَ أي ظرفٍ من الظُّروفِ، أن تُترك الموارد الضَّروريَّةُ مِلْكًا لفردٍ، أو أفرادٍ، أو دولةٍ تتفرَّدُ بالتصرُّفِ فيها دونَ سائر الدُّول التي تشتركُ في هذا المورد العام أو ذاك.. ويأتي «الماء» بمفهومه الشامل الذي يبدأُ من الجُرعة الصغيرة وينتهي بالأنهار والبحار-يأتي في مُقدِّمة الموارد الضروريَّة التي تنصُّ شريعة الإسلام على وجوبِ أن تكون ملكيتُها ملكيةً جماعيةً مشتركة، ومَنْعِ أن يستبدَّ بها فردٌ أو أناسٌ، أو دولٌ دون دولٍ أخرى. لأن هذا المنع أو الحجر أو التضييق على الآخرين، إنما هو سَلْبٌ لحقٍّ من حقوقِ الله تعالى، وتصرفٌ من المانعِ فيما لا يَمْلِك، وفقهاءُ الإسلام وأئمته على اختلاف عصورهم يُطْبِقُون على هذا الحكم، ويستندون في إجماعهم هذا إلى وصيَّة النبي ﷺ التي تنصُّ على حقِّ النَّاس في أن يشتركوا في: الماء، والمرعى والنار، وإلى توعُّدِ الله تعالى لمانع الماء بأن يَحرمه يوم القيامة من فضلِه ورحمتِه، وهو عذابٌ ما بعدهُ عذاب، يقولُ النبيُّ ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاث: الْمَاءِ وَالْكَلَأ وَالنَّارِ»( ). ويقول في حديث آخر يرويه الإمامُ البُخاريُّ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، منهم: رَجُلٌ منعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي، كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ»( ).. ونُلاحِظ في هذا الحديثِ الشَّريفِ أنه ربطَ الحكمَ بعلَّتِه المعقولة، ونصَّ عليه مع بيان سببه وهو أنَّ اللهَ تعالى لمَّا جعل الماء هو أصلُ الحياةِ والأحياء على اختلافِ أنواعها خَصَّ نفسه –سُبحانه!- بتفرُّدِه بملكيته، وبإنزالِه من السَّماءِ إلى الأرضِ، وجَعْلِه حَقًّا مُشْتَركًا بين عبادِه؛ وأنَّ أحدًا من عبادِه لم يَصنع منه قطرةً واحدةً حتى تكون له شُبهةُ تملُّكٍ تُخوِّله حقَّ تصرُّفِ المالكِ في مِلْكِه، يَمْنحه من يَشاء ويَصرفه عمَّن يَشاء، والوعيدُ الواردُ في الحديث ليس خاصًّا برجلٍ يمنع الماء، بل يعمُّ الرجل والرجال والهيئة والجماعة والدولة والدول، لأن العِلَّة التي استَوجَبَت الوعيد، وهي منع الماء، مُتحقِّقةٌ في هؤلاء الظالمين المعتَدين، ومعلومٌ أنَّ الحكمَ يدور مع العِلَّةِ وجودًا وعدمًا كما يقولُ علماءُ الأصولِ.
أمَّا الحُكْمُ الثاني، الذي أُنهي به كلمتي، فهو أنَّ الإسلامَ، وهو بِصَدَدِ تشريعاتٍ ترتبطُ بالمصالحِ العامَّةِ للعِبَادِ - فإنه يتحسَّبُ لها ويضبطها بأحكامٍ تحميها من تضييعها أو العبثِ بها أو الإسرافِ في استعمالِها، أو أيِّ تصرفٍ يُؤدِّي إلى نضوبها أو قِلَّةِ كفايتِها، وهو ما يُعَبَّر عنه اليومَ بكلمةِ «التَّرشيد»، والاقتِصادِ في استخدامِ المياه..
