مدير تعليم الإسكندرية يشيد بانتظام الطلاب في بداية الفصل الدراسي الثاني    تدوير المخلفات الإلكترونية.. حملة توعوية بتجارة عين شمس    مبادرة «الخير».. «التضامن» تواصل دعم الأسر الأولى بالرعاية في الإسماعيلية    محافظ الدقهلية يغلق مخبزا بالمنصورة لهذا السبب    «البطران»: القطاع الزراعي يساهم في الناتج المحلي ب15% بقيمة 105 مليارات جنيه    أزمة ضعف شبكات المحمول وخدمات الإنترنت تصل مجلس النواب    معبر رفح يستقبل أولى حالات الدفعة الخامسة من مصابى غزة    وليد سليمان يوجه رسالة نارية لنجم الأهلي: لازم يراجع نفسه لأنه لعيب مهم    محاضرة فنية من معتمد جمال للاعبي الزمالك قبل مواجهة زيسكو    رياضة الوادى الجديد: بدء فعاليات اختبارات الموسم الرابع من برنامج كابيتانو مصر    سيطرة مصرية على جوائز الاتحاد الدولي للخماسي الحديث فى 2025 والوزير يهنئ    منع تداول وتخزين الألعاب النارية وضبط وإعدام 200 عبوة محظور تداولها بالمنوفية    العثور على جثة شاب خلف مول تجاري في الإسكندرية    السيطرة على حريق محدود بمطار القاهرة    ضبط شخص بتهمة التحرش بسيدة أثناء استقلالها ميكروباص في عين شمس    مفتي الجمهورية يفتتح دَورة التعريف بالقضية الفلسطينية    هيئة الدواء تحذر من حقن التخسيس.. تفاصيل خطيرة يكشفها مساعد رئيس الهيئة    وزير الخارجية: نصيب الفرد المصرى من المياه أقل من نصف حد الفقر المائي    محمود فوزي: الحكومة حريصة على التعاون مع النواب لمنع الاصطياد بالمياه العكرة    وزير «النقل» يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع    ضمن الموجة 28 .. محافظ الفيوم يتابع حملات إزالة التعديات على أراضي أملاك الدولة    رابطة الأندية: لا للذكاء الاصطناعى فى قرعة الدورى وستكون علنية وبحضور الأندية    سلامة الغذاء: إصدار 2492 إذن تصدير لحاصلات زراعية لصالح 1378 شركة    وزير الزراعة و3 محافظين يتفقدون مهرجان التمور والزيتون بالمتحف الزراعىي    نظر الطعن بتنفيذ حكم الإدارية العليا بشأن العلاوات الخاصة لأصحاب المعاشات| 5 مارس    انطلاق الانتخابات البرلمانية في تايلاند وسط رهانات على الإقبال الشعبي    بدء استقبال أوراق التقدم لامتحانات الثانوية العامة 2025/2026 في المدارس    تأجيل استئناف المتهم بقتل مالك مقهى أسوان بالكوربة على حكم إعدامه ل17 فبراير    أعلى من المعدلات ب10 درجات.. الأرصاد: ارتفاع جديد في الحرارة اليوم    النيابة تأمر بعرض السيدة المعتدي عليها من ابنتها بالشرقية على الطب الشرعي    ليوناردو ومارتا عواصف تضرب أوروبا.. إعلان طوارئ وإجلاء الآلاف..فيديو    ريهام عبد الغفور وأمينة خليل وفراج يحصدون جوائز الأفضل بالدراما بالمركز الكاثوليكي    تفاصيل رحلة شتوية 48 ساعة قضتها تيفانى ترامب وزوجها بين معابد الأقصر.. صور    حملة كبرى لمواجهة الدجل.. متحدث الأوقاف: رصدنا إنفاق 10 مليارات جنيه على الخرافة    صدامات مع الشرطة وغاز مسيل للدموع فى احتجاجات ميلانو بسبب الأولمبياد.. فيديو    الصحة: التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب تشوهات.. وإصابات الحروق بين الأطفال بمصر مرتفعة    نائب وزير الصحة يحصد جائزة نيلسون مانديلا العالمية لتعزيز الصحة 2026    تحذير علمي: الجدري القاتل قد يشعل جائحة جديدة عبر فيروسات مشابهة    السويد تحظر أغنية مولدة