حاول بعض المبدعين تحقيق تجاربهم المسرحية فى هذا العام الذى ينتهى بعد ساعات، ومع اختلاف نوعيتها، والخشبة التى عرضت عليها - سواء فى مسرح القطاع العام أو الخاص أو حتى المُستقل - وتفاوت مستوياتها الفنية، وتضارب الآراء حول نجاحها، فالحيرة حول مُستوى المسرح المصرى مستمرة مع بداية العام الجديد، وبينما يرى البعض أن هناك طفرة إيجابية للمسرح لفتت الانتباه، يرى البعض الآخر أن ما قُدم فى المسرح المصرى لا يعبر سوى عن حاجته للكثير من الوقت حتى يستعيد رونقه الذى انطفأ. الفنانة «نشوى مصطفي» كانت لها تجربة خاصة فى عام 2017، عادت بها بعد غياب 25 عامًا عن خشبة المسرح، وهى مسرحية «سيلفى مع الموت» من إنتاج «فرقة المسرح الكوميدي»، تحدثنا مع «نشوي» حول تجربتها الفريدة فقالت: «الحركة المسرحية بها مجهود رائع، فهناك أعمال برزت، وكان لها رد فعل إيجابى، كما أن الجمهور عاد لمسارح الدولة، بل الأهم عودة فئات كانت ترفض الإبداع بأكمله!.. فمثلاً اندهشت خلال عرضى بوجود مُلتحين ومُنتقبات، وأسعدنى وجود أشخاص كانوا قد قاطعوا الحركة المسرحية مثل فريدة الشوباشي، د.خالد منتصر، وإسلام البحيري، وحتى الشيوخ مثل: خالد الجندي.. كما حضر عدد كبير من طلبة الجامعة، والعرض استمر 40 ليلة، ورئيس البيت الفنى للمسرح وعدنى باستئناف العرض مرة أخرى.. ولعل هذا يؤكد على أن الفن سيكون بخير إذا اجتهدنا وقدمناه بشكل جيد ومحترم خاصةً المسرح، فبرأيى الفن كالأوانى المستطرقة، إذا قدمت تجربة جيدة، ستجد تجربة أخرى جيدة ظهرت، سواء فى مسرح الدولة أو المسرح المستقل أو حتى الخاص، فأى نجاح لمسرحية بأى قطاع هو نجاح للجميع لأن كلها حلقات مرتبطة ببعضها البعض». وأضافت: «لقد تحمست لتقديم سيلفى مع الموت لأننى شعرت أن هناك كلمة يجب أن تُقال فى هذا التوقيت، ففى ظاهر النص نتحدث عن الحياة والموت، أما فى المضمون فنتحدث عن الإرهاب ومُمارسيه، والذين يتخذون الموت وظيفة لقتل كل معانى الحياة». وعن توقعاتها للمسرح فى 2018 أكدت: «شعرت بأن نجاح تجربة سيلفى مع الموت قد شجعت بعض الفنانات- بعدما حضرن العرض - على العمل بالمسرح، مثل إلهام شاهين، هالة صدقي، ورانيا يوسف، وهو ما يُبشر برغبة قوية فى عودة النجمات للمسرح. كما شهد عام 2017 مشاركة «حنان مطاوع» فى مسرحية «أنا فى أجازة» ومن هنا بدأت حديثها قائلة: «للأسف لم يحدث أى تقدم للمسرح فى 2017، ومازال المسرح يسير ببطء، ولا يعبر عن الواقع الذى نعيشه، فالمسرح أكبر بكثير مِمَا يُقدم عليه، فهو أبو الفنون، ومقياس تحضر الشعوب، ومازال يحتاج للكثير لكى يُحقق المرجو منه».. وعن العرض الذى قدمته قالت: «قدمت «أنا فى أجازة»، وهو من نوعية المونودراما، وكانت أحداثها تدور فى إطار سياسى، كوميدى، يناقش بعض قضايا المجتمع المصرى، وقد عرضنا يومًا واحدًا.. وأنا مع كل أنواع المسرحيات لأن أى تنوع يصب فى النهاية لصالح الحركة المسرحية، فالتنوع فى الفن هو الأساس». وعن توقعاتها للمسرح فى 2018 قالت: «ليس لدى توقعات لأن التوقعات تحتاج إلى دراسة ودراية بكل ما يخص المسرح من إنتاج ومبدعين وميزانيات، فالمسرح عالم كبير، ولكن أستطيع أن أقول إن لدى أُمنيات وهى أن تهتم الدولة بالمسرح على جميع مستوياته، وأن تكون هناك عروض جاذبة للجمهور، وألا نعتمد على العروض الكلاسيكية فقط، فلابُد أن يواكب المسرح متطلبات العصر الذى نعيش فيه كالسينما والتليفزيون، إلى جانب الاهتمام بدعوة كل النجوم للمشاركة فى الحياة المسرحية». الكاتب «عبدالرحيم كمال» كانت له مسرحية صوفية بعنوان «قمر العشاق» استمرت 30 ليلة فى رمضان الماضى، ولعبت بطولتها «سوسن بدر»، إلا أنه يرى أن الحركة المسرحية لم تعبر عن مصر، كما أو كيفا، باستثناء عدد (يتيم) من المسرحيات يمكن عدها على أصابع اليد، وحتى ما تم تقديمه، فأغلبه ليس