نشرت جريدة المدينة السعودية مقالا للكاتبة «لمياء باعشن» جاء فيه أن الغرب الديموقراطى الحر يقف فيه القانون بقوة ضد أى نشاط سياسى يتخذه أى فرد لانتقاد إسرائيل قوًلا أو فعًلا. ففى شوارع فرنسا يتم القبض على المتظاهرين الذين يرتدون قمصانًا عليها شعارات تدعو لمقاطعة إسرائيل، وفى بريطانيا هناك سلسلة من الإجراءات المشددة التى تهدف إلى ترسيخ عدم قانونية ممارسة أى أنشطة من هذا النوع. أما فى أمريكا، فيُمنع الطلاب من تشكيل أى مظاهرات حتى فى ساحات الجامعات تعبر عن رفضهم للسياسات الإسرائيلية فى فلسطين، حتى أن مراكز الحقوق الدستورية فى الجامعات تعرف هذه الممانعة على أنها: «الاستثناء الفلسطينى لحرية التعبير». أما ما يجرى على الأراضى الأمريكية حاليًا، فهو أمر قد بلغ أقصى درجات القمع والتعسف، إذ يتزعم السيناتور الديمقراطى بين كاردان والسناتور الجمهورى روب بورتمان حركة الترويج والدعم لمشروع يخطط لتجريم أى خطاب أو نشاط سياسى يدعو إلى مقاطعة إسرائيل تجاريًا، كوسيلة للاعتراض على سياساتها فى الأراضى المحتلة. وقد تم انضمام عدد كبير من أعضاء الكونجرس من الحزبين لصف المساندة لهذا المشروع الذى يحركه اللوبى الصهيونى«ايباك» بقوة ويسعى إلى تمريره وتشريعه كقانون قابل للتطبيق. ينص المشروع المسمى قانون مكافحة مقاطعة إسرائيل أن أى مساندة للمقاطعة الدولية ضد إسرائيل تعتبر غير قانونية، وأن أى شخص، مستهلك عادى أو صاحب عمل تجارى، يثبت عليه مخالفة هذا القانون ستتم محاكمته، وسيدفع غرامة مدنية قيمتها 250000 دولا أمريكى، إضافة إلى غرامة جنائية قد تصل إلى مليون دولار، مع عقوبة السجن لمدة عشرين عاما. لا شك أن مشروع كهذا يهدد الحريات المدنية للمواطنين الأمريكان، فحرية التعبير، وحرية اتخاذ موقف سياسى، وحرية الشراء من عدمه التى يعتز بها كل أمريكى، كلها ستذهب أدراج الرياح أمام المكانة المميزة التى تحتلها إسرائيل فى الحكومة الأمريكية، فالفرد الأمريكى له كامل الحرية فى انتقاد سياسات بلاده وحكومته، والتجريح فى رئيسه وفيمن يشاء من المسئولين السياسيين، لكنه لا يجرؤ على النطق بكلمة ضد إسرائيل! ولهذا تحركت مؤسسة الاتحاد الأمريكى للحريات المدنية وخاطبت الكونجرس مناشدة أعضاءه أن يتريثوا فى قبول هذا المشروع البشع الذى يصادر حرية التعبير وحرية المعتقدات السياسية للأمريكيين، وما كان للاتحاد أن يُقحم نفسه فى وسط هذا الجدل لولا خطورة الأمر والمغالاة الفجة فى الانحياز لصالح إسرائيل على حساب المواطن الأمريكى، فغيرها من المؤسسات الأقوى والأكثر جسارة تتحاشى التدخل فى أى موضوع يخص إسرائيل، وعلى الرغم من ذلك فإن خطاب الاتحاد لم يجد صدى من عضو واحد فى الكونجرس يشاركه شجب هذا القانون. فى أمريكا، صاحبة أكبر مشروع عالمى تحريرى للتعبير والمساواة، يتنافس حاكم كل ولاية مع باقى الحكام لتحقيق قوانين متشددة تمنع رجال الأعمال من المشاركة فى مقاطعة إسرائيل، حتى وإن طلبت تلك المساندة دول صديقة، أو مؤسسات دولية كالأمم المتحدة، أو الاتحاد الأوروبى، فى محاولة لتوحيد الموقف العالمى فى مواجهة إسرائيل للضغط عليها فى قضايا تمدد المستوطنات وعدم الالتزام بالقانون الدولى، والتعامل اللاإنسانى مع الفلسطينيين. كم هو صادم أن ترى أشخاصا فى دول تدعى الحرية والديموقراطية كانوا يدافعون عن الحريات الشخصية ويقفون خلف حركات مقاومة السلطة، وهم يؤيدون بلا خجل قرارا من أشد القرارات صلفًا واضطهادا فتسقط مصداقيتهم إلى الحضيض. وكم هو مقزز أن يظهر هؤلاء الأشخاص أنفسهم منتقدين سياسات حكومات الشرق الأوسط، ومتبجحين فى المطالبات الإنسانية للحقوق والحريات، ومبشّرين بديموقراطيتهم المثالية. المدينة – السعودية