آليًا.. رغم نجاحها    مشاعر إنسانية وصراعات عاطفية.. تفاصيل مسلسل نيللي كريم الجديد «على قد الحب»    «أبناء النيل» .. مصر تتبنى رؤية جديدة للتعاون مع إفريقيا.. والسيسي يتعامل بذكاء سياسى    الاحتلال يواصل خروقاته: شهيدان وغارات جوية وقصف مدفعي مستمر على القطاع    الوفد لن يكون ديكورًا سياسيًا.. وسنستعيده من أحضان «الشللية»    الصحة: الدولة لم تشهد أي حالة تبرع أو نقل عضو والإشكالية هي "القبول المجتمعي"    رئيس الحسين إربد: عرض بيراميدز أقل بقليل من الأهلي لضم فاخوري    نيويورك تايمز: إيران تعيد بناء منشآتها الصاروخية بوتيرة متسارعة مقابل تعثر إصلاح المواقع النووية    الأوقاف: لا صحة لمنع إذاعة الفجر والمغرب والتراويح بمكبرات الصوت في رمضان 2026    بحثًا عن التأهل الزمالك يواجه زيسكو اليوم بالكونفدرالية.. شاهد بث مباشر الآن دون تقطيع    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    أستاذ أمراض جلدية: صلاحية الأنسجة من 6 ل 12 ساعة.. ونقلها يتطلب هليكوبتر ومهابط بالمستشفيات    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يواصل نزيف النقاط بهزيمة أمام ليون في الدوري الفرنسي    برعاية الإمام الأكبر.. إعلان الفائزين في الموسم الخامس من مسابقة «مئذنة الأزهر للشعر» المخصص لدعم القضية الفلسطينية    هجوم صاروخي أوكراني يضرب بريانسك ويخلف جرحى وأضرارًا بالبنية التحتية    وفد أزهري يخطب الجمعة في ثلاثة مراكز بإيطاليا ويعقد لقاءات علمية مع الجاليات العربية في ميلانو    هل يجوز تأخير الدورة الشهرية بالأدوية لصيام رمضان كاملًا؟.. أمينة الفتوى تجيب    أزمة الأخلاق وخطر التدين الشكلى!    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدرسة الفن في التلاوة مشايخ وسميعة
نشر في شباب مصر يوم 13 - 07 - 2014

تواترت الروايات عن عبقرية صوت الشيخ أحمد ندا، الذي ينسب إليه تأسيس « دولة التلاوة» بمصر ، بتطويع مقامات الموسيقى لحمل صوت القارئ آيات الذكر الحكيم إلى مستمعيه، والشيخ أحمد ندا - الذي رثاه صديقه حافظ إبراهيم بقصيدة من نظمه - هو أستاذ قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وهو جد الفنانة «فوقية محمود احمد ندا» المعروفة باسم «شريفة فاضل» ولكن ندا الذي أجمع معاصروه على أنه صوت لايمكن وصفه لا يترك تسجيلاً واحداً بصوته. حيث رفض حفظ كلام الله في اسطوانات خيفة أن توضع في غير موضعها ، وظل على موقفه حتى رحيله.
ولو استثنينا أصحاب الفضيلة المشايخ محمد رفعت وعبد الباسط عبد الصمد ومحمود خليل الحصري، باعتبار أن كل منهم مدرسة مستقلة، فإن حضرة صاحب الفضيلة مولانا الشيخ مصطفى إسماعيل هو سلطان القارئين بلا منازع، وهو «ناظر» مدرسة الفن في التلاوة، حيث لم يأت بدولة التلاوة في مصر قارئ يرضي كل السميعة على اختلاف أمزجتهم سوى ذلك العبقري الفذ. فقد أدهش سابقيه من أمثال الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، الذي كان اعتذاره عن التلاوة في أمسية تنقلها الإذاعة، فاتحة خير على الشيخ مصطفى إسماعيل ومعه مستمعي القرآن الكريم في مشارق الأرض ومغاربها. حيث استمع إليه الملك فاروق فعينه قارئ القصر
أما الشيخ محمد رفعت فقد قال عن مصطفى إسماعيل أنه «قارئ غير مُقَلِد» يوم استمع إليه لأول مرة وتنبأ له بأنه سوف يكون أعظم قارئ بدولة التلاوة، وقد كان.
