«أصل الحكاية عن ولد شبهى وشبهكم تمام.. فى قلبه لسه بيتولد قمر الحواديت والشجن والكلام».. كلمات ظهرت فى رائعة الشاعر المظلوم «عبد الرحيم منصور» ومخرج المهمومين «عاطف الطيب»، وتلاها «الزمار حسن». تلوح هذه الأبيات على أنها سيرة مختصرة لإمام الممثلين وشيخهم «نور الشريف»، الذى يندر أن يلد «الكار» مثله، والذى بالتأكيد أتعب وسيتعب من بعده اليافعين أصحاب المواهب الطامحين فى مجد أو شهرة، فهو ليس بأقل بأسًا من أن يناطح أكبر فطاحل التمثيل سواء فى بلده أو غيرها. قصته وإن يصعب أن تحتويها مجلدات، هى قصة ثورة عاشها «كار» التمثيل فى دنيا تسودها أنصاف وأرباع المواهب - وهم كثير- فى طليعتهم تلاميذ «نور الشريف» الذين أخذوا من علمه ونهلوا من عريكته، فلولا أمثاله لتولانا القنوط فى كفاحنا مع المجهول ولرفعنا الأعلام البيضاء من زمان، وقلنا للموت: هلم تعال.. افعل بنا ما تشاء. من المؤكد أن لنا فى حياة العظماء على شاكلة «نور الشريف»، أسوة وعبرة ومعينا لا ينضب من الخبرة والكفاح ولحظات متناظرة ومتضادة من اليأس والقنوت والاستسلام والأمل وعزة النفس. فهم الهامات والقمم التى نتطلع إليها بأعين مشدوهة، وهم الذين يجددون ثقتنا بأنفسنا وبالحياة وغايتها البعيدة السعيدة. جمع بين أصلين يجب أن يكونا فى الفنان هما الثقافة والموهبة المصقولة بالدراسة، فكان شعاره دائمًا «القراءة» لكى تكون أوسع وعيا وأصلب عريكةً وأعلى ثقة، وكان دائمًا يحتفظ بكراستين أعطاهما اسما، الأولى هى «كراسة القراءة»، والأخرى هى «كراسة الحياة» التى يدون فيها جميع الأشياء التى تثير انتباهه فى حياته اليومية ليستخدمها فى جميع شخوصه ك «لزمات». بهذا النحو أصبح لديه منهج خاص فى فن الأداء تحول إلى فلسفة عند شيخوخته، فاستحال الممثل الشاب من «أستاذ» إلى شيخ «فيلسوف» وملك توجته الدراما على عرشها، فكان كأنما يمتلك مفاتيح خاصة لتعابير وجهه ونبرة صوته حتى حركة حاجبيه، يتحكم بها كيفما شاء، فتراه وهو يعيد اللقطة يظهر أداؤه جديدًا فى كل مرة دون أن يطغى ذلك على تلقائيته التى نعهده بها وتراه يبرع فى فن «أنسنة» الشخصيات، لذلك كان يعتبر الذى لم يره «زكى رستم»، ظاهرة فنية مصقولة «ربانيًا»، ويعتب على صديق عمره «أحمد زكى» أنه ترك دنيانا دون أن نعرف نحن مدى تعملق موهبته. 240 عملا فنيا منها 171 فيلماروائيا و24 مسلسلاً ومسرحيات شتى لم تحصرها أى إحصائية لوفرتها، فلم لا وهو ابن المسرح منذ أن كان طفلاً صغيرًا يناديه الناس ب«محمد جابر» وينزوى بعيدًا عن أترابه فى حى السيدة زينب، ليقفز إلى خشبة مسرح مدرسة «بنان قادر» الإعدادية مستعرضا موهبته اليافعة فى تقليد شخصيات قدمها نجوم وقته أمثال «شكرى سرحان» و«عماد حمدى» و«مارلون براندو» و«جيمس دين»، بعد أن يذهب ليشاهدهم فى سينمات «الشرق» و«الأهلى» و«إيزيس» الموجودة فى نفس الحى. وبعيدًا عما قدمه «نور الشريف» فى المسرح، ورغم أن كاميرا السينما هى معشوقته الأولى، تبقى أعماله الدرامية خير شاهدٍ على قيمة ونبوغ وعبقرية هذا الإنسان الذى أضحك وأبكى المصريين على الشاشة الصغيرة منذ بدأ مشواره الفنى المديد بأدوار ثانوية فظهر فى مسلسل «أنا وأنت ورحلة العمر» ثم «عادات وتقاليد» عام 1966، وبعده بعام مسلسل «ذكريات