جامعة بنها الأهلية تحتفل بذكرى تحرير سيناء وتؤكد دور الشباب في استكمال البناء    مندوب أمريكا بمجلس الأمن: مضيق هرمز لن يكون ورقة مساومة بيد إيران    منذر طمين يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة المصري وسموحة بالدوري    بسلاح أبيض وصاعق كهربائي، الأمن يكشف تفاصيل الاعتداء على شاب بدمياط    قبل القمة.. الزمالك يتعثر أمام إنبي للمرة الثانية تواليا    ارتفاع أسعار الحديد وانخفاض الأسمنت اليوم الإثنين 27 أبريل 2026    هل يجوز الجمع بين نية الزكاة والأضحية في مال واحد؟، أمين الفتوى يجيب (فيديو)    رئيس الهيئة القبطية الإنجيلية: مبادرة «ازرع» لم تعد مجرد نشاط موسمي بل نموذج تنموي رائد    سيرجي ماركوف: مقترحات حل الأزمة عبر ثلاث مراحل لا تزال غير مؤكدة    محافظة القدس: اقتحامات مستمرة واعتقالات ومداهمات عنيفة شمال المدينة    رئيس البرلمان العربي يعزي رئيس الوزراء المصري في وفاة والده    مجلس الشيوخ يناقش تعديلات حازم الجندي بقانون التأمينات.. والنائب يدعو لفك التشابكات للحفاظ على أموال المعاشات    محافظ الجيزة يعلن تجهيز شلاتر للتعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة    وزير الرياضة يفتتح البطولة الإفريقية للمصارعة    كما كشف في الجول - روسيا تعلن مواجهة منتخب مصر قبل كأس العالم وديا    وقفة واجبة مع خطة الحكومة    جميعهم سيدات.. أسماء مصابي حريق 5 منازل بقنا    في واقعة الفيديوهات.. الاقتصادية تقضي بعدم الاختصاص في محاكمة طليق رحمة محسن    تأجيل محاكمة 73 متهما بقضية خلية اللجان النوعية بالتجمع لجلسة 24 يونيو    وزير العدل ينعى اللواء أركان حرب كمال مدبولي والد رئيس مجلس الوزراء    نادية مصطفى تنفي شائعة وفاة هاني شاكر وتؤكد: المصدر الوحيد لأخباره أسرته أو النقابة    التحضيرات النهائية لحفل افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. صور    جيسون ستاثام يعود بالأكشن والإثارة في Mutiny.. الموعد والقصة والأبطال    سعر الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يسجل7000 جنيه    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    الفرق بين المشروبات المهدئة والمنشطة ومتى نستخدمهما ؟    رمضان عبد المعز يروى أجمل قصة عن الثقة في الله في "لعلهم يفقهون"    سفير الصومال لدى مصر يبحث مع نظيره الجيبوتي سبل تعزيز الشراكة    وزير الاتصالات ومدير إنتل بالشرق الأوسط يبحثان التعاون في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني    أيمن بهجت قمر يحسم الجدل حول زواجه ويعلق على شائعات السوشيال ميديا    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة بمعدل 3 درجات وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 29    قيادات أزهر الأقصر يتابعون أعمال امتحانات آخر العام للمرحلة الإعدادية.. صور    تمت المراجعة// مع ارتفاع مدخلات الإنتاج وانخفاض الأسعار.. خسائر بالملايين لمزارعى محصول الفراولة    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    اعتماد رسمي لقيادات "الناصري"، محمد أبو العلا رئيسًا للحزب لدورة جديدة    طريقة عمل آيس كريم الزبادى بالتوت بمذاق لا يقاوم    أبطال المشروع القومي يتألقون في بطولة الجمهورية للتايكوندو تحت 17 سنة    شوارع الإسكندرية تتزين بشعار مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير قبل انطلاقه    دوري أبطال أوروبا 2025/2026 – من سيفوز، باريس سان جيرمان أم بايرن ميونخ؟    "قانون العمل الجديد والامتيازات المتاحة للمرأة" ندوة توعوية بجامعة العاصمة    محافظ البحيرة: توريد أكثر من 9603 طن قمح للشون والصوامع حتى صباح اليوم    وزير الصحة يشارك في افتتاح قمة الصحة العالمية بنيروبي    حفل جديد لفرقة الإنشاد الديني على مسرح معهد الموسيقى العربية    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية يحتفل ب "اليوم العالمي للرقص"    الصحفيين تعلن أسماء المرشحين لانتخابات شعبة محرري «الصحة»    محافظ الجيزة ينعى والد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء    تقرير: غموض مستقبل ماستانتونو مع ريال مدريد.. والكشف عن موقف ريفربليت    التأمين الصحي الشامل ينقذ حياة طفلة بعد ابتلاع "دبوس" ودخوله إلى القصبة الهوائية    السيسي يشيد بالتعاون مع روسيا في محطة الضبعة والمنطقة الصناعية    الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    غدا.. «العلم والإلحاد» حلقة خاصة لمعز مسعود على شاشة التليفزيون المصري    قائد مدفعية وأحد أبطال حرب أكتوبر، محطات في حياة الراحل كمال مدبولي (بروفايل)    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    مصرع شاب صدمه قطار خلال محاولته عبور السكة الحديد في العياط    محاولة اغتيال ترامب| الرئيس الأمريكي يكشف تفاصيل جديدة    القصر العيني يُطلق استعداداته للمئوية الثانية.. اجتماع اللجنة العليا السابع يُقرّ خطط التوثيق والإعلام والشراكات الدولية    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشاطرة والجارية


عبدالله كمال 18 ديسمبر 2010 2:00 م

لماذا لا تقوي مصر علي طموحاتها؟
استحالة أن نتقدم بنظرية أقل الإمكانيات
قد تبدو هذه المسألة ظاهريا إبحارا بعيدا عن السياسة، لكنها جوهريا في عمق السياسة.. ذلك أنها تتعلق مصيريا بأحد أهم عيوب «أداء الإدارة».. وترتبط تاريخيا بواحدة من أكثر نقائص ثقافة المجتمع انتشارا.. وعنوان هذه المسألة هو الحكمة المخادعة التي نتفاخر بها منذ مئات السنين: (الشاطرة تغزل برجل حمار).
هذا تزييف متعمد علي الذات.. لا يمكن قبوله وقد انقضي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. وترديد مثل ذلك المعني في عصر يموج بالمتغيرات يمثل عدوانا علي المنطق.. واغتصابا للعقل.. وإهدارا للقدرة.. وتمني الاستحالة.. والحلم بما لايكون أبدا.. وتبريرا لعدم اتخاذ القرار السليم في التوقيت السليم.. وتعطيلا للإمكانيات التي يكون مطلوبا منها أن تحرث البحر.. وتسويه.. وتسيطر علي موجه الهادر.. وتتخيل أنه تربة خصبة.. ومن ثم تزرع ملوحته.. وتجلس علي شاطئه في انتظار أن يثمر قمحا وأعنابا.
الواقع صعب. والإمكانيات محدودة. والمتاح يتميز بالندرة. هذه حقائق لايمكن تجاهلها.
لكن الحل لايمكن أن يكون أبدا إيهام (الشاطرة) أنها تستطيع أن تغزل برجل الحمار.. هذه (الرجل) ليس عليها إلا أن تحمل ما فوقها.. بل لابد بمشاركة ثلاثة (أرجل) أخري.. فتعبر به الحقول وتتخطي به القنوات وتنوء بأعباء النقل وجر الأثقال.. لهذا خلقت ومن أجل هذا يكون دورها.. الله لم يضفها إلي مخلوقه ذاك من أجل أن يأتي أحدهم لكي يجلس أمام نول ويبدأ في إبداع الغزول ونسج الخيوط وزيادة عدد العقد في قماش يمكن ارتداؤه.. الشاطرة حين تغزل برجل الحمار سوف تهدر الوقت وتقضي علي المتاح القليل وربما دمرت النول.. والأهم أنها سوف تفسد المهمة التي يقوم بها أصلا المشتغل بتلك (الرجل).
ذات مرة تشجعت (الجارية) وامتلأت بالرفض الذي لا تتمتع به (الشاطرة).. وردت علي سيدها حين أمرها بأن تطبخ.. وقالت له (كلف ياسيدي).. معلنة بذلك عن أنه حتي من لا يملكون قرارهم الحر.. ويتبعون أسيادا في علاقة غير متوازنة.. فيها الآمر والمأمور.. التابع والمتبوع.. لابد أن يسود منطق.. وأن يكون للعقل حكم.. وللقواعد تطبيقاتها.