ثم اتسع بنيان المدرسة بطول القرن العشرين ليضم لبنات نفيسة من الحناجر النورانية، هم أصحاب الفضيلة الشيوخ: منصور الشامي الدمنهوري، محمود علي البنا، كامل يوسف البهتيمي، عبد العزيز علي فرج، عبد العظيم زاهر، محمد الصيفي ، محمد سلامة، محمد عمران، إبراهيم المنصوري، محمد عبد العزيز حصّان، حمدي الزامل، محمد أحمد شبيب، رزق خليل حبة، عبد العزيز حربي، محمد بدر حسين، راغب مصطفى غلوش، محمد فريد السنديوني، أحمد الرزيقي، محمود عبد الحكم، أحمد نعينع، محمد عكاشة، منصود بدار، عبد الرحمن الدروي، هاشم هيبة، محمد الفيومي، عبد السميع بيومي، سيد النقشبندي، إسماعيل سكر، وعمدة المنشدين الشيخ علي محمود ثم تلميذه النابه طه الفشني. وهذه الأسماء لعظماء لا يشبه أحدهم الآخر إلا في الوقار بلا كِبر والتواضع بلا تصنُع. ولم يكن ورود اسم الشيخ نعينع بينهم خطأ ً مطبعيا ً حيث أنه ينتمي إلى هؤلاء بالإتباع . ندعو الله أن يمتعه بالصحة وطول العمر ليواصل إمتاع محبي كتاب الله.
دولة «السميعة»
والحديث عن دولة التلاوة بمصر لا يكتمل بدون ذكر الجانب الآخر من «الحكاية»، ذلك الجانب الذي كان بمثابة قوة الدفع إلى فضاءات أكثر اتساعاً من مجرد التلاوة والاستماع، «السميعة» .
وفي مصر ستة كتب عن قراء القرآن، جاءت فيها الإشارة إلى «السميعة» تأتي مختصرة عن دور «باشاوات» زمان في الحفاظ على تراث هؤلاء الأفذاذ، جزاهم الله خيرا،ً حتى وإن كانوا «باشاوات»... زمان.
ونحن لا نقصد ب «السميعة» تلك الشلل التي يرافق كل منها شيخه من باب «التصييت»، وإنما الحديث هنا عن الزمن الجميل عندما كان «السميعة» كباراً - أيضاً - يستوردون أجهزة التسجيل التي لم تكن معروفة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. ليحفظوا بها تراث هؤلاء الأوتاد العظام من قرائنا. فكانت بهم مصر «محطة بث» لما أنزل على قلب رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام.
«قارئ باسط»
ولا يزال مسلمو أسيا، كلما ذكرت مصر، تذكروا القرآن الكريم والأزهر الشريف، وكلما التقيت باكستانياً أو هندياً أو بنغالياً، وبمجرد أن يعرف أنك مصرياً يبادرك بالحديث عن «قارئ باسط» قاصداً الشيخ عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله الذي واكب انتشار شرائط الكاسيت وهو في قمة عطاءِه.
