محاولة قبل الغزو، إدارة ترامب تجتمع بمبعوثي الدنمارك وجرينلاند في البيت الأبيض    زيلينسكي يحذر من هجمات روسية كبرى مع بدء موجة برد قارس    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    جوتيريش يأسف لانسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية    احذروا، بيان عاجل من الأرصاد بشأن تحركات الأمطار والرياح على محافظات مصر    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    طريقة عمل بطاطس مهروسة، محشية بالخضار ومخبوزة في الفرن    الإسكان تتابع الموقف التنفيذى لمشروعات حياة كريمة لتطوير قرى الريف    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    سر وجوده في مسجد قبل معركة عبرا ومواجهة مرتقبة مع الأسير، تفاصيل جلسة محاكمة فضل شاكر    وزير الزراعة: أسعار الدواجن أقل بكثير من العام الماضي.. ولا 8 جنيهات ولا ال 35 سعر مقبول للكتاكيت    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"أمير المسيحيين وأمير المسلمين"


"أمير المسيحيين وأمير المسلمين"

ماذا تفعل المؤسسات الدينية في دولة مدنية؟
هل انتهت الأزمة التي فجرتها التصريحات الطائفية ل(أسقف التطرف الديني) في الكنيسة الأرثوذكسية المعروف علنا باسم الأنبا بيشوي؟.. الإجابة من الناحية الظرفية والشكلية هي (نعم) انتهت. لكن هذا لا يعني أن الموقف قد عولج بالكامل من جذوره.. أو أن الملف قد أغلق تماما.. علي العكس لقد انفتح علي مصراعيه.. ذلك أن بعض ما جري في طريق إغلاقه أنتج بدون قصد (بذورا) يمكن أن تنبت توترا أعمق.. لم يكن من الممكن اجتنابها.. خاصة أن الإغلاق تم ب (اعتذار) من قداسة البابا شنودة الثالث.. أدلي به تليفزيونيا.. وأذيع علي نطاق واسع.. وهي خطوة تاريخية تحسب له.. وينبغي أن تقدر في سجله حتي لو كان أسماه فيما بعد «أسف» علي ما قال بيشوي.. وليس اعتذاراً.
الاعتذار، المُطفئ لحريق كاد يشتعل، حدث استثنائي، لابد أنه ترك «غصة» في نفوس عدد من الأقباط، هو موقف اضطراري، لعلاج مأزق لم يخطط له أحد.. ولم تسع إليه الكنيسة.. لكن اندفاع (الأسقف المتهور والمغرور) الأنبا بيشوي أدي إليه.. وباعتباره (بيشوي) من أهم قيادات الكنيسة فإن قداسة البابا قد تصدي لمسئولياته دون انتظار لموقف كان علي بيشوي أن يتخذه.. وحتي لو أخذه فإنه لم يكن سوف يصبح مقنعا.. وأصعب المواقف تلك التي يكون فيها علي صاحبها أن يأخذها مضطرا.. ولكن «مقومات الزعامة» التي يتمتع بها البابا شنودة بقيمته التاريخية ومكانته الوطنية قد دفعته إلي ابتلاع الآثار السلبية للاضطرار.. فهل يعني الابتلاع أنه سوف يتلوه (هضم)؟
تحامق بيشوي، فدفع قداسة البابا بل والكنيسة كلها الثمن، كما أن بقية أبناء الوطن دفعوا نصيبا من هذا الثمن.. اعتذر البابا.. لكن المسلمين لم يسعدوا وهم يرونه مدفوعا بمسئولياته الوطنية إلي ذلك.. فالاعتذار ليس هو طريقة التفاهم بين عنصري الأمة.. عوضا عن أن ارتكاب الخطايا ليس هو الأسلوب الذي كان لابد لبيشوي أن يلجأ إليه حتي يلبي نرجسيته ويسدد شراهة طموحه ويمضي في غيه المنفلت.. أنهي الاعتذار موقفا لكنه لم يسعد لا المسيحيين ولا المسلمين.
