إن حقوق المرأة وحريتها التى تتمتع بها الآن، ليست نتاج يوم أو عمل واحد، بل عقود من النضال المستمر، من أجل كسر القيود المجتمعية القديمة التى فرضت عليها، بألا يعلو أفق تطلعاتها أكثر من حوائط منزلها. ومع ذلك، أعلنت بعضهن عن رفضهن التام بسجن عقولهن، وسعين لكسر هذه القيود، ليثبتن أن للمرأة حرية وحقا فى التعلم، والعمل، والنضال، وألا تكون (المعرفة، والمقدرة) حكرا على معشر الرجال فقط. فى مصر، نساء تم تخليد أسمائهن، وأعمالهن..وفى هذه السلسلة ترصد (نون القوة) حياة وكفاح هؤلاء الملهمات، العبقريات، لتعرف فتيات ونساء اليوم وغدٍ، أنه لا يوجد مكان لكلمة (مستحيل).
«إننى لن أترافع إلّا فى قضايا المظلومين لأنتصف لهم من الظالمين، وسأخصص حياتى لخدمة المهنة التى شغفتُ بها منذ كنت طفلة».. كانت تلك كلمات أول محامية فى «مصر»، والوطن العربى «نعيمة الأيوبى».
فمنذ 88 عامًا، تصدّرت الصفحة الأولى لعدد من الجرائد المصرية، وتحديدًا فى 16 يونيو 1933، صورة أول فتاة تخرّجت فى كلية الحقوق، التى كافحت فى مشوار طويل رسمته بنفسها ولنفسها، وسارت فيه وحدها تواجه الصعابَ، من أجل تحقيق حلم، لو كانت أفصحت عنه بصوت عالٍ، لقيل لها- فى ذلك الوقت- (حلم مستحيل). ومع ذلك، استطاعت هذه الفتاة المثابرة والدؤوبة، أن تصبح من أهم الأمثلة المُلهمة على إصرار المرأة على دحض الأفكار الرجعية فى فترة العشرينيات والثلاثينيات؛ ليسير على دربها العديدُ من الفتيات؛ وتحديدًا ممن أردن امتهان المحاماة. يعتقد البعضُ أن المحامية الكبيرة «مفيدة عبدالرحمن»، أول محامية فى «مصر». ولكن، هذا اعتقاد فى غير محله، إذ كانت «مفيدة» المحامية الأولى التى تفتح مكتب محاماة باسمها، فيما كانت «الأيوبى» هى أول من ارتدت (روب) المحاماة الأسود من النساء، وأول امرأة قيدت بنقابة المحامين؛ لتفتح المجال أمام المرأة لتتعلم القانون، وتدخل عالم المحاماة من أوسع أبوابه. البداية.. شغف وإلهام لم تكن «الأيوبى» سوى تلك الصغيرة، التى وُلدت فى مدينة «الإسكندرية»، لوالد عشق التاريخ، وهو المؤرخ «إلياس الأيوبى»، وقد تلقت تعليمها فى مدرسة محرم بك الابتدائية، ثم انتقلت إلى «القاهرة» لتتلقى تعليمها فى مدرسة البنات الثانوية فى الحلمية الجديدة. ولكن، منذ طفولتها وضعت الفتاة حلمًا نُصب عينيها، عكفت على تحقيقه، وهو حصولها على لقب الأستاذة المحامية. ولم يُبنَ هدفُها من فراغ؛ بل استمدته من عمِّها، إذ قالت: «منذ رأيت عمِّى محاميًا، يفخر برداء المحاماة على أى شىء آخر فى الحياة». ومن هنا، بدأ شغف المحاماة يتبلور داخل وجدان الفتاة الصغيرة. وكما هو معروف، فكان تعليم البنات قضية صعبة من الأساس فى تلك المرحلة، ورُغم تحديات الدراسة؛ فإنها لم تكتفِ بالتعليم الثانوى. واتخذت قرارَها الجرىء بالعمل فى المحاماة، فى وقت كانت فيه المهنة مقصورة على الرجال فقط. الفضل يعود لعميد الأدب العربى تلاقت رغبة «الأيوبى» برغبة أربع فتيات أخريات، اعتزمن جميعًا على استكمال دراستهن فى الجامعة، وتحديدًا «جامعة