ردًا على فتاوى التجريح والتكفير والتى طالت والدىّ النبى صلى االله عليه وسلم، أصدرت الصوفية بمصر أول كتاب عن فضائل السيدة آمنة بنت وهب عليها السلام، أم المصطفى صلى االله عليه وسلم، فى عمل يجمع بين الذوق الصوفى والمعالجة الفكرية والطرح الأدبى يحمل عنوان «فضائل سيدتنا آمنة». الكتاب من إصدار دار الوابل الصيب، للمؤلف الدكتور محمد وسام مقدم الطريقة الصديقية الشاذلية؛ وطرحت كتاب «الدرر الكامنة فى فضائل ستنا آمنة»، بمعرض الكتاب الأخير، ويُعد عملًا صوفيًّا شعريًّا فريدًا، يبرز مكانتها ومقامها فى الوجدان الإسلامى. النسب الشريف الكتاب عبارة عن قصيدة مطوّلة مكوّنة من 431 بيتًا، تناول فيها الدكتور محمد وسام عددًا من القضايا العقدية والروحية المرتبطة بالسيدة آمنة، وفى مقدمتها الرد على من أنكروا إيمانها وفضلها، ومعالجة قضية النهى عن الاستغفار لها فى سياق علمى بعيد عن الجدل والإثارة. وتطرّق العمل إلى محاور متعددة، من أبرزها: الرد على من ينكر إيمان السيدة آمنة وفضلها وبيان شدة عداوة الشيطان لها، وتصوير رمزى لدوره فى الصد عن محبتها والإشارة إلى المحاولات التى استهدفت تغييب قدرها ومكانتها.. مع نظم النسب النبوى الشريف من آدم عليه السلام حتى السيدة آمنة.. وتوثيق بكاء النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة أثناء زيارتها . وأكد المؤلف فى كتابه استحباب الصلاة والسلام عليها ومناجاتها، والتأكيد على محبتها لزائريها؛ ومشروعية زيارتها ووجوب برّها والدفاع عن مقامها، بالإضافة إلى الرد الأدبى والرمزى على من تطاولوا على مكانتها. رسالة واضحة وحول سبب إصدار الكتاب؛ قال د.مجدى عاشور، وكيل الطريقة الصديقية الشاذلية؛ إن القصيدة الأخيرة تحمل رسالة واضحة ومباشرة لأصحاب الفكر المتشدد الذين يميلون إلى التشكيك فى نجاة أبوى النبى صلى الله عليه وسلم من النار، وأن الهدف من القصيدة ليس الجدل العقيم، بل تذكير هؤلاء بأن النصوص الشرعية، سواء من القرآن الكريم أو السنة النبوية، تؤكد احترام مقام النبى صلى الله عليه وسلم وحق أبويه فى النجاة، وفق ما استقرت عليه أقوال العلماء عبر العصور. ويضيف د.عاشور؛ أن التمسك بالمغالطات أو بظاهر بعض الأخبار الآحاد، دون مراعاة سياقها وتأويلها وفق قواعد أصولية، يؤدى إلى استنتاجات غير دقيقة تتناقض مع صريح القرآن وقطعياته؛ وبالتالى فإن القصيدة جاءت لتوجيه الفكر المتشدد نحو فهم أكثر توازنًا، يحترم ثوابت الشريعة ويصون مكانة النبى صلى الله عليه وسلم وأمه الكريمة. قضية التكفير وحول قضية تكفير والدى الرسول؛ أوضح الدكتور على جمعة، مفتى الديار المصرية الأسبق، أن مسألة نجاة أبوى النبى صلى الله عليه وسلم يجب تناولها فى إطارها العلمى المنضبط، بعيدًا عن القراءة الحرفية المجتزأة للنصوص، ومتصلة بالمنهج الذى استقر عليه أئمة التفسير والحديث والأصول عبر القرون. ويؤكد أن العلماء قرروا أصلًا مهمًا، وهو أن النص إذا احتمل التأويل، وكان هذا التأويل منسجمًا مع مقاصد الشريعة ومتوافقًا مع النصوص القطعية من القرآن الكريم، فإنه يُقدَّم ولا يُصار إلى ظاهرٍ يوهم التعارض. وفى هذا السياق، أشار إلى ما ذكره عدد من المفسرين، وفى مقدمتهم ابن كثير، من أن والد إبراهيم عليه السلام المذكور فى قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ»، ليس أباه الصلبى، وإنما عمه، واسمه تارِح أو تارَخ، وهو تأويل معتبر عند أهل العلم. القاعدة الأصولية ويضيف الدكتور على جمعة أنه حتى على فرض رفض هذا التأويل، والتمسك بظاهر بعض الأخبار الآحاد الواردة فى المسألة، فإن القاعدة الأصولية المقررة تقضى بردّ الخبر إذا تعارض مع نص قطعى صريح من القرآن الكريم، وهو منهج معروف عند كبار الأئمة، وليس خروجًا عن أصول الاستدلال. ويستشهد فى ذلك بما قرره الحافظ الخطيب البغدادى من أن الخبر – وإن صح إسناده – يُرد إذا خالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، كما يستشهد بصنيع أئمة الحديث، كالبخارى وعلى بن المدينى، فى ردّ حديث خلق الأرض فى سبعة أيام لمخالفته لصريح القرآن القاضى بأن الخلق كان فى ستة أيام، وهو ما ذكره ابن كثير فى تفسيره. ويخلص الدكتور على جمعة إلى أن الخلاف فى هذه القضية لا يخرج عن مسلكين معتبرين