- المخطئون
لقد أخطأ كثيرون، من جانبي عنصري الأمة، من قبل، في عقيدة الآخر.. إن كان الإسلام أو المسيحية.. فعلها المسلمون وفعلها المسيحيون.. ليس علي أحد أن يدفن رأسه في الرمال ويتجاهل تلك الحقيقة.. غير أن الأخطر كان في هذه المرة هو أن بيشوي قيادة دينية تنتمي إلي الكنيسة.. له موقعه وحوله تابعوه ويكتب البعض مؤيدا له في الصحف، وطموحه لم يعد سرا وقد حول هو «أنصار طموحه» إلي مؤسسة.. أصبح بيشوي عمليا كنيسة داخل الكنيسة.. ومن ثم فإن المسلمين والمسيحيين لم يقفوا فقط عند المعاني المروعة والخطورة اللحظية لكون بيشوي تحامق بما قال.. وإنما نظروا إلي ما هو أبعد.. وإلي احتمال أن يعتلي رجل بهذه المواصفات مقعد البطريرك في وقت ما.. فساور الرعب المستقبلي عنصري الأمة وليس عنصرا واحدا.
إن السكوت علي الخطايا الصغيرة المتبادلة هو الذي أنتج الخطيئة الكبيرة، والتعامل الصامت مع الإهانات التي توجه إلي العقائد من أصوات هنا أو هناك بدون وعي نتائج هذا الصمت الخطر، هو الذي كان لابد أن يقود إلي إساءة بيشوي غير المقبولة.. وإذا كان عنصرا الأمة يتحملان المسئولية عن المناخ الذي أسفر عن هذا التهور غير المتوقع من (أسقف التطرف).. فإن الكنيسة بدورها تتحمل قبل غيرها نتيجة الصمت عن تحامق سابق لبيشوي ذاته.. حين أخطأ في حق الإنجيليين قبل نحو عامين.. ويتحمل المسلمون نفس الجريرة حين صمتوا عن خطيئته السابقة في حق الإنجيليين.. وحين تذرعوا بأن ما بين الطوائف المسيحية لا يخص الآخرين.
لست أدري علي أي أساس رسخ في ذهننا أن تعريف (التهديد الطائفي) أنه كل ما بين المسلمين والمسيحيين.. بدون أن ننتبه إلي أنه يمتد ليشمل ما بين المسيحيين والمسيحيين.. وما بين المسلمين والمسلمين علي اختلاف مذاهبهم.. الإصابة التي لحقت بالإنجيليين أكثر من مرة من الكنيسة الأرثوذكسية علي يد بيشوي وغيره كانت تهديدا طائفيا.. والإصابة التي لحقت بالمسلمين من أصوات لفظتها الكنيسة الأرثوذكسية هي تهديد طائفي.. والإصابة التي لحقت بالأرثوذكس من أصوات مسلمة عديدة ليست في مواقع المسئولية الدينية هي تهديد طائفي.. والصخب الذي يثور حينا من بين شيعة أو بهائيين أو لا دينيين في اتجاه الإسلام داخل مصر هو بدوره تهديد طائفي.. وكل هذا أمر واجب الحسبان لا النسيان ولابد أن يخضع إلي الانتباه.. حين نهمل بعضه فإنه يؤدي إلي غيره.. وعندما يتم تجاهل أصغره فإنه يقود إلي أكبره.
- جذور وقشور
إن للأزمة جذورا وأطرافا.. ويحيط بها مناخ أدي إليها.. وكل هذا يحتاج إلي مراجعة وتمحيص. بطل الأزمة هو أسقف التطرف الأنبا بيشوي، وهو نوع من رجال الدين الذين أنتجتهم المرحلة الأخيرة، لديه مريدون، وتابعون، وعنده سطوة، ونفوذ، وحتي لو كان يخضع لقيادة قداسة البابا فإنه يمثل تحديا له، إن الأزمة التي فجرتها تصريحاته الأخيرة هي نوع من التحدي السافر للبطريرك قبل المسلمين، فقد وضعته في موقف لم يكن لينبغي أن يكون فيه، وطموح بيشوي في أن يكون البطريرك معروف .. لكنه لم ينتظر حتي تحين ساعة تجري فيها القرعة المقدسة.. وإنما مضي إلي تعجل الزمن واستعجال الأيام بأن يطرح نفسه قيادة مناطحة وصوتها أعلي.. لاسيما في ضوء الصلاحيات الممنوحة له في بنيان الكنيسة.