ولعل ذلك الجيل من مسلمي العالم لديه ارتباط شرطي بين القرآن بصوت عبد الباسط عبد الصمد في الشريط الأشهر لقصار السور، وبيت الله الحرام وروضة نبيه الأكرم عليه الصلاة والسلام، قبل أن يتم تسييس كل شئ في عالمنا العربي حتى الفقه و أصوات المقرئين فأمطرت الحقبة النفطية العالم بأصوات تتبارى في «تعبئة» القرآن الكريم كاملاً في أقل عدد من الشرائط ، مما أوجد جيلا ً من « اللا سميعة» جعلوا من الإستماع للقرآن الكريم وسيلة «للتبرك»، وليس «للتدبر». ولو تجاوزنا طريقة «الحدر» * التي يعبئون بها شرائطهم، كونها تجوز للتحفيظ والمراجعة، فكيف يمكن أن نتجاوز عن التجاوز في أحكام التلاوة، وتغليب الغنة على معظم الحروف. وعندما تستمع لتلاواتهم نتذكر على الفور حكاية قالها الموسيقار حلمي بكر لواحد من المطربين إياهم - اللي كسروا الدنيا ومن ساعتها ما اتصلحتش - فقد سأله المطرب: مش عايز تسمعني ليه يا أستاذ حلمي؟ فقال له: «يا ابني إذا كنت إنت بتكلمني دلوقت وأنا مش فاهم إنت بتقول إيه ! إشحال لما تغني؟ روح شيل الجلدة اللي إنت مركبها في مناخيرك دي وبعدين تعالى لي».
تعبئة الشرائط
ولعلك تندهش لأن يكون المصريون هم الرواد في دولة التلاوة والتجويد، ومع ذلك أصبح معظمهم لا يستمعون سوى لتلاوة وهابية يفتقد قراؤها لجمال الإحساس بالكلمات والمعاني .
وكان قد ساهم المزاج السمعي المشترك في مصر وبلاد الهلال الخصيب* بشكل كبير في تثبيت أركان مدرسة الفن في التلاوة. فعلى ذلك القدر الهائل من التنوع بين أصوات رجالات دولة التلاوة بمصر، كان التباين بين سمات جماهير السميعة من العامة على طول الوطن وعرضه. حتى أنه يمكنك معرفة المكان الذي تمت فيه التلاوة من خلال ردود أفعال الجمهور. فالمستمع الفلسطيني أو السوري تغلب عليه الحماسة، فهو جمهور «سخن» يصعد بالقارئ إلى الذروة ليرضيه. أما «السميع» العراقي فتعجبه «الجوابات» أي طبقات الصوت العليا ، بقدر إعجابه بال « القرار» أي الطبقة الأولية من الصوت. و قد حدث أن تدافع الجمهور العراقي نحو الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي عام 1955ببغداد فكسر ضلعاً بصدره من شدة الإعجاب . والمصري سميع «قراري» يختار تعليقاته على المقاس مستعرضاً علمه بأسرار ذلك الفن، ناهيك عما تحتويه استحساناته من ألفاظ تدعو إلى التأمل. وتجد تعليقاته تنم عن معرفة شخصية بشخوص القراء.
وقد استمعت بمنزل المرحوم الشيخ عبد العزيز علي فرج لتسجيل نادر له في محافظة المنيا حيث يقول أحد السميعة للشيخ: «حسبي الله ونعم الوكيل فيك من أول الليلة»، لأنه استنتج من طريقة استهلال الشيخ أنه ذاهب إلى مواطن الإبداع في فن التجويد، فلما استمعت للسهرة كاملة أيقنت صدق حدسه.
ولا يكتمل الرأي في وصف أي من أسيادنا أصحاب الفضيلة، إلا بالإستماع إليه بين جمهوره من خلال التسجيلات الخارجية، عندما يكون القارئ غير مقيد بزمن محدد للتلاوة، كما في تسجيلات الأستوديو، هذا بالإضافة إلى استمتاعه بتلك الحالة من التواصل مع السميعة.
وقد سُئلت السيدة أم كلثوم يوماً عن أصعب موقف قابلها فقالت: كنت أسجل بأستوديو الإذاعة وكان مهندس الصوت يقرأ في جريدة (؟!).
يعني وبعدين يا شيخ مصطفى؟!
وقد يتصور البعض أن المشايخ يستمتعون بال «الهيصة» التي يحدثها البعض بدعوى الإعجاب، ولكن الحقيقة أن المشايخ تغنيهم همسة استحسان، تدل عن فهم حقيقي لما يقرأ، عن تلك المظاهرات التي تحدث أحياناً تحت غمرة الانتشاء.