بعيدة»، وعام 1969 «بعد العذاب» مع نور الدمرداش الذى ظهر معه أيضًا فى العام نفسه فى مسلسل «الانتقام». كانت أول بطولة درامية للأستاذ فى مسلسل «القاهرة والناس» عام 1972 مع المخرج «محمد فاضل»، ثم عام 1974 ب«الحواجز الزجاجية»، مع المخرج «حمادة عبدالوهاب»، وعام 1975 مسلسل «ابن الليل» مع «فايز غالى»، وفى العام التالى مسلسل «هروب» مع نيازى مصطفى. وفى 1979 قرر الأستاذ العودة إلى الدراما بعد انقطاع دام 3 سنوات، فظهر فى مسلسل «طائر الأحلام» للمخرج «محمد فاضل»، ثم تظهر أولى بوادر التمرد بداخله عندما يؤدى دور العمدة الشرير فى مسلسل «لسة بحلم بيوم» عام 1981، وفى العالم التالى يظهر فى «أديب» مع المخرج «يحيى العلمى»، وعام 1986 يقدم مع «أحمد فؤاد» مسلسل «ثمن الخوف». وفى 1993 يظهر «نور الشريف» فى مسلسل «الثعلب» مع المخرج «أحمد خضر»، دون أن يعرف أنه بعدها بعامين سيغير شكل الدراما العربية والمصرية للأبد، إذ بدأ فى تحضير الجزء الأول من الثلاثية العبقرية «لن أعيش فى جلباب أبى» و«عائلة الحاج متولى» و«العطار والسبع بنات»، فعرف المصريون للمرة الأولى «عبد الغفور البرعى» عام 1995 ليظل حتى هذه اللحظة بطلاً خالدًا فى وجدان الناس وثقافتهم، فاستحال بذلك أسطورة من أساطير الميثولوجيا الشعبية المصرية. فمنذ ذلك الحين تفرد وحده دون منازع فى تأسيس مدرسة «الدراما العائلية» المحافظة بأشكال وصور و«تيمات» مختلفة، فنراه يبدع فى «الرجل الآخر» و«حضرة المتهم أبى» وهى الأعمال التي لو رأيتها فى كل مرة ستتكشف لك عن شيء جديد نراه نحن عاديًا ويراه الأستاذ غير ذلك. استطاع «نور الشريف» أيضًا النهوض بالدراما التاريخية والدينية فنراه يتلحف برداء «عمرو بن العاص» فى «رجل الأقدار» والراشد الخامس فى «عمر بن العزيز»، والرشيد العباسى فى «هارون الرشيد»، واستطاع الخروج من دوامة الأعمال التجارية، فيقدم «الدالى» بأجزائه الثلاثة، وظل حتى 2015 ينتظره المصريون فى كل رمضان ليشاهدوا جديده، فعاشوا مع «الرحايا» و«عرفة البحر» و«خلف الله». فى مشهد لا يتعدى الثلاث دقائق مع «مدحت العدل» يظهر الأستاذ وقد أكله المرض وثقل لسانه ولاح الموت فى عيونه، بعد أن يقول للمشاهدين إنه سيراهن على مشواره الفنى كله وسيعتزل إذا وافق الأزهر على أحد أحلامه الدرامية، مسلسل شهيد كربلاء الإمام «الحسين»، ثم يشدو أبياتًا من رائعة «عبد الرحمن الشرقاوى».. «الحسين ثائرًا»، فيأبى «العدل» إلا أن يكون ختام الحلقة صوت «نور الشريف» مرددًا كلمات الإمام الشهيد، بصوت هابه الموت فعرف أنه لن يقدر عليه حتى لو اختطف صحابه بعد هذا اللقاء بعام واحد. كان الطفل «محمد جابر» مشتتًا بين اثنين، إما التمثيل ولعب الكرة، لكنه آثر ألا يغضب أباه وينزل عن رغبته ويلتحق بأشبال نادى الزمالك والانتهاء من الثانوية العامة، إلى أن بلغ سيله الزبى واستمع إلى شيطانه-من حسن حظنا- ليدخل قسم التمثيل بخدعة بسيطة أوهم فيها أسرته أنه دخل قسم الديكور، فيجد نفسه واقفًا أمام لجنة مكونة من «حمدى غيث» و«محمد توفيق» و«كمال يس» والناقد «درينى خشبة» يطلبون منه أن يمثل مشهدًا باللغة الفصحى وآخر بالعامة وثالثا ارتجاليا، فينجح ويرى اسمه على رأس كشوف المقبولين. طيلة سنوات المعهد انكب «محمد جابر» على القراءة بشكل ملحوظ، فعاش فى عوالم «نجيب محفوظ» و«يوسف السباعى» و«طه حسين» و«شكسبير» «ألبير كامو» و«ديستويفسكى» الذى عشق كلاسيكيته الشهيرة «الجريمة والعقاب» لدرجة أنه قرر إخراجها خصيصًا ل«أحمد زكى» فى السنة الثالثة من المعهد، وظل متحمسا لها فى وقت لاحق إلى أن قرر المخرج «حسام الدين مصطفى» تحويلها لفيلم بعنوان «سونيا والمجنون» بطولة «محمود ياسين» و«نور الشريف» فى منتصف السبعينيات. وظل «محمد جابر» بعد تخرجه يشق طريقه فى أدوار صغيرة على المسرح، إلى أن رآه المخرج «سعد أردش» بالصدفة ثم أسند إليه دورًا صغيرًا فى مسرحية «الشوارع الخلفية»، فاختاره المخرج «كمال عيد» ليمثل فى مسرحية «روميو وجولييت»، وأثناء بروفات المسرحية تعرف على «عادل إمام» الذى قدمه بدوره للمخرج «حسن الإمام» ليظهر فى أول أعماله الروائية فيلم «قصرالشوق» شابًا نحيلاً يقف أمام فطاحل زمانه «يحيى شاهين» و«عبد المنعم إبراهيم»، غير مدرك أنه سيتفوق عليهما يومًا ما. فالممثل الشاب الذى تخرج فى عام النكسة وترعرع فى وقت كانت فيه الفلسفة الوجودية ناشئة وتربى على مسرحيات «جان بول سارتر» و«ألبير كامو» وعاش مع دنيا «سورنكيركاكرد»، كان الأجدر أن يمثل أول شخصية «وجودية» فى الأدب المصرى، وهى «كمال عبد الجواد»، فأصبح عام 1965 هو العام الذى غير فيه «محمد جابر» اسمه إلى «نور الشريف» باقتراح من شقيقته «عواطف»، ويصبح بعد ذلك بطل «نجيب محفوظ» السينمائى الأوحد، وأستاذ الأساتذة. تحدى «نور الشريف» نفسه فى بداية مشواره الفنى بأن جال وصال فى عالم «نجيب المحفوظ»، فقد قدم من رواياته التى تحولت إلى أفلام، 8 أعمال بعد «قصر الشوق فنراه عام 1970 يظهر فى «السراب» الذى ظفر من خلاله على لقب «فتى الشاشة» مع زميليه «محمود ياسين» و«حسين فهمى»، ليعود فى رداء «كمال عبد الجواد» العجوز فى «السكرية» عام 1973، وبعدها بعامين فى «الكرنك»، الذى استعرضه فيه ما أنعم عليه الله به من «عضلات تمثيلية» أمام أهل «الكار». بشهادة «عم نجيب» الذى قال عنه مرة: «نورالشريف حينما يمثل لا يكون ذاته وإنما يكون الشخصية التى رسمتها». أما قصته مع توأم همومه «عاطف الطيب» فحدث ولا حرج، فكلاهما غير شكل السينما المصرية، وكلاهما حمل مشاغل البسطاء والشارع على كاهله، العلاقة بينهما بدأت بأن قدما للسينما المصرية والعربية أهم عملٍ لها على الإطلاق «سواق الأتوبيس»، الذى فشل فشلاً ذريعًا وقت عرضه وخلده التاريخ، فكانت مفارقة وأى مفارقة.. قدما معًا بعد ذلك 9 أفلام توجت بأغلبها الثمانينيات والتسعينيات، وآخر عمل جمع بينهما «ليلة ساخنة». وبعد وفاة «الطيب» المفاجئة، ظل «نور الشريف» يحلم بتقديم عمل فنى يروى قصة حياة صديق عمره «الطيب»، وبالفعل بدأ فى هذا المشروع قبيل وفاته بشهور قليلة، إلا أن القدر حال دون ذلك. ومع «نورالشريف» تمكنت أفلام «يوسف شاهين» من صنع جماهيرية حاشدة، فنرى الأستاذ يجسد الأستاذ فى «حدوتة مصرية» ونراه فى «المصير» يظهر فى عباءة «ابن رشد»، ليترك وراءه صرخات لا تزال مدوية إلى الآن، فهذا الدور شكل بلا شك نقلة فى تاريخ السينما المصرية، بيد أنه سلط الضوء على الصراع بين التيّار الفكرى الذى تبنّاه فيلسوف الأندلس الأشهر، وبين الأصوليين.