إن من المدهش أن أشخاصا كانوا يشنون هجوما شديدا علي أسقف التطرف قد تحولوا إلي تأييده ومناصرته، بل إن فيهم من كان يكتب المقالات ضده، فأصبح ينشر الإعلانات المساندة له مدفوعة الأجر، ما يطرح تساؤلات حول الأسباب التي تقود إلي ذلك.. ولاشك أن هذا يرتبط بكون بيشوي قد أصبحت له شبكة علاقات صحفية مسيحية لافتة.. تكتب له وعنه.. بما في ذلك في صحف يومية.. وهو ما أدي إلي تعميق استقطاب واضح داخل الكنيسة.. بين الطرف الذي يمثله بيشوي.. والاتجاه الذي يمثله نموذج الاعتدال وفيه الأنبا موسي والأنبا يؤانس.
في طريقه إلي تحقيق الطموح العلني بأن يصبح بطريركا كان أن علقت في ذيل بيشوي وصولا إلي رقبته رواية عزازيل التي كتبها يوسف زيدان.. وهو أديب كان علي علاقة وثيقة بأسقف التطرف.. حتي إن تلك العلاقة سمحت ليوسف زيدان بأن يحصل علي وثائق أدت به إلي تطعيم روايته بكثير من تراث الكنيسة.. تلك الرواية التي لا شك أنها سببت قدرا ملموسا من التأذي للأقباط.. وحظيت لأسباب غامضة، وغير موضوعية، بصخب مهول، ومنحت جوائز، ونالت قدرا مهولا من الدعاية.
عمليا، وواقعيا، وتاريخيا، ليس هذا النوع من الأعمال الأدبية يمثل أي فائدة ما لمجتمع يريد أن يبقي موحدا، إذ لا الكنيسة سوف تغير تراثها، ولا هي سوف تتخلص مما علق به، ولا هذا العمل سوف يحقق فائدة ما للمسلمين، باختصار هو لم يحقق سوي فائدة لصاحب الرواية ودار النشر التي سوقتها علي نطاق واسع ومتعمد.. ومن المزعج أن الروائي لم يتوقف عند حد نشر الرواية، بل إنه مضي إلي تسويق خطاب فكري محدد يقوم علي انتقاد الكنيسة وتراثها.. مشفوعا بأحاديث ذهبت بعيدا في انتقاد العقيدة المسيحية.
لم تشفع لزيدان علمانيته، فهو في نهاية الأمر كاتب مسلم، وقد استخدم في عملية تسويق روايته خلفية أنه كان علي علاقة وثيقة مع بيشوي، ما وضع أسقف التطرف الطموح إلي موقع البطريرك في مأزق كبير لم ينهه أنه أصدر ردا علي رواية عزازيل.. وقد ظل بين المسيحيين هو المسئول عن تلك الرواية التي تطعن في تراث الكنيسة.. حتي لو كانت لها أبعاد أخري.
- تعويض بيشوي
المثير للتساؤل هنا هو: هل كانت الصحف الخاصة ووسائل الإعلام المسوقة لعزازيل تدرك أبعاد ما تقوم به؟ أم أن تلك كلها كانت تواصل قدرا من العبث الطامع في اكتساب أرضيات توزيعية وجماهيرية بدون اهتمام بأية أمور أعمق تؤدي إليها؟.. الأرجح أن هناك فريقا ضئيل الحجم يعرف ماذا يفعل.. وفريقا منقادا يبدو كما لو أنه يخضع لعملية تنويم مغناطيسي هو يقبلها.. ويوافق عليها.