ولدي تسجيلان نادران لسيدنا الشيخ مصطفى إسماعيل، توقف فيهما عن التلاوة لتأنيب أمثال هؤلاء المستمعين، و حثهم على الخشوع، ففي إحدى المرات قال لهم: «انتم قاعدين فين؟ انتم قاعدين في وكالة البلح؟!»، وفي مرة أخرى قال لهم: «عيب كده، لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لوجدته خاشعا»ً، كما أن الشيخ عبد العزيز علي فرج كان يقول لمقربيه أنه يكفيه أن يشعر بوجود سميع واحد في زحمة الجمهور فيُجَوِّد له، وكأنه يقرأ له وحده.
و الأمثلة على هؤلاء السميعة الواعين لا تعد ولا تحصى منها أحدهم الذي يقول للشيخ مصطفى إسماعيل عندما كان يقرأ في بدايات سورة يوسف: «يعني وبعدين يا شيخ مصطفى؟!»، يعني وبعدين معاك؟». وأخر يقول للشيخ كامل يوسف البهتيمي، ومن نفس المقام الذي يتلو منه : «يااااا كااااامل»! (قاصداً الصفة لا الإسم)، وكانت الآية التي يتلوها من سورة إبراهيم، تلاها بطبقة «قرار» عجيبة، فقد كان فارس هذه المنطقة بلا منازع. وأخر يعقب على سيدنا الشيخ أبو العينين شعيشع، صاحب الصوت الماسي، في تلاوته لسورة القصص بلفظ الجلالة الكريم «اللَّه». لكنه يقولها بنفس النغمة التي ختم بها القارئ العبقري الآية.
وإن كنا هنا نحاول إعطاء «السميعة» حقهم. فإن من أحفاد السميعة من أضروا بدولة التلاوة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فتراث سيدنا الشيخ منصور بدار - الذي عجز معاصروه عن وصف صوته، كان محفوظاًً على اسطوانات سجلها له صديقه «حيدر باشا» ( وزير الحربية الأسبق في العهد الملكي ) إلا أن ورثة حيدر باشا الكرام لا يسمحون – حتى الآن - بإخراج هذا الكنز بحجة أن تلك وصية الشيخ منصور(!!)، فهل من فتوى دينية تقضي بأن «حاجب العِلم آثم».
بينما من ناحية أخرى فإنه لولا «زكريا باشا مهران» الذي حفظ تراث سيدنا الشيخ محمد رفعت والذي بادر ورثته الكرام بتقديم كنزهم الثمين للإذاعة، جزاهم الله خيراً،لما وصلنا ما نسمعه من إبداعات الشيخ حتى الآن.
رُوح ادرس مقامات يا مولانا
ولعل البعض لا يعلم أن «لجنة اعتماد المقرئين» بالإذاعة لا يمكن أن تنعقد بدون مشاركة عضو من «أهل الموسيقي» للوقوف على درجة علم المتقدم بالمقامات الموسيقية، وكم من أصوات جميلة رفضتها اللجنة بسبب وقوع أصحابها في أسر التقليد، فتكون النصيحة الذهبية التي يتلقاها الواحد منهم «روح ادرس مقامات يا مولانا وبعدين تعالى تاني».
فالقارئ الذي فرغ من حفظ القرآن وتعلم القراءات المروية عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، كما جمعها الشيخ الشاطبي رضي الله عنه، ووقف على أسباب التنزيل وفهم المعاني، لا يكفيه هذا ليكون قارئاً مجيداً، وإنما يعوزه علم النغم ليس كقالب يصب به صوته فحسب وإنما لمساعدته على اكتشاف مناطق الجمال والضعف في صوته، فيأخذ من المقامات الموسيقية ما يناسبه، وهذا من البديهيات. ويحكي المرحوم الشيخ مصطفى إسماعيل في لقاء إذاعي عن ذلك السؤال الذي تكرر عليه مراراً «إنت اتعلمت مزيكا فين يا مولانا؟»، كما لم يخل أول موقف جمعه مع الست أم كلثوم من نفس السؤال، حيث كانت تغني على المسرح فلاحظت انصراف الناس عن سماعها بالالتفات نحو شخص دخل إلى الصالة. فلما أنهت وصلتها سألت من معها عن ذلك الشخص فقيل لها أنه الشيخ مصطفى إسماعيل. وكانت معجبة بفنون تلاوته لكنها لم تقابله قبل ذلك اليوم فأرسلت تطلب لقاءه. ودار بينهما الحوار التالي:
- إنت اتعلمت مزيكا فين يا مولانا؟
- والله أبداً يا ست، عمري ما عملتها.