- وزراء وأقوال
ما مناسبة هذا الكلام؟ وما ضرورته الآن؟ عشرون ألف سبب وخمسون ألف مناسبة.. يمكن أن أصفها فيما يلي لتبرير وجوبية نقاش هذا الآن. لكن أحد أهم المبررات كانت مناسبة سابقة منذ أشهر.. حين سمعت وزير المالية د.يوسف بطرس غالي يردد في معرض دفاعه عن سياساته المطبقة والمثيرة للجدل كلا المثلين.. مثل «الشاطرة» ومثل «الجارية».. كنوع من تقريب الأمور المعقدة لأذهان العامة.. وبغض النظر عن أن الوزير يريد بهذه الطريقة أن يتباسط مع الجمهور ويتواصل مع البسطاء.. فإن ما يردده ونردده جميعا يحتاج إلي أن نمعن النظر فيه.. خصوصا أن عديدا من مشكلات هذا المجتمع تتعلق بأنه إما أن الإدارة تطلب من العاملين فيها أن يغزلوا برجل الحمار.. أو أن الجمهور يطلب من الإدارة أن تغزل هي برجل من نفس النوع.
أنت مثلا لا يمكن أن تطور الجهاز الإداري وتطلب من العاملين فيه أداء رفيعا قادرا علي الوفاء باحتياجات الناس.. بينما علي المدير أن يقف عاجزا أمام تخاذل من يديره.. قانون العمل في مصر لا يتيح لأي إدارة أن تتحكم حقا في المتاح من الطاقات لديها.. وفي الأسبوع الماضي قال وزير التنمية الإدارية أحمد درويش إن العقوبات التي تفرض علي الموظفين ضعيفة جدا.. وأنه لا يمكن فصل أي موظف إلا بطريقة شديدة البطء والتعقيد حتي لو كان من عتاة المخطئين والكسالي.
مصر هي الدولة الوحيدة التي مرت بالأزمة الاقتصادية دون أن تتحدث عن انخفاض أعداد الموظفين. بل كانت تسعي فيها الحكومة إلي إقناع أصحاب الأعمال بألا يتخلوا عن العاملين لديهم في إطار تقليص النفقات. هذا أمر حميد. ولكنه يعني ببساطة أن الموازين الاقتصادية لن تكون سليمة.. أنت حافظت علي الاستقرار الاجتماعي وضحيت باستقرار المعادلة الاقتصادية.. وأصحاب الأعمال لم يفعلوا هذا إلا حين حصلوا علي حوافز من الحكومة.. أي أنه تم تمويل الوظائف من بند آخر.. وتسديد ثغرات في المعادلة بطريقة قسرية.. وغير اقتصادية.. وهذا لايستقيم وإن كان واقعا حدث.
- جهل مختلف
كما أنه لا يمكن أبدا أن تنطلق بهذا المجتمع إلي الأمام، مادام نظام التعليم كما هو، بلا قدرة علي إفراز المبدعين وأصحاب التفكير المنفتح، واستطاعة تطوير الحلول.. وضع تعليمي بهذه المواصفات يؤدي إلي مزيد من الأجيال مبتسرة الإمكانية أسيرة حالة نصف الجهل.. التي تفجر فيهم طموحات لا يقوون عليها ولاتتركهم في غياهب عدم التعلم.. وهو في بعض الأحيان يكون نعمة.. لأن الوعي الناقص مصيبة.. والعقول غير المكتملة تصبح ضحية سهلة لجهل من نوع آخر اسمه التطرف الديني والفكر الغيبي والثقافة المهترئة.
إن الانضباط المتحقق في العملية التعليمية بسبب جهود الوزير الأحدث في الحكومة أحمد زكي بدر هو هدف مهم.. لأنه لا تعليم في وجود تسيب. أساس العملية التعليمية هو الانتظام.
ولكن هذا لا يمكن أن يكفي وحده.. بل يحتاج إلي أفق أبعد.. بالتأكيد هو موجود لدي الوزير.. ولكنه يحتاج إلي إمكانيات مهولة وميزانيات أكبر.. وقبول من المجتمع للأفكار المختلفة والعصرية.. واحتمال التعايش مع حقيقة أن (الأصابع لايمكن أن تتساوي وتتشابه).