ويَلفت النَّظَر هُنا أنَّ شريعةَ الإسلام نَهَتْ عن الإسرافِ، بحُسبانِه رذيلةً من الرذائلِ، نهيًا عامًّا يشملُ الإسراف في كل شيء، إلَّا أنها ركَّزَت على مسألةِ «الترشيد في استخدام الماء» بشكلٍ خاصٍّ، ووضعت لها ضوابطَ شرعيَّةً تدخلُ جُزءًا في أحكامِ الوضوء وأحكام الغُسل، ودونكم كُتُبَ الفقهِ في مختلف مستوياتِها، طالعوها في باب الوضوء وأحكام الغُسل، وغيرهما لتجدوا أنَّ الفقهاءَ بعد أن يذكروا فرائضَ الوضوءِ وفرائض الغُسل وسُننَهما يذكرون مندوباتِهما، والمندوبُ فعلٌ يَطلبه الشَّارع ويثيبُ عليه، وإن كان لا يُعاقِبُ على تَرْكِه، والفعلُ المطلوب هنا هو: تقليلُ استعمال الماء في الوضوءِ والغُسل، و «بلا حَدٍّ في التقليل»، كما يَنُصُّ الفقهاء، ويقولون: إنَّ المطلوب الشَّرعي في هذا الأمر هو: «أنْ يكونَ الماء المستعمل، الذي يجعله المتوضئ على العضو قليلًا، وليس بلازمٍ أن يتقاطر عن العضوِ المغسولِ، بل يكفي مجرَّدُ مُلامسة الماء للعضو»( ).
ولا يُقالُ إن هذا الحكمَ لا يردع المسرفَ في استعمالِ الماءِ في العباداتِ، لأنا نقول: إنه حكمٌ مختصٌ بتقليلِ الماءِ بلا حَدٍّ، أما التجاوز بالكثرة فيردعه النَّهيُ العامُّ عن الإسرافِ في استعمالِ الماءِ في العباداتِ حتَّى لو كان المسلمُ يتوضأُ على نَهْرٍ من الأنهار.. وقد ورد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» ( )..
.. .. ..
الحضُور الكَريم!
لَوْ قارنَّا بين هذه التَّشريعاتِ الإسلاميَّةِ المتعلِّقةِ بالماءِ حِفْظًا وترشيدًا وبين سلوكِ المسلمينَ في عباداتِهم التي تدخلُ المياهُ شَرْطًا في صِحَّتِها فسوفَ يُروعنا فاقِدُ المياهِ المسكوبةِ في المجاري، وهو أمرٌ لا يحسنُ السكوتُ عليه بحالٍ، وبخاصَّةٍ في هذه المرحلة البالغة الحساسية والتي بلغت مبلغَ الأزمةِ: سِياسيًّا واقتِصَاديًّا، الأمرُ الذي يجبُ معه وجوبًا شَرعيًّا أن تكونَ له الأولويَّةُ القُصْوَى على موائد المختصِّين من المسؤولين والخبراءِ في معالجةِ هذه الأزمةِ.. وما أظنُّ الصورَ والرَّسَائلَ التي تبثُّها شاشات الإعلام بكافيةٍ في تثقيفِ المسلمين وتوعيتهم بهذا الموضوعِ الخطيرِ، ولا الوعظَ والإرشادَ الذي يتأثَّر به المصلُّون ثم يَنسَوْنه على أبوابِ المساجدِ وهم خارجون..
وقد يكون من المفيدِ فيما أتمنَّى في هذا الأمر تصنيعُ الصَّنابيرِ التي لا تَسْمَحُ إلَّا بالقليلِ وبكميَّةٍ إِثْرَ أُخرى. والتزام وزارات الأوقاف في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ بتزويدِ المساجدِ بها، بل التزام المسؤولين باستخدامِها في دواوين العَمَل الرَّسميَّة والمنشآتِ العامَّةِ والحكوميَّة، على غِرَارِ ما نَراهُ في مطاراتِ أوروبا ومُعظَم مُنشآتها العامَّةِ والخاصَّةِ، رُغم أنَّ مواردهم المائيَّة هُناك لا تُعاني ما تُعانيه مواردُنا هُنا من مُشكلاتِ النُّدْرةِ والتَّصَحُّرِ والجدْب".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.