- معقولة؟! ما عندكش بيانو أو عود؟
- لأ .. ده أنا عرفت المقامات من السميعة، كلما أقرأ آية أسمع واحد يقول يا حلاوة «الحجاز» .. يا جمال «الصبا»... يا مش عارف إيه «النهاوند» فبقيت أحفظ الكلام ده. فضحكت و ألقت عليه نكتة كلثومية لتبدأ صداقة استمرت لما بعد وفاتها، حيث قرأ في عزاءها وكان يداوم على القراءة في ذكراها السنوية إلى أن رحل، رحمهما الله.
مؤسس مدرسة الفن في التلاوة
يحارُ المرءُ من أي جانب يتناول تلك الشخصية الفذة لسيدنا الشيخ مصطفى إسماعيل ، حتى من الوجهة الإنسانية . وقد يذهلك تواضعه ، وهو جليس الملوك و القادة الذي طالما حمله الناس على الأعناق بالمناسبات التي شرفها بالتلاوة. ففي لقاء إذاعي يحكي عن ذلك الصوت الذي استوقفه بميضاء مسجد السيدة زينب رضي الله عنها بالقاهرة. في ليلة شتوية باردة وهو مبلل بنور الوضوء ب «ملقف هواء» على حد تعبيره. سمع رجلا ً يفترش الرصيف سائلا ً المارة بصوت جعل الشيخ يجلس إلى جواره (!) بينما الرجل ، وكان ضريراً، حسبه جاء يزاحمه في رزقه. فقال له الشيخ : ماتخافش بس إقرأ انت وانا هلم لك الفلوس .
وددت لو أنني سمعت ذلك الصوت الذي أجلس سلطان مملكة التلاوة رحمه الله. الذي نعتته الدكتورة رتيبة الحفني - مطربة الأوبرا ورئيس المعهد العالي للموسيقى العربية - قائلة: رحمه الله كان معهداً عالياً للموسيقى العربية.
و إن كان أهل العلم يقسمون الأصوات بين نحاسي وفضي وذهبي ، فصوت الشيخ مصطفى إسماعيل منجم من المعادن النفيسة. وقد وهبه الله تعالى موهبة يعز وصفها في هذه العجالة. ولو أمد الله في عمر كاتب هذه السطور لأتم كتاباً عنه بمشيئة الله.
لم يكن صوت الشيخ مصطفى إسماعيل من ذلك النوع الذي يلسع الأذان بما يستهوى بعض العامة. ولم يكن من ذلك النوع الذي تشغله أحكام التلاوة عن التجويد وفنونه ، ذلك لسلامة فطرته و تمكنه . ونرى الآن من المقرئين من يبالغ بجرس الحروف لإخفاء قصور موهبته وتواضع علمه بالمقامات و التجول بينها. بينما كان رحمه الله مدرسة مكتملة الأركان .
ولا نبالغ إن قلنا أن الشيخ مصطفى إسماعيل هو المؤسس الحقيقي لمدرسة « الفن « في التلاوة. وقد حباه الله حنجرة لايعصى عليها نغم ولا تهرب منها «قفلة» ، لدرجة أزهلت أرباب الموسيقى من معاصريه أمثال الست أم كلثوم و الأستاذ محمد عبد الوهاب ، وهما صديقاه علاوة على جيرة السكن. وكذلك السميعة الكبار من أهل التخصص أمثال المرحومين الأستاذ كمال النجمي و محمود كامل- المؤرخين للموسيقى - و الفنان عمار الشرعي متعه الله بالصحة ، الذي صرخ ترحماً على الشيخ بعد سماعه يتلو آية « قال عفريت من الجن ... « من سورة النمل . وعند سماعه آية « فدعى ربه أني مغلوب فانتصر .. من صورة القمر ، أقسم بالله أنه لايوجد موسيقي يمكنه التعبير عن التغيرات الدرامية في هذه الآية الكريمة كما فعل الشيخ. حيث أن الآية تحمل دعاء سيدنا نوح لما يأس من قومه . تليها آية إجابة الدعاء من الله عز وجل . وشتان بين صوت ونغم من يدعو وهو مغلوب ، راجياً من الله أن ينتصر له . وبين الإجابة بفتح أبواب السماء بماء منهمر و تفجير الأرض عيونا.