التعليم باعتباره أحد روافد التحضر، إن لم يكن أهم أركانه، هو مثال حقيقي لنظرية (الشاطرة والغزول)، حيث لايمكن أن تختار بين أمرين وتريد أن تحققهما معا.. تعليم حقيقي ومبدع ومنتج لأجيال متميزة.. أم استقرار اجتماعي يقوم علي تقديم الخدمة التعليمية في حدها الأدني لكل الناس في كل وقت بدون أي تكلفة.
ليست هذه دعوة لإلغاء مبدأ المجانية الذي ينص عليه الدستور. ولكنها بالتأكيد نداء إلي كل من يعنيه الأمر.. أي من أبسط مواطن إلي أرفع صانع قرار.. بأن نعيد النظر في النظام القائم.. وفق أسس تتيح قدرا من المجانية.. ينتهي عند مرحلة بعينها.. تؤهل كل البشر في اتجاه اكتساب مقومات أساسية لا يعيش الفرد بدونها.. وتوجيه بقية الإمكانيات من أجل الوصول إلي نخبة عريضة من المتعلمين الأكفاء والقادرين علي مواجهة تحديات العصر.
بمعني آخر أن نخرج من صندوق الأفكار المرضية.. من الرضاء لا المرض.. إلي صندوق أفكار آخر أو حتي إضافي.. يؤدي إلي تحقيق ما هو أبعد من الرضا.. هذا لن يكون عصر الرضا بالقليل.. وإنما هو عصر الطموح والأفق المفتوح والعقول التي لا تقيد نفسها بتكبيل لا لزوم له.. خشية إزعاج هذا وتوتير ذاك.. وخضوعا لابتزاز ثالث.
- أي استقرار.. نقصد؟
أتفهم تماما ضرورات الحفاظ علي التوازن الاجتماعي.. والاستقرار بمعناه العام.. وليس بمعناه الأمني.. ولكن بين هذين المتطلبين الجوهريين للحفاظ علي الأوضاع العامة وضمان رضاء الفئات المختلفة.. لابد أن هناك سبيلاً ما إلي تحقيق أهداف أبعد.. وأغراض تؤدي إلي حدوث انتقالة أسرع.. لاسيما أن لدينا سوابق تؤكد قدرتنا علي هذا.
لقد خضع القرار في عقود الثمانينيات والتسعينيات وبداية القرن الواحد والعشرين بخصوص البرنامج النووي المصري إلي تخوفات أمنية وبيئية، قياسا علي أن اتجاهات في المجتمع تخوفت من أن تؤدي أي خطوة إلي كارثة نووية تشبه ما جري لمفاعل تشيرنوبل.. ثم كان أن اتخذنا مؤخرا وبعد سنوات قرارا تأجل مالا يقل عن عشرين سنة.. وبدأنا في الخطوات التنفيذية من أجل البدء في المشروع النووي الذي يمثل الآن ضرورة حيوية.. ولم يعد أحد يسمع لأي رأي يردد التخوفات التشيرنوبلية.
ما يعني أننا قادرون علي اتخاذ مثل هذه الخطوات الضرورية.
وينطبق هذا أيضا علي قانون المشاركة بين القطاعين الخاص والعام في مشروعات الاستثمار في البنية التحتية.. من طرق ومدارس ومحطات مياه وصرف صحي وما هو أبعد من ذلك.. هذا القانون الذي اتخذ طريقه إلي التطبيق بدءا من الأسبوع الماضي بُعيد أن اتضحت الأفكار الحكومية بخصوص الملفات التي يمكن طرحها لمشاركة القطاع الخاص.. يمثل حلا إبداعيا مهما جدا.. سوف يحقق انتقالة نوعية في حياة المصريين.. لأنه يحقق الهدفين: توفير الخدمات وتلبية الاحتياجات، بدون أن تتكبد ميزانية الدولة نفس الأرقام المطلوبة في استثمارات مهولة، وفي ذات الوقت يمكن للقطاع الخاص أن يتوسع وأن يوفر فرصا للعمل وأن يكسب وأن تنمو الرأسمالية الوطنية وأن يرتفع معدل النمو.. وغير ذلك.