القاهرة»، التى كانت تُعرَف باسم «فؤاد الأول»، فى عام 1929. وبالطبع، لم تكن هذه الخطوة الشجاعة هيّنة، إذ لم يكن من الدارج أن تدخل الفتيات إلى الجامعة أيضًا. وعليه، لجأت الفتيات الطموحات الخمس إلى طلب المساعدة من (وزير المعارف) الدكتور «طه حسين»، الذى لم يبخل عليهن بالمساعدة. ولكنه، طلب- فى المقابل- بأن يتحلين بالصمت، ولا يذعن هذا الخبر، حتى يستطيع أخذ موافقة، دون التعرُّض لأى ضغوطات. وصفت «الأيوبى» فى مقال بعنوان: «كنت أول طالبة دخلت الجامعة»، نُشر بمجلة «الاثنين والدنيا» فى 13 مارس 1945، ما شعرت به الفتيات فى تلك الفترة، وكيف سعين لتحقيق مبتغاهن، فكتبت: «كنا خمس فتيات، ظمئت نفوسُنا إلى ارتياد مناهل العلم فى الجامعة…غير أننا خشينا إثارة الرجعيين…أولئك الذين نصبوا أنفسهم حُماة التقاليد المزعومة، رأينا أن نلجأ إلى أستاذنا الدكتور «طه حسين» بك، فما أن وقف على رغبتنا حتى وعد بتحقيقها، ونصح إلينا أن نصمت، ونتجنب إذاعة الخبر، حتى لا تخوض فيه الصحف، فيتعذر عليه المسعَى...عملنا بنصيحة أستاذنا، وكانت مؤامرة ناجحة، إذ فوجئ الرأى العام بنبأ قبولنا فى الجامعة، ولكن بعد أن أصبح القبول نهائيّا». وبالفعل، استطاع عميد الأدب العربى الحصول على الموافقة من رئيس الجامعة- حينها- «أحمد لطفى السيد»، على التحاق الفتيات بالدراسة الجامعية. مما يؤكد أنه لولا تحرُّك دكتور «طه حسين» لمناصفة الفتيات الخمس؛ لما كان تعليم المرأة الجامعى أمرًا هينًا، إذ يعود الفضل له أيضًا فى فتح باب التعليم الجامعى للمرأة، مثلما يعود الفضل للمجتهدات الخمس اللاتى رفعن رأسه. وقد مرّت أربع سنوات على الطالبات فى الجامعة بتوتر شديد، إذ قالت «الأيوبى»، إن: «الجَوّ الجامعى كان غريبًا علينا، وكنا غرباء فيه، كان الجميع يراقبون حركاتنا وسكوننا، وأينما اتجهنا أحاطت بنا الأنظار كأننا مخلوقات عجيبة تظهر على الأرض للمرّة الأولى، وكنا نتحاشى أن نتحدث إلى الطلبة، أو نتقرّب من الأماكن التى يكثر وجودُهم فيها، وإذا حيّانا أحد تجاهلنا التحية. وهكذا أمضينا وقتًا طويلاً، فى شبه عزلة، حديثنا همس، وخطواتنا استراق». ثم أضافت: «كانت المرّة الأولى، التى سمع فيها الطلبة صوتى، حينما اعتدتْ السُّلطات على استقلال الجامعة، فثرتُ مع الثائرين. ووقفتُ أخطب فى نحو 1800 طالب، وبدت الدهشة على وجوه الطلاب وهم يسمعون صوتى للمرّة الأولى…وراحوا يضحكون قائلين: «نطق أبو الهول»!.. وتوليت قيادة الطلبة، خارج حجرات الدراسة، واستمر الاضطراب عن تلقى الدروس زهاءَ ثلاثة أسابيع. وكم كانت غبطتى حينما دعانى العميد ذات يوم، وطلب منّى أن أعمل على إعادة الطلبة إلى الجامعة، مثلما عملتُ على إخراجهم…». واختتمت مقالتها، بجملة مشجعة على تعليم الفتيات، إذ قالت: «والآن، وبعد أن (عجمنا) الحياة، حلوها ومُرّها، أستطيع أن أقول إن اختلاط الطلبة بالطالبات، لا ينجم عنه أى ضرر؛ بل العكس، إنه يكسب الفتاة حصانة ومناعة، إذ إن الحَجْر لا يحمى الفتيات ولا يصونهن، ويجب أن تشعر الفتاة أنها