تلاوة تفسيرية
ومن الرعيل الثاني ، يأتي الشيخ عبد العزيز على فرج ،رحمه الله ، كأحد من ساروا على نهج سابقيهم . وقد جمع بين دقة الأحكام و طول النفس و عذوبة الصوت و التنويع بين المقامات و قوة الحنجره .
متميزاً باستخدام الوقف - وهو من أحكام التلاوة- بما يساعد المستمع على فهم المقصود.مما يعطى الآي الحكيم أبعاداً أوسع للإستيعاب. و الأمثلة على ذلك كثيرة. فقد سأله أحد حوارييه ، وهو المرحوم محمد علي شاهين: يامولانا .. مين هما المكذبان في سورة الرحمن؟. فأدرك الشيخ أن كثيراً من الناس لايعرفون المُخَاطَب في الآية الكريمة «فبأي آلاء ربكما تكذبان» . إبتسم الشيخ وقال له : هقولك الليلة دي. فلما اعتلى «الدكة» ليلتئذ قالها هكذا « فبأي آلاء ربكما تكذبان ، يامعشر الجن و الإنس» ، آخذاً نصفي الآيتين الكريمتين بما لايتعارض مع أحكام التلاوة ، لشرح المعنى. ويقسم شهود تلك الواقعة أن أصحاب السرادق أمضوا مايقرب من العشر دقائق لتهدئة الحضور ، بينما جلهم يصيح: بقى هي كدة ياشيخ؟! وفي سورة «لقمان» يعبر الشيخ عن رأيه في الشرك بالله فيتلو قوله تعالى: « يابني لاتشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم»
هكذا: « يابني لا تشرك» . . « بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم» ، وهذا بعدٌ في القصد لايدركه إلا صاحب ذوقٍ سليم. والأمثلة كثيرة ، منها تأجيل لفظ يدل على العذاب - إذا كان في آخر آية رحمة ونعيم- إلى النفس التالي بما لايتعارض مع أحكام الوقف ، وهكذا. ناهيك عن علم المقامات، و التمكن منه. ولعل القصة الشهيرة بين أم كلثوم والشيخ العبقري مصطفى إسماعيل خير دليل على خدمة النغم للمعنى. فكانت قد سمعت قارئاً يتلو قوله تعالى»ماسلككم في سقر» من مقام النهاوند «البهيج» ، فقالت لمن معها : ماهي سقر حلوة اهي ! أُمال بيخفونا منها ليه؟!. فلما سمعتها من عمنا الشخ مصطفى من «الصبا» قالت : هي دي سقر المقصودة.
و لم يكن الشيخ عبد العزيز من قراء المقام الواحد ، كما هو حال قارئي إذاعة الآن. بل كان علمه بأسرار النغم وحسن ذوقه وعمق فهمه، يجعله يلبس كل آية حلتها. فأخذ مكانته بين الكبار الأفذاذ. وكان يفضل القراءة من سقف المقام - جواب الجواب- فلا يركن كثيراً إلى القرارات . وهذا يتسق تماماً مع شخصيته و مزاجه. إلا أن قراراته الغير مكتملة تشعرك وكأنك تمرر أذنك على وبر الكشمير.
كان الشيخ يقول ، بتواضع الواثقين أن خامة صوته مزيجاً من صوتي الشيخ علي محمود- مؤسس مدرسة الإنشاد- والشيخ كامل يوسف البهتيمي- آخر المبتكرين في الإنشاد- . و السميع الحق يجد في صوته خليطاً مابين المسحة الصوفية من صوت الأول، والوقفات الحراقة من الثاني.
فرحمة الله و رضوانه عليهم جميعا ً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.