إذن لدينا القدرة علي أن نخلق أفكارا مبدعة.. وألا نطلب من الشاطرة - وهي هنا الحكومة - أن تغزل بما لا يمكن الغزل به، فلا يمكن أن تطلب منها زيادة عدد محطات المياه النقية بدون أن توفر لها تمويلا، ولايمكن أن تنشئ مزيدا من محطات الصرف الصحي بدون أن تدفع تكاليف ذلك بالدين وارتفاع عجز الميزانية، كما لا يمكن أن تتحرك شركات المقاولات وهي عماد رئيسي في الاقتصاد بينما الزبون الرئيسي لديها هي الحكومة.. التي تحرر عقودا بدون أن تتمكن من دفع تكاليفها.
لقد انطلقت في السوق روح حيوية خلال الأسبوع الماضي، بعد أن قالت الحكومة أن لديها نية الاستثمار بمائة مليار جنيه في مشروعات البنية التحتية، وهبت الشركات، وانهمرت الأفكار، وسوف يؤدي هذا إلي اجتذاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية خصوصا القادمة من بلاد الوفرة العربية.. وعلي الهامش من هذا فإن الاستثمارات القطرية قد دبت فيها حيوية ملحوظة في القاهرة والقاهرة الجديدة والبحر الأحمر كنتيجة للزيارة المؤثرة والفعالة التي قام بها الرئيس مبارك لقطر منذ أسبوعين.
حسنا، نحن نقوم بفتح استراتيجي - إذا جاز هذا التعبير العسكري في مجالات الاقتصاد - لكن لا يمكن لأي قرار بالفتح الاستراتيجي أن يتم بدون قوات كافية.. لا يوجد فتح استراتيجي بفصيلة أو كتيبة.. تحتاج علي الأقل أكثر من فرقة تضم كل منها مجموعة ألوية.. من أين سوف تجد الشركات التي تعمل في هذه النطاقات الواسعة قوة عاملة مؤهلة وكافية لتلبية الاحتياجات العصرية.. هل الموجودون في خانة البطالة يمكن لهم أن يسدوا هذه الاحتياجات؟
بالتأكيد النفي هو الإجابة.. لماذا؟ لأن الكثيرين منهم غير مؤهلين بالطريقة الصحيحة باعتبارهم نتاج نظام تعليمي قاصر.. وبينما نحن نصدر العمالة.. وبينما شركاتنا تستقطب إلي أنشطتها الخارجية مزيدا من العمالة المميزة من السوق المصرية.. فإن هذا يعني أننا سوف نواجه نقصا متزايدا في القوة العاملة الحقيقية واللائقة خلال فترة قصيرة.. إذن لابد أن نتوقف عن تطبيق نظرية (الشاطرة والغزول) في قطاع التعليم.
- مصر وكوريا
المسائل مترابطة. والملفات متشابكة. مثلا قطاعات كثيرة تتحدث عن أن العملية التنموية في مصر تزامنت في بدايتها مع بدء العملية التنموية في كوريا الجنوبية.. ولكن كوريا تقدمت ومصر لم تصل إلي نفس المستوي.. كيف هذا؟ والإجابة المعروفة قريبة من اليد.. ولكني سوف أذهب إلي إجابة أبعد.. إذ كيف يمكن أن تصنع التقدم بثقافة بالية.. ومنظومة قيم مقيدة.. وأفكار متأخرة.. كوريا ليس فيها مثلا تطرف ديني.. لا يرتدي الأطفال الحجاب في روضات الأطفال الكورية.. ولا يكون مطلوبا من الإناث في عمر الزهور ألا يصافحوا الرجال أو مجايليهم من الأطفال الذكور..
لا يوجد بلد حقق نموا ملحوظا وقادرا علي الانطلاق إلي الأمام إلا وقد تخلي عن الأحجار التي ربط بها أقدامه واستسلم لسجنها قروناً من الزمان. ولايمكن لأي شاطرة أن تغزل بثقافة فيها قيم التواكل والاتكال والأحلام العاطفية التي تناصر مشروعا فارسيا للهيمنة علي المنطقة بما فيها مصر بحجة أنه مشروع إسلامي.. أو ثقافة يمكن أن ترسخ الطائفية وتقوض الاستقرار من خلال تنازعات مستمرة بين المسلمين والأقباط.. أو ثقافة لم تزل تعتقد أنه يمكن أن نستعيد عصور الخلفاء الراشدين.. أو جماعات تروج بين الناس أنهم ماداموا مسلمين فإن الإسلام هو الحل دون أن يقولوا ما هي طبيعة هذا الحل.. ثقافة تسمع ولاتعقل.. تغويها الشعارات ويغلبها اللا منطق.. ثقافة تعتقد أن ماليزيا انطلقت لأنها مسلمة وليس لأنها دولة عامرة بالموارد من البترول والزيوت والمطاط.. ثقافة تنظر إلي ماليزيا ولا تلقي بالا إلي المستوي الذي بلغته سنغافورة جارتها التي انفصلت عنها في مطلع خمسينيات القرن الماضي.