عند العلماء: إما التأويل، وهو الأولى؛ صيانةً للنصوص من التعارض، وإما ردّ الخبر الآحاد إذا خالف القطعى الصريح من القرآن الكريم، وهو مسلك الأئمة الأعلام، وعلى أيٍّ من الطريقين، فإن النتيجة العلمية واحدة، وهى القول بنجاة أبوى النبى صلى الله عليه وسلم، بل آبائه الكرام، بما يليق بمقامه الشريف صلى الله عليه وسلم. زيارة القبور فيما يوضح المؤلف الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن النهى عن الاستغفار للسيدة آمنة بنت وهب، والدة النبى صلى الله عليه وسلم، لا يحمل دلالة على عدم نجاتها، مؤكدًا أن الأمر مرتبط بطبيعة الحكم الشرعى ذاته، ويقول: «الاستغفار إنما يكون فى حق المكلَّفين بعد إرسال الرسل، وهو ما لا ينطبق على السيدة آمنة، لأنها من أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول». ويضيف أن عدم الاستغفار لا يُفهم على أنه انتقاص، موضحًا أن «عدم الاستغفار لها ليس لأنها غير منجاة، بل لأنها فى حكم من غُفر لهم، كما هو حال الشهداء الذين لا يُصلّى عليهم ولا يُستغفر لهم». ويؤكد فى هذا السياق: أن «النبى صلى الله عليه وسلم لم يُؤذن له بالصلاة أو القيام على قبور المشركين والمنافقين، فالإذن بالزيارة هنا له دلالته الواضحة». ويختم «وسام» بالإشارة إلى ما قرره العلماء فى نسب النبى صلى الله عليه وسلم، مستشهدًا بقول الحافظ ابن حجر العسقلانى: «الخيرية والاصطفاء والاختيار الإلهى لا تكون مع الشرك»، مؤكدًا أن النبى صلى الله عليه وسلمش وصف والديه بالعبودية، وهى أعلى مراتب الكمال، وأن آباءه وأمهاته مصطفون مختارون. دار الإفتاء من جهتها ترفض دار الإفتاء المصرية الفتاوى التى خرجت بأن والدى الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين وأنهما فى النار، وقالت الدار فى بحث لأمانة الفتوى أعادت نشره برقم (2623)؛ أن الحكم فى أبوى النبى صلى الله عليه وسلم أنهما ناجيان وليسا من أهل النار. وقد صرح بذلك جمع من العلماء، وصنف العلماء المصنفات فى بيان ذلك، منها: رسالتا الإمام السيوطى «مسالك الحنفا فى نجاة والدَى المصطفى»؛ و«التعظيم والمِنّة بأنَّ والدَى المصطفى فى الجنة». وقالت الدار إن العلماء استدلوا على ذلك بأنهما مِن أهل «الفَترة»، لأنهما ماتا قبل البعثة ولا تعذيب قبلها، لأن مَن مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا، لتأخر زمانهما وبُعدِه عن زمان آخر الأنبياء، وهو سيدنا عيسى- عليه السلام-، ولإطباق الجهل فى عصرهما، فلم يبلغ أحدًا دعوةُ نبى من أنبياء الله إلا النفر اليسير من أحبار أهل الكتاب فى أقطار الأرض كالشام وغيرها، ولم يعهد لهما التقلب فى الأسفار ولا عمَّرا يمكن معه البحث عن أخبار الأنبياء، وهما ليسا من ذرية عيسى عليه السلام ولا من قومه، فبان أنهما مِن أهل الفترة بلا شك. ومَن قال: إن أهل الفترة يُمتَحَنُون على الصراط فإن أطاعوا دخلوا الجنة وإلا كانت الأخرى، فإن العلماء نصُّوا على أن الوالدين الشريفين لو قيل بامتحانهما فإنهما من أهل الطاعة، قال الحافظ ابن حجر: «إن الظن بهما أن يطيعا عند الامتحان». وقالت الفتوى الطريق الثانى الذى سلكه القائلون بنجاة أبوى النبي-صلى الله عليه وآله وسلم: أنهما ناجيان؛ لأنهما لم يثبت عنهما شرك، بل كانا على الحنيفية دِين جدهما إبراهيم- عليه السلام-، ولقد ذهب إلى هذا القول جمعٌ من العلماء منهم الفخر الرازى فى كتابه «أسرار التنزيل». كما رفضت أمانة الفتوى القول بأن القول إنهما خير من المؤمنين مع كفرهما، لأن هذا يعنى القول بتفضيل الكافرين على المؤمنين؛ وأضافت «ولكى نخرج من هذا المحظور وجب أن نقول بأنهما مؤمنان». أما الرواية الثالثة التى استندت إليها أمانة الفتوى فى قولها بنجاة والدى الرسول، فإن الله تعالى أحياهما له - صلى الله عليه وآله وسلم- حتى آمَنا به، وأضافت أن هذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة مِن حفاظ المحدِّثين وغيرهم، منهم: الخطيب البغدادى وابن شاهين وابن المُنَيِّر والمحب الطبرى والقرطبى، واحتجوا لمسلكهم بأحاديث ضعيفة، ولكنها ترقى إلى الحسن بمجموع طرقها. وأنهت أمانة الفتوى بحثها بتوجيه النصيحة لشباب الدعوة إلى الله أن يتقوا الله فى الأمة ولا يبالغوا فى إطلاق الأحكام قبل الفهم والبحث.