في معرض صراعه علي موقع البطريرك كان أن حاول بيشوي أن يقوم بأعمال مختلفة تنجيه من مأزق عزازيل، وسع شبكة العلاقات، فلم يفلح، أصدر ردا علي الرواية فلم يحظ بنفس القدر من الاهتمام، شن هجوما حادا علي يوسف زيدان فوجد نفسه طرفا في صراع الاتجاه المعاكس لا يكسب إن لم يكن يخسر، فانجرف إلي هوة رهيبة.. بأن يؤكد مسيحيته وقوته الكنسية بمزيد من التطرف تلو الآخر.. وصولا إلي إهانة الإنجيليين ومن بعدهم المسلمين.
الكنيسة علي عراقتها تعاني الآن من معضلة كبيرة مع اقتراب استحقاق زمني لا فكاك منه، وفي حين تمثل كاريزما البابا شنودة اللحمة التي تربط الأوصال بحيث لا تنفصم العري بسبب تقافز الطامحين من حوله.. حيث تتقاطعهم الطموحات من جانب وضرورات الالتزام الكنسية من جانب آخر.. كل بقدر هدوئه وقدرته علي أن يلجم نفسه، فإن البابا يعاني الآن مما قدم للكنيسة.. التضخيم المهول الذي ابتدعه لها خلال سنوات ولايته لموقعه صب في صالح الكنيسة.. ورسوخ المؤسسة لكنه في ذات الوقت أصبح قيدا عليه.. لقد كان متاحا في وقت مضي أن يسيطر علي كل العناصر التي أنتجتها فترته.. لكن عوامل عديدة تداخلت بحيث لم يعد هذا ممكنا الآن.. خصوصا أن الكنيسة تعيش فترة رمادية معروفة المواصفات.
إن الأساقفة من حوله يتضخمون.. وسعوا مساحات المرونة التي أعطاها لهم .. كل يمكن أن يقوم بدور بدون الرجوع إلي القاهرة.. للدقة هم يبادرون بالعودة إلي القاهرة حين تتأزم الأوضاع.. ليس لكي تنقذهم مما فعلوا.. وإنما لكي يصدروا إلي البطريركية مشكلات اصطنعوها.. وغالبا ما تكون العودة من جنس العمل الأول ذات مواصفات طائفية.. هادفة إلي إحداث الصخب السياسي والإعلامي.. بحيث صار من المعتاد أن يدفع أي أسقف محلي بالعشرات من الشباب إلي ساحة البطريركية تظاهرا.. فيصبح البطريرك تحت قيودها بينما يعتقد البعض أنها تسانده.
وبالقياس علي هذا، فإن اتساع الكنيسة الخارجي في المهجر، في عصر الازدهار الذي قاده الأنبا شنودة، تحول بمضي الوقت، مع وجود عوامل أخري، إلي قيد إضافي علي البابا نفسه.. هذا البحر العرمرم من الكنائس المهجرية التي تحيط بها اتجاهات تتلبس الثياب العلمانية في العواصم المختلفة.. أغرق الكنيسة في متطلبات ومطالب رفعت سقف النقاش في اتجاه الوطن.. وصولا إلي أفق غارق في الطائفية.. وهو ما لا أعتقد أن قداسة البابا كان يستهدفه.
- بيت أم كنيسة
إن الكنيسة، بهذا الوضع المتنامي، الممزوج بمناخ طائفي، حولها إلي بيت حزبي للمسيحيين أكثر من كونها كنيسة لهم، أي من مجرد وعاء روحي إلي وعاء سياسي واجتماعي وربما اقتصادي، مثلت تحديا لا تقصده لمواصفات الدولة المدنية.. وفي ذات الوقت الذي سعت فيه الدولة إلي أن تكون أكثر عصرية ومقاومة للمناخ المتطرف في المجتمع.. فإن الكنيسة التي يفترض أنها تستفيد من مدنية الدولة لا تطرف المجتمع.. كانت دون أن تدري تدفع في اتجاه يؤدي إلي عكس مصالحها وعكس مصالح المسيحيين.. وليست ظاهرة أسقف التطرف بيشوي سوي إحدي نتائج ذلك.