- والثقافة أيضا
الانطلاق الاقتصادي لايمكن أن يتحقق بدون انطلاق تعليمي.. والتعليمي لا يتأتي بدون ثقافة متطورة.. وهي بدورها لن تتحقق بدون تطوير المؤسسات التي تصب بروافدها في معين منتوج هذه الثقافة.. ومن ذلك المؤسسة الدينية.. والمؤسسة الثقافية.. وأهم من كل ذلك مؤسسة الإعلام.
ونحن في الصحافة، باعتبارنا صدي كل أمراض ومزايا المجتمع، ومن أهم روافد مؤسسة الإعلام ، نحتاج تطويرا.. ولا يمكن لنا أن نواصل الغزل برجل حمار.. المؤسسات تحتاج إلي تمويل متزايد.. والصناعة تتطور وتحتاج تدريبا.. وتنمية قدرات.. وإنفاقاً أوسع.. وأفكاراً أرحب.. ورؤي تتجاوز حدود الصندوق المغلق.. والقواعد التقليدية.. وبما يسهم في حركة المجتمع.. والدفاع عن مكتسباته.. وتطوير أفكاره.. وتمهيد قبوله لمتغيرات العصر.. والتعامل مع تحدياته.. والتفاعل مع المنافسة.. التي لا يمكن لها أبدا أن تغزل بالطريقة القديمة وبنفس الأساليب.
مستوي التعليم يؤثر في كفاءة الصحافة.. ويؤثر فيها تراجع مستويات التسويق.. وانعدام قدرات التدريب.. والرؤي الكلاسيكية تعطل المهنة عن أن تلحق بالتحديث.. ولا يمكن لمضمون جيد أن يصمد بدون آلية تحمله وتذهب به إلي المتلقي.. بل إن بقاءه علي حاله قد يؤدي إلي انحسار تأثيره.. إن تحميل المضمون بأعباء القيود المكبلة بها المؤسسات يعني مرة أخري أن تغزل برجل حمار.
- الحسبة الإدارية
ولا يمكن أن يتحقق انطلاق اقتصادي بدون أن ننتبه إلي معوقات تتضخم يوما تلو آخر من خلال ثغرات القانون.. تؤدي إلي ارتباكات إدارية وتعقيدات بيروقراطية.. وقد تطرقت في الأسبوع الماضي إلي أهمية أن نتدارس الدور الذي يقوم به القضاء الإداري ومجلس الدولة في الحياة العامة.. وفقا للقانون الصادر في عام 1972. أن معضلاته تتوسع وتتفلطح بدءا من عدم قدرة وزير علي أن يتخذ إجراء ضد ساع.. وحتي عدم قدرة الحكومة علي أن تتخذ قراراً مستقرا بشأن استثمار مهول كذلك الذي يتم في مشروع مدينتي.
لقد تخلصنا من عيوب وضغوط الحسبة الدينية التي كانت تعطي الحق لأي شخص في أن يقاضي أي شخص بسبب تصرفات يعتقد أنها لا تتفق مع صحيح الدين.. واتخذنا إجراءً قانونيا منع استغلال المتطرفين لنصوص قانونية تعطيهم ما ليس لهم.. وآن الأوان أن نتخلص أيضا من الحسبة الإدارية التي تجعل أي شخص في أي مكان في أي وقت يمكنه أن يتقدم برفع دعوي قضائية ضد أي قرار تصدره الحكومة.. سواء كان يتعلق بتصدير الغاز أو تسعير قطعة أرض.. إن خضوع القرار الإداري لهذه القيود هو أحد أهم المعوقات التي تمنع (الشاطرة) من أن تتمكن من غزل التنمية وحماية مناخ الاستثمار.
عبد الله كمال
يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى
www.abkamal.net
أو موقع روزاليوسف:
www.rosaonline.net
أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:
http//alsiasy.blospot.com
http//:abouzina.maktoobblog.com
أو للمتابعة على موقع تويتر:
twitter.com/abkamal
Email:[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.