عن نصوص مصرية، كما أنه ليس من المنطقى أن يتم تقديم خمس أو ست مسرحيات ل 100 مليون مواطن!.. فمن المؤكد أنهم لن يعبروا عن واقع هذا العدد من المواطنين، ولا عن كم المبدعين والمهتمين بالحركة المسرحية والفنية، والمشكلة الكبرى التى نواجهها هى أن دور الدولة فى المسرح «صفر»، سواء من ناحية الإنتاج أو الاهتمام أو الرعاية، وكل مناحى الحياة الثقافية. وأكد الكاتب «عبدالرحيم كمال» أنه حتى المسرح الخاص لم يعُد موجودًا، ف«الإسكندرية» التى كانت دائمًا ما تزدحم بالجمهور تم إغلاق مسارحها، وقبلها أُغلقت قصور الثقافة، وتضافرت كل العناصر السلبية التى ساهمت فى إظلام المسارح الخاصة، فالمسرح الخاص مات، ولم يعد موجودًا باستثناء تجربة «أشرف عبد الباقي»، وللأسف المسرح أصبح فنًا غير موجود». المسرح المُستقل حاضر بقوة فى العام الذى نودعه، وهو ما أكدت عليه المخرجة «دعاء حمزة» عند لقائنا بها، بدليل مسرحيتها «مفتاح شهرة».. تحدثت «دعاء» عن رؤيتها لمسرح 2017 قائلة: فى 2017 تم تقديم العديد من النماذج المسرحية المختلفة والمُشرفة مثل: «قواعد العشق الأربعون» على مسرح السلام، و«يوم أن قتلوا الغناء» على مسرح الطليعة، واستطاعت العروض المسرحية إعادة الجمهور مرة أخرى، على الرغم من أن هذا لا يعنى أن الكل يعمل، إلا أنها تظل خطوة وبداية مهمة لعودة المسرح». وعن المسرح المستقل وإثرائه للحركة المسرحية فى مصر.. قالت: «دائمًا ما يحاول المسرح المستقل إيجاد طرق لنفسه، وذلك عن طريق تأجير بعض المسارح مثل روابط والفلكى وغيرها، فهو لا ينتظر دعمًا من الدولة، وليس المسرح المستقل فقط، بل مسرح الجامعة أيضًا، فقد شهد هذا المسرح انتعاشة قوية فى 2017.. ورغم هذا النجاح، فإن هناك المزيد من الأمانى والخطوات المُتعلقة بالنهوض بالمسرح، منها إعطاء الفرصة لجيل الشباب وتعاونهم مع الرواد السابقين، وإتاحة الفرصة لعروض المسرح المستقل بأن يكون لها مواسم على مسارح الدولة، والحفاظ على مسارح الجامعة، وأن يتم الاهتمام بها من النُقاد.. كما يجب أن تكون البداية من خلال الاهتمام بالمسرح المدرسى لإخراج الطاقات الإبداعية من جديد». كانت «دعاء حمزة» قد عرضت «مفتاح شهرة» فى موسمين فقط، وقلة ليالى العرض مُبرره الميزانية المحدودة، فكانت هى من تقوم بتأجير المسرح، ولا تستطيع أن تستأجره لفترة طويلة لارتفاع التكلفة، مُوضحة أنه سيكون هناك عرض فى فبراير 2018، كما تأمل بعرض المسرحية فى المحافظات، بجانب المهرجانات حيث تُشارك ب«مفتاح شهرة» فى مهرجان «دوسلدورف المسرحى الدولي» فى مايو 2018، وتأمل مشاركة العرض فى مهرجانات أخرى. أما المخرج والممثل الشاب «تامر كرم» - صاحب تجربة مسرحية «يوم أن قتلوا الغناء»، التى حققت نجاحًا كبيرًا - فيرى أن هناك ظاهرة مهمة يجب الالتفات لها فى 2017، وهى الإيرادات الضخمة التى حققتها بعض العروض، إلى جانب تواجد الجمهور وعودته لمسارح الدولة دون وجود نجم شباك، وهو دليل على ازدياد الوعى بالحركة المسرحية لدى الجمهور.. ولكن للأسف لا توجد لدينا نماذج كثيرة للمسرح المستقل. من المؤكد أن التنوع فى المسرح مطلوب وضرورى، وهو ما حدث فى 2017، فمسرحية «الجلسة» مثلاً كانت تتحدث عن عالم الجن، ومسرحية «قواعد العشق الأربعون» أشبه للشكل الصوفى و«يوم أن قتلوا الغناء» بها اهتمام بالموسيقى، و«سينما 30» عن سينما الأبيض والأسود، وهو تنوع حميد للخروج من التكرار والملل، فلا يوجد تعارض بين مسرح الدولة والمسرح الخاص، ولكن هناك مشكلة فى المسرح الخاص تتعلق بالأرقام والأسعار المُكلفة للتذكرة، وهى مسألة مرتبطة بأجور النجوم المُبالغ فيها، بل أصبحت لا تلائم الوضع الاقتصادى والحالة المادية للأسر المصرية، وهو ما جعل الأُسر تعزف عنه تمامًا. كان «تامر كرم» قد عرض مسرحية «يوم أن قتلوا الغناء» لمدة 135 يومًا.