مسئولة عن نفسها، وأن لها من أخلاقها خير حصن». وبالعودة لدراسة «الأيوبى» الجامعية، فيُذكر، أنها كانت من الطلبة المتفوقين دراسيّا، ورُغم معاناتها من إصابة مرضية شديدة قبيل الامتحانات النهائية؛ فإنها تفوقت فيها مع مرتبة الشرف الأولى لأول مرّة. وكان عام 1933 عامًا فارقًا بالنسبة لها، ولكل النساء من بَعدها، إذ تصدرت صورتها الصفحة الأولى لعدد من الجرائد، منها جريدة «الأهرام»، التى كتبت على صفحتها الأولى: «صورة ل«الآنسة نعيمة الأيوبى»...أول طالبة مصرية نجحت فى امتحان ليسانس كلية الحقوق منذ إنشاء مدرستها»، وجريدة «العروسة» التى افتتحت الجريدة بصورتها، وعنوان رئيسى كبير، كتب فيه: «الأستاذة نعيمة الأيوبى- أول محامية مصرية»، وغيرها من الجرائد، لتحتفى «مصر» بأول طالبة نجحت فى كلية الحقوق، وكان ترتيبها ال(13) على دفعتها. فى اليوم التالى من تخرُّجِها، نشرت جريدة «الأهرام» أيضًا خبرًا تحت عنوان: «الأستاذة نعيمة الأيوبى.. زيارتها للمحاكم والحفاوة بها»، تناول زيارتها إلى مجلس مصر الحَسبى، أعقبتها زيارة لغرفة المحامين فى محكمة الاستئناف والمحكمة الشرعية. كما ذكرت الصحيفة، حسب المؤرخ «يونان لبيب»، أن المحامية الأولى فى «مصر» قالت لزملائها فى ذلك اليوم، جملتها الشهيرة، المذكورة سابقًا: «إننى لن أقبل المرافعة إلا فى قضايا المظلومين..». رحلة صعبة ورُغم نجاح «الأيوبى» الباهر؛ فإنها لم تدخل مجال المحاماة بسهولة؛ حيث خاضت سلسلة من المعارك، كى تتمكن من تحقيق حلمها، إذ قدمت طلبًا إلى محكمة الاستئناف، من أجل قبول قيد اسمها فى جدول عموم المحامين، وأكدت بَعدها أنها ستقدم طلبًا آخر إلى لجنة قبول المحامين لدى المحاكم الشرعية. وبالفعل، شرعت فى العمل، ومارست مهنة المحاماة، وترتدى رداء المحامين الأسود، وتتواجد بقاعات المحاكم بصفة مهنية. وقد عملت فى مكتب المحامى الشهير «محمد على علوبة باشا». ولكن، أدى تخرُّج «نعيمة» فى كلية الحقوق، ثم التحاقها بالعمل القضائى، إلى تفجير قضية (إشراك المرأة للرجل فى العمل). ولم يتركها المحامى «عبدالله حسين»، الذى قدّم «الأيوبى» إلى أوساط المحامين فور تخرجها؛ بل دعّمها بشدة، وكان أول من تحدّث عن القضية، وكتب مقالاً فى جريدة «الأهرام» فى يونيو 1933، دافع فيه عن عمل المرأة إلى جانب الرجل. وكتب فى المقال، وفقًا لشهادة المؤرخ «يونان لبيب»، إن: «عمل «نعيمة الأيوبى» فى المحاماة، لا يمكن أن يُعد منافسة للمحامين؛ وإنما هو إكليل فى تاج المهنة، ودُرَّة فى تاج المرأة المصرية». واتفق معه المحامى «حسين عفيف» فى مقال مطول آخر بالجريدة نفسها؛ حيث أيَّد فيه رأى «عبدالله حسين» المناصر لعمل المرأة، وأضاف إليه تفسيرًا مادّيًا لعمل المرأة فى وظائف الرجل، إذ كتب، إن: «عجز المرأة عن التكسب، يجعلها تلتجئ إلى الرجل فى إشباع حاجاتها الاقتصادية، ومن ثم تصير عبدة له من هذه الناحية». الجلسة الأولى وكعادتها، يبدو أن «نعيمة الأيوبى» لم تكتف مرّة أخرى بما وصلت إليه من تحقيق الذات، وبلوغ أسمَى معانى العلم