عمليا كانت تصريحات بيشوي مثالا جليا علي ذلك.. فهو أمد التطرف الديني الإسلامي بما يريد بكل وضوح، بل إن توقيت تصريحاته المريب والغريب.. وربما غير المقصود.. ساهم بشكل أو آخر في تعضيد المكانة السياسية التي يمكن أن تتحصلها جماعات متطرفة بينما نحن علي أبواب انتخابات من المتوقع أن تشهد إقبالا كبيرا من المرشحين المسيحيين .. وهو ما أعتقد أنه قد يكون أحد الأسباب التي أدت إلي اعتذار البابا شنودة.. أو أسفه.. أيا ما كان المسمي الذي يراه لائقا.
- بيان الأزهر
الطرف الثاني في الأزمة، المتلقي، كان هو المؤسسة الدينية الإسلامية.. الأزهر الشريف.. ومبدئيا لا يمكن إلا أن نشيد بالبيان الذي نتج عن اجتماع طارئ لمجمع البحوث الإسلامية بقيادة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب.. وقد تلاه مقال مهم نشره مفتي الديار في جريدة الأهرام.. وكانت هذه الخطوات تحسبات واجبة في إدارة الأزمة.. وحسنا فعل الأزهر بإقدامه علي ذلك البيان.. بلغته الأقرب إلي الحسم.. والواعية بالمخاطر الطائفية للأمر.. لأنه لو لم يفعل لكان قد ترك قيادة الشارع المسلم إلي مبعثرات طائفية متطرفة تتقافز بدورها من حول مؤسسة الأزهر.
البيان الذي ركز علي الهوية الإسلامية للمجتمع، وبنص دستورها، كما لو أنه يعيد إلي الساحة جدلا حول نص المادة الثانية من الدستور، ألجم قوي كانت تريد أن تتصدي هي - ولم تزل تحاول - لأسقف التطرف.. وحاولت أن تختصر الموقف في أنه نزاع ما بين أمير المسيحيين بيشوي وأمير المسلمين محمد سليم العوا.. فإذا كان بيشوي رجلا ذا حيثية دينية.. تري من أعطي العوا الصلاحية لأن يكون متحدثا باسم المسلمين نائبا عنهم في أن ينال ما اعتقد أنه ثأر لهم؟
لقد مرت المؤسسة الدينية الإسلامية بمرحلة انتهت، ليس فقط بوصول شيخ أزهر جديد، ولكن أيضا بهذا الاجتماع الطارئ الذي عقده مجمع البحوث الإسلامية، ومن هنا فإن هذا الاجتماع بقيادته لابد من البناء عليه.. في سبيل مد مظلة المؤسسة الدينية علي الجميع.. بحيث لا ينازعها في مصداقيتها وشرعيتها أولئك الآخرون الذين يعتقدون أنهم الإسلام.. ويطعنون في مصداقية المؤسسة من أجل أن يختطفوا دورها.
- مهام حتمية
وتطرح الأزمة، التي يفترض فيها أنها مرت، تساؤلات جوهرية حول دور المؤسسة الدينية.. مسلمة أو مسيحية.. في دولة مدنية .. قياسا علي موقف مجمع البحوث الإسلامية وقياسا علي موقف قداسة البابا.. فهل تصديها للقيادة الدينية للعنصرين يناقض السعي الحثيث إلي مواصفات الدولة المدنية؟
لست أساند غلاة التطرف العلماني، أولئك الذين يرون أنه لابد من إبعاد المؤسسات الدينية عن أي تفاعل مجتمعي، هؤلاء لا يعرفون حقيقة ثقافة المجتمع المصري القائمة علي مقومات دينية عريقة.. حتي لو كان السلوك العام لا يقوم علي استيحاء الأخلاق الدينية بشكل مستمر.. ومن ثم فإن المؤسسات الدينية لابد أن يبقي لها دور أصيل في إدارة منظومة قيم المجتمع وسياقه الروحي.. بشرط ألا يثير هذا طمع المؤسسات الدينية في أن تعتقد أنها قيادة سياسية لهذا العنصر أو ذاك.
الحضور الروحي للمؤسسات الدينية بخطاب عصري ومتعقل ومنفتح، ويصب كذلك في صالح الدولة المدنية، يمكن أن يعوق نمو التطرف، وإذا كان الأزهر أكثر صلاحية الآن لهذا.. فإن الكنيسة سوف تحتاج إلي فترة من الوقت لكي تكون قادرة عليه.. لأنه لا يمكن مطالبة قداسة البابا شنودة بتحولات تاريخية في التوقيت الحالي.. وإن كان من الممكن مطالبته بالارتكان إلي مقومات زعامته حتي يحافظ علي مستوي يراه ونراه مطلوبا لحماية المجتمع من أية انجرافات طائفية.
إن هذا لا يعني علي الإطلاق أن المسئولية يجب أن تلقي بأكملها علي المؤسستين الدينيتين.. بل إن هذا حين يحدث يؤدي إلي ضرر عظيم.. وعكس ما نرمي إليه من أهداف.. وإنما الأمر يتعلق بخطاب ثقافي وإعلامي وتعليمي متكامل.. ولا يقتصر علي الأفكار الدينية وحدها.
- رسالة أخيرة
ومن ثم فإنني أترك نهاية هذا المقال إلي رسالة وصلتني من قارئ مسيحي يعبر فيها عما يخالجه.. لعل هذا يفيق المجتمع مما اعتراه من طائفية:
«أنا أرفض كل الرفض تعليقات الأنبا بيشوي التي تهدد السلام الاجتماعي.. والعملية مش ناقصة، بل أعتبره من دعاة الفتنة والتخريف، ولكن لماذا قامت الدنيا ولم تقعد علي كلام بيشوي؟ ومحدش قال حاجة علي كلام سليم العوا وكلام محمد عمارة ونبيه الوحش وشيوخ من الأزهر في أن الكتاب المقدس هو كتاب محرف؟ وكل الأكاذيب والافتراءات والجهل الذي يملأ الجو المحيط بنا؟
لماذا لم يرفض أحد ما يتعرض له أبناء الأقباط من العنصرية والاضطهاد داخل الكليات وخاصة كليات الطب في الامتحانات الشفوية بحجة أنه لا يجوز لطبيب قبطي الكشف علي مسلمة؟ما كل هذا الظلم والاضطهاد!
حتي إن بعض الأغبياء يطالبون الأقباط في القرن الحادي والعشرين بدفع الجزية وهم صاغرون أي أذلاء؟
في أي مجتمع نعيش؟ وما كل هذا؟
لماذا لا يوجد من يحاكم أنصاف المتعلمين الذين يعتلون منابر الزوايا ويطلقون التهديد والوعيد للأقباط وتحريض المجتمع الإسلامي علي قتلهم أو علي الأقل عدم التعامل معهم ومحاصرتهم ومحاصرة أبنائهم؟
أنا آسف بجد لما وصل إليه الحال في مصر التي نعشقها وليس لنا وطن سواها. وأسأل مرة أخري: أين الدولة؟ أين القانون؟».
لقد كانت تلك رسالة من القارئ منير شكري.. وهو شاب لايمكن أن أصنفه من خلال معرفتي بإسهاماته بأنه متطرف.. وهذه الرسالة هي أخف ما وصلني.. وهي تعيدنا من جديد إلي ما كنت قد بدأت به المقال: انتهت الأزمة شكلانيا.. لكن الأمر أعمق من مجرد اعتذار وأبعد منه بكثير.
عبد الله كمال
يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى
www.abkamal.net
أو موقع روزاليوسف:
www.rosaonline.net
أو على المدونة على العنوان التالى:
http//alsiasy.blospot.com
أو على صفحة الكاتب فى موقع الفيس بوك أو للمتابعة على موقع تويتر:
twitter.com/abkamal
البريد الإلكترونى
Email:[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.