هل يمكن لنظام اجتماعى تحكم فيه العلاقات بين الأفراد «المغالبة» لا «العدل»، ويقوم نظامه التعليمى على «الحفظ» لا «الفهم»، ويسوده «الفقر» لا «الرفاهية»، والفوضى لا النظام، هل يمكن لنظام اجتماعى مثل هذا أن يخرج أفرادا يسعون لتحقيق العدل، والفهم، والرفاهية؟ هل يمكن لهم أن يطبقوا شريعة غير تلك التى بأدمغتهم، والتى حفظوها منذ الصغر. هل يمكن لشعب نشبت فيه الفهلوة والهمجية والأمية وغطرسة القوة بأنواعها، اختيار موفق لنائب الشعب أو رئيس للجمهورية؟ لذلك أرى أنه لابد أن يتم إعفاء الأميين من الاختيار، لأنهم لم يكونوا أمناء مع أنفسهم ليتعلموا، فلا يمكن أن يكونوا أمناء مع الأمة، ولقد أمرهم القرآن أن يقرأوا فلم يتعلموا القراءة، ولربما تصوروا أن الأمية سنة عن الرسول، أيمكن لمثل هؤلاء اختيار سوى. لذلك يجب منح الأمى بطاقة هوية بلون مغاير لباقى شعب مصر حتى يخجل الأميون من التسرب من التعليم.
لهذا الزخم فى الجهل والهمجية نجح هذا الغبار الفكرى المسمى بأنه إسلامى أن يصل لمجلس الشعب، ذلك الفكر الذى يسمى فهمه الشخصى للدين شريعة إسلامية يريد تطبيقها، وقد لا أعتب عليهم، فالعتب كل العتب على الأزهر ومناهجه التى روجت لضلالات فقهية من زمن الأمية والكذب على رسول الله أن تصل لتحتل مكانا مرموقا بعقلية كل مسلم، فتجد النرجسية، ومناقضة القول للفعل، وانحطاط الإخلاص، والكذب، والتخلف الحضارى، ووأد العلم والمفكرين، كل ذلك منتجات يومية بالدول المسماة إسلامية، تلك الدول التى يجتمع فيها الناس مع الدعاة كل جمعة، لكننا اعتدنا الشعارات والصراخ بلا أى تغيير على أرض الواقع ولا معالجة للذات، وهم يصيحون بشعارات تظنهم بها عقلاء بينما تجد فعلهم يسكن وادى إبليس.
فهم يقولون بأن الإسلام أكرم المرأة، بينما هم يتفننون فى إهانتها، وليس أقرب إليك من نائب مجلس الشعب الذى طلب إلغاء قانون الخلع حتى تصيح المرأة قائلة (أريد حلا)، ونائب آخر يريد خفض سن الزواج إلى البلوغ، يعنى حوالى سن 12 13 سنة، ولست أدرى أيريدون تزويج الفتاة بتلك السن حتى يساهموا فى فرض الجهل والأمية على الإناث مرة أخرى، إن مضاعفات الإقلال من سن الزواج فيه إهانة للمرأة لأنه يمنع حقها فى التعليم، وفى حرية إرادتها لاختيار شريك الحياة.
إن الأقدمين من أسلافكم الذين تهتمون بفقههم والذين تهتمون بفهمهم ويشرعون لكم قالوا بجواز نكاح الصغيرة ولو كانت بالمهد، لكن لا يطأها زوجها إلا أن تتحمل الوطء، أتريدون منا أن نصل لهذا العته والفساد الفقهى الذى كان عليه سلفكم الصالح، والذى تسمونه شريعة!!
وهم يقولون بأن الإسلام دين النظافة وأنه يحض عليها، لكنك تجد شوارعهم وقد امتلأت بالقمامة من كل نوع، فلا يكاد المسلم يجد بيده ما يستغنى عنه إلا وأسرع بإلقائه بالطريق، فأين شريعة (إماطة الأذى عن الطريق صدقة)، أم أننا لا نحتاج لتلك الصدقات، ثم ومن الأنكى أن شعبنا يمارس نشر القمامة ويطالب الحكومة بإزالتها، ومجلسه الموقر ينادى بقانون لحد الحرابة، وكأننا بمصر قبل مقدمهم كنا نكافئ القاتل، ونمنح المغتصبين للفتيات نيشان، ونمجد قطاع الطرق، ولم يكن عندنا قوانين.