والثقافة؛ بل صممت على إثبات رأيها وأفكارها، بأن للمرأة قوى مدفونة من قِبَل المجتمع، تجعلها تتساوَى مع الرجل فى العمل بالمجالات العامّة، والعمل الوطنى، وظهر ذلك فى اختيار «الأيوبى» على أن تكون أولى جلساتها ضد الاحتلال، فى خطوة تتميز بالذكاء والثقة. فى عام 1934، ذهبت محامية «مصر» الأولى إلى المحكمة؛ لتدافع عن ثلاثة من رموز الحركة الوطنية، ضد الاحتلال الإنجليزى، وهم: «فتحى رضوان» أحد مؤسّسى «حركة مصر الفتاة»، و«أحمد حسين» رئيس «حركة مصر الفتاة»، والصحفى والناشط «حافظ محمود»، الذى صار فيما بعد نقيب الصحفيين. وكان الثلاثة معروفين كقادة المقاطعة الاقتصادية لبضائع البريطانيين، من أجل محاربة الاحتلال. حكى مقال بعنوان: «مشاعل العدالة بين يدى حواء»، الذى نشر فى أبريل 1951 ل«حسن البسيونى» هذا المشهد غير المسبوق على المحاكم المصرية والمجتمع المصرى، وكيف كانت المحامية «نعيمة» عبارة عن مزيج من الثقة والثبات يمشيان على الأرض، وسط قاعة تعج بالرجال فقط فى أولى جلساتها. فكتب تحت عنوان جانبى «نعيمة الأيوبى..أول الغيث»، إن: «الجلسة منعقدة، والقاضى يناقش الخصوم.. وشقت الصفوف (سيدة) تسير بخطوات ثابتة، واحتلت مكانًا فى مقاعد المحامين.. فتوجهت إليها الأنظار متسائلة..ثم سرى الهمس بين الحضور عندما تقدمت (السيدة) إلى منصة القضاء تطلب قضيتها..ولم يتمالك القاضى أن أجابها بخشونة، أن القضايا التى بها محامون تنظر أولاً قبل غيرها.. واحتبست الأنفاس عندما رن صوت السيدة فى القاعة.. «أنا محامية».. وانتقلت الأستاذة «نعيمة الأيوبى» تشرح دعواها بنبرات سليمة، وصوت واضح، وقد ران على القاعة صمت بليغ، واشرأبت الأعناق (أى مدت وارتفعت الأعناق)، وأصاخت الأسماع.... وأتمت الأستاذة مرافعتها، وغادرت القاعة تشيعها نظرات الحاضرين وأمارات الدهشة والعجب لا تزال مرتسمة على وجه القاضى...سيدة تترافع أمام القضاء..إنه لم يرَ هذا من قبل..إنه حدث جديد». ثم عَلّق «البسيونى» إن المحامية خطت خطواتها الجرئية فى مواجهة العاصفة وحيدة، إذ ضرب رجال التقاليد كفّا على كف، متسائلين كيف لا تلتزم المرأة عقر دارها، متهمين إياها بأن هذا مخالف للآداب والفضيلة؛ بل وصل الأمر لاعتبارها خطرًا جديدًا. لكن، مضت «الأيوبى» غير عابئة بالنقد واللوم، ولم تكن تلقى بالاً للتعليقات التى تصل مسامعها، وهى فى طريقها للمحكمة كل يوم، لترد عليهم بينها وبين نفسها، قائلة: «نعم، فى البلد رجال؛ ولكن، هل يمنع ذلك من أن تؤدى المرأة واجبها كالرجل سواء بسواء؟». فى النهاية، استطاعت المحامية «نعيمة الأيوبى» بخطواتها الجريئة، وغير المسبوقة، كسر الأقفال المجتمعية، التى وضعت على أبواب المرأة فى مجال العمل؛ خصوصًا مجال المحاماة؛ لتفتح البابَ على مصراعيه أمام غيرها من الطموحات، إذ برز من بعدها أسماء محاميات لامعات مثل: «مفيدة عبدالرحمن، عطيات الشافعى، وديدة عزب، وعطيات الخربوطلى،.... وغيرهن»، اللاتى أثبتن، ما أوضحته «الأيوبى» بالفعل قبل الكلمات، وهو أن (المرأة تستطيع). 3 4 5