ويقولون بأن الإسلام دين النظام، لكنك تجدنا من أكثر شعوب الأرض همجية، فمن عدم احترام لقواعد المرور، إلى عدم المحافظة على المواعيد، إلى عدم التقيد بترتيب الحضور، بل نحن نتحايل على الدور بالفهلوة فإن لم نستطع فبالرشوة، وسلم لى على مسلمين يحبون الإسلام وتطبيق الشريعة، ويطلقون لحاهم ويقصرون جلبابهم فذلك مبلغهم من العلم.
ويقولون بأن المسلم غير لعّان ولا شتّام ولا صخّاب بالأسواق، بينما نحن من أكثر شعوب الأرض قاطبة فى السب واللعن والشتم، وزاد علينا بهذه الأيام كثرة الضرب والأذى للناس، ويكفيك لأن تثبت ذلك أن تدخل قسم شرطة لتجد المحاضر بين الناس المتشاتمين، بل وتجد الشتائم ذاتها بين الشرطة والشعب، فأين شريعة الإسلام فى الأدب وحسن الخلق، بل أين اتباعكم لسيدنا رسول الله الذى كان على خلق عظيم، أم أن شريعة السواك والجلباب أهم فى نظر المعتلين فكريا، وهل تكون أسبقية التشريع بمجلس الشعب لقطع يد السارق وحد الحرابة وإلغاء الخلع، أم تكون الأسبقية تشريعات تساهم فى رفع كفاءة أخلاق شعب، أليست الأخلاق من الشريعة، ألا نبحث لماذا فشلت خطبة الجمعة أن تؤثر فى الناس طوال سنوات خلت.
وقد بلغت نسبة الفقراء بمصر 41٪ فهل هذا من فرط إيمان هذا الشعب، وهل الناس بماليزيا المسلمة، وكوريا غير المسلمة، والصين، والهند، يطبقون حدود الله لذلك أمطر الله عليهم من خيراته، أرى أن سوء الإدراك الفكرى والفقهى هو سبب ما نحن فيه.
وعمن يريدون تطبيق الشريعة من السادة النواب فحدث ولا حرج، فلا أحد منهم على الإطلاق لديه فهم صحيح عن الشريعة، فمبلغهم من العلم تكوّن من أوراق صفراء كتبها الأقدمون من خلال إمكاناتهم فى الإدراك الذى أراه متواضعا للغاية، وإمكاناتهم فى العلم وأدواته والتى كانت شحيحة للغاية، ثم تجد المحدثين يتوالدون وهم يفخرون بهذا التواضع الإدراكى والفقر العلمى، بل والأدهى والأمر أنهم يريدون أن يطبقوا علينا شريعة كان يجب تنقيتها وتطويرها.
ومن فرط جهل أكثر الناس أنك تجدهم يصرخون من تعبير (تطوير الشريعة)، فهم يخلطون بين العقيدة والشريعة، بل منهم من لا يدرون الفرق، فالشريعة متطورة، لكنهم لا يدركون، فقد أوقف عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم، فهل كان هذا لأحقية عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يعبث بالشريعة، أم لأن للشريعة مقتضياتها المرنة التى لا يفهمها السادة المتأسلمون؟
وهل حين يقول رسول الله بأن تسعة أعشار الرزق فى التجارة، ألا يمكن تطويرها لتكون فى الصناعة!!، ألا يمكن تطويرها ليكون تسعة أعشار الرزق فى البحث العلمى!!، أيكون تطوير فهم وتطبيق الشريعة حرام نتعذب به فى النار، ألم يقم الإمام الشافعى بتغيير كثير من آرائه الفقهية وفقا لمغايرة شعب مصر عن شعب العراق، فلماذا تريدون تطبيق فهم القدامى على المحدثين؟
ما أرى القائمين بالصراخ حول تطبيق الشريعة إلا أنهم فتانون باسم الله، وباسم الدين، وأن عليهم أولا أن يتعلموا ما هى الشريعة وما هى أسبقياتها وأولويات تنفيذها، سواء أكانوا نوابا للشعب أم من رجال الأزهر، ثم بعدها قد يحق لهم أن يقدموا أنفسهم على انهم يريدون